يسلك بيان الحق في تأويل الصفات مسلك الأشاعرة والماتريدية. وقد ذكر في تفسير سورة الفاتحة قاعدة في ذلك، فقال: "وهاهنا إشكال آخر معنوي في كيفية غضب الله، فينبغي أن تعلم أن الغضب من الله يخالف غضبنا، فإنه منا شهوة الانتقام عند غليان دم القلب. ومن الله إرادة المضار بمن عصاه. وها هنا أصل تعرف به عامة الصفات المشكلة المعاني، وهو ألا يذهب فيها إلى التوهم اللفظي بحسب المبدأ، ولكنه بحسب التمام، فأوصاف الله تعالى يحتمل على الأغراض الانتهائية لا على الأعراض الابتدائية مثاله الرأفة
[ ٢٢ ]
والرحمة وكذلك المحبة والغضب يعرض لنا فينتقض الطبع على جهة الحمية ويتغير الوجه وتحمر العين، وربما يرتعد البدن، ثم يدعو إلى جنس من العقوبة يضاد الرضا. فيوصف الله تعالى به على هذا المعنى الأخير الذي هو الغاية والمآل. وعلى هذا يجري القول في الصفات، والله أعلم".
وللفخر الرازي (٦٠٦هـ) في تفسيره كلام شبيه بكلام بيان الحق وقرر أن هذا هو القانون الكلي في هذا الباب (١) . وقد رد على هذا الكلام شيخ الإسلام ابن تيمية في فتاواه فقال:
"وأما قول القائل (الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام) فليس بصحيح في حقنا، بل الغضب قد يكون لدفع المنافي قبل وجوده، فلا يكون هناك انتقام أصلًا. وأيضًا فغليان دم القلب يقارنه الغضب، ليس أن مجرد الغضب هو غليان دم القلب وأيضًا فلو قدر أن هذا هو حقيقة غضبنا لم يلزم أن يكون غضب الله تعالى مثل غضبنا، كما أن حقيقة ذات الله ليست مثل ذاتنا، فليس هو مماثلًا لنا: لا لذاتنا، ولا لأرواحنا، وصفاته كذاته" (٢) .
وفي بعض المسائل يساير بيان الحق المعتزلة أيضًا، ومنها نفي نسبة الإغفال والإضلال ونحوه إلى الله تعالى (٣) .
أما في الفقه فكان بيان الحق حنفيًا، ويستعمل في مؤلفاته لفظ "عندنا"، و"عند أصحابنا" و"مذهبنا" للأحناف، ويحتج لمذهبه، ويشير أحيانًا إلى المذهب الشافعي أيضًا (٤) .
_________________
(١) تفسير الفخر الرازي ٢: ١٤٥.
(٢) مجموع الفتاوى ٦: ١١٩.
(٣) باهر البرهان: ٥٠، ٨٥٥، ٤٩٢ وانظر فهرس المسائل العقدية في ص ١٨١٠.
(٤) ينظر مثلا: جمل الغرائب: ٢٧١، ٢٧٩، ٢٨١، وإيجاز البيان: ١٣٣ وباهر البرهان: ١٨٤، ١٨٥، ٨٠٥.
[ ٢٣ ]