لم يتبع بيان الحق في ترتيب كتابه منهج أبي عبيد وصاحبيه، فيوردَ أحاديث رسول الله ﷺ ثم يتبعها أحاديث الصحابة فالتابعين كلٍّ على حدة، ولا اقتفى أثر الهروي صاحب الغريبين، فيرتبَ الأحاديثَ على المواد اللغوية، بل صنف كتابه على الموضوعات، فقال في مقدمته:
"وخرجته على أربعة عشر كتابًا يفترّ كل كتاب عن خطبة غراء تلمع بفوائد ذلك الكتاب، كما يتقدم الصباح شروق الشمس، والرياح طلوع السحاب".
وهي:
١- كتاب التوحيد والإيمان وما جاء في القرآن.
٢- كتاب النبوات وذكر بعض المعجزات.
٣- كتاب البدء والحياة والحال والمآل.
٤- كتاب الموت والبعث والثواب والعقاب.
٥- كتاب العبادات.
٦- كتاب أحكام المعاملات.
٧- كتاب زواجر الجنايات.
٨- كتاب الحرب والسلطان.
٩- كتاب المواعظ والوصايا.
[ ٣٤ ]
١٠- كتاب الحكم والآداب.
١١- كتاب الألفاظ والأمثال.
١٢- كتاب المحاسن والمحامد.
١٣- كتاب المساوئ والمناهي.
١٤- كتاب النساء.
لم يقسم بيان الحق هذه الكتب إلى أبواب، ولكنه عقد أحيانًا بعض العناوين في داخلها وجمع تحته أحاديث في موضوع واحد، ففي كتاب النبوات نجد العناوين الآتية:
- أخبار في مقدمة النبوة.
- ومن الأحاديث في خلقه ﷺ.
- ومن الأحاديث في خلقه وسمته وذكر مجالسه وأحواله ﷺ.
- ومن الأحاديث التي فيها الجواب عن مطاعن ممن يلحد في النبوة لجهله ويدعي التناقض لخبث اعتقاده.
- أحاديث فيما أخبر به عما يكون بعده ﷺ.
وكذلك في كتاب العبادات بعد تفسير أحاديث الطهارة والصلاة عقد العناوين الآتية:
- ومن غرائب الأحاديث في الزكاة.
- غرائب أحاديث في الصوم.
- أحاديث في الحج.
وقد سبق في التمهيد أن أبا عدنان عبد الرحمن بن عبد الأعلى السلمي -وهو من أصحاب أبي زيد وأبي عبيدة- صنف كتابه في غريب الحديث على
[ ٣٥ ]
أبواب السنن، وقد وقف عليه ابن درستويه (٣٤٧هـ) فوصفه بقوله: "ذكر فيه الأسانيد، وصنفه على أبواب السنن والفقه، إلا أنه ليس بالكبير" (١) . وقد رأى أبو الخير سلامة بن غياض الشامي الكفرطابي النحوي (٥٣٤هـ) نسخة من كتاب أبي عدنان بالري. فكان كتاب أبي عدنان إذن في زمن بيان الحق، ولا ندري أوقف عليه أم لا؟ غير أنه لم يكن بين يديه حينما ألف كتابه جمل الغرائب. ولا نعرف من أصحاب الغريب من اتبع أبا عدنان في ترتيب غريب الحديث على الموضوعات غير بيان الحق. ولكن بينهما اختلافًا ظاهرًا من عدة وجوه، منها:
أن بيان الحق لا يذكر الأسانيد، ومنها أن كتابه –في عناوين أبوابه- يشبه الجوامع والمسانيد من كتب الحديث من جهة، ومن جهة أخرى يشبه كتب الأدب والأخبار، وأما السنن فليست إلا جزءًا من كتابه. ثم كتاب أبي عدنان لم يكن كبيرًا، أما كتاب بيان الحق فهو كتاب حافل كبير.
وقد افتتح بيان الحق كل باب بخطبة تشير إلى فوائده، أنشأها بأسلوبه الأدبي. وأورد هنا خطبة قصيرة منها لتكون نموذجًا لسائرها. وهي التي استهل بها كتاب زواجر الجنايات:
"الحمد لله المحمود في أوصافه وأسمائه، المعبود في أرضه وسمائه. دل بانتهاء كل شيء على ابتدائه، وخبّر بتغير كل أمر عن انقضائه. يدعو رجاؤه إلى الحسنات، ويكف خوفه عن السيئات. ويؤدي مراقبته إلى العفو والنجاة، وتبعث ألطافه على البر والتقاة. وتفيء فروضه إلى أوفى الفلاح، وتفيض
_________________
(١) تاريخ بغداد ١٢: ٤٠٣.
[ ٣٦ ]
حدوده بأوفر الصلاح. له الحكم المبين، والكيد المتين. يهلك المعتدين، وينشئ بعدهم قرنًا آخرين. يخشى سطوه على المسيئين، ويرجى عفوه للمنيبين. لايني لطفه في اصطفاء الأخيار، ولا ينثني بأسه عن إرداء الفجار. يحاسب في اليسير والكثير، ويجازي بالكثير على اليسير. تعنو لعزة وجهه الوجوه، ولا يحمد غيره على المكروه. لا يعذب قبل التحذير وتقدمة النذير، ولا يعزب عن علمه عظيم ولا حقير، ولا يخلو عن فضله صغير ولا كبير. لا يفارق حمده بالنا وفكرنا، ولا يزايل شكره مقالنا وذكرنا. شاهدين بأنه بادئ الأديان وخاتمها، وفارض الأحكام وحاتمها. ورادع أهل الزيغ بعقوباته عن جهالتهم، ووازع أولي الضلال بحدوده عن ضلالتهم، وجاعل محمد سراج هذا العلم، وسيد ولد آدم، وباعثه بالقول الصادق، والوعظ الصادع، والهدي الساطع، والسيف القاطع. فجاهد في ذاته حتى لان الأبي، ودان العصي، وهان القوي، واستكان الغوي، فصلى الله عليه وعلى آله الذين ما غيروا ولا بدلوا، الذين قضوا بالحق وبه عدلوا".
[ ٣٧ ]