قالوا الواجب على من شرع في شرح كتاب ما أن يتعرّض في صدره لأشياء قبل الشروع في المقصود، يسمّيها قدماء الحكماء الرءوس الثمانية.
أحدها الغرض من تدوين العلم أو تحصيله، أي الفائدة المترتبة عليه لئلّا يكون تحصيله عبثا في نظره.
وثانيها المنفعة وهي ما يتشوّقه الكلّ طبعا وهي الفائدة المعتدّ بها ليتحمل المشقّة في تحصيله، ولا يعرض له فتور في طلبه، فيكون عبثا عرفا؛ هكذا في تكملة الحاشية الجلالية «٣». وفي شرح التهذيب «٤» وشرح إشراق الحكمة «٥» أنّ المراد بالغرض هو العلّة الغائية، فإنّ ما يترتب على فعل يسمّى فائدة ومنفعة وغاية فإن كان باعثا للفاعل على صدور ذلك الفعل منه يسمّى غرضا وعلّة غائية، وذكر المنفعة إنّما يجب إن وجدت لهذا العلم منفعة ومصلحة سوى الغرض الباعث، وإلّا فلا.
وبالجملة فالمنفعة قد تكون بعينها الغرض الباعث.
_________________
(١) شرح مختصر الأصول لعلي بن محمد الجرجاني (- ٨١٦ هـ/ ١٤١٣ م) شرح فيه مختصر منتهى السئول والأمل في علمي الأصول والجدل لجمال الدين أبي عمرو عثمان بن عمر المعروف بابن الحاجب (- ٦٤٦ هـ/ ١٢٤٩ م). استانه، د. ت. كشف الظنون، ٢/ ١٨٥٣ - ١٨٥٤. معجم المطبوعات العربية، ٦٧٩.
(٢) منه (م).
(٣) تكملة الحاشية الجلاليّة (حاشية جلال الدين الدواني على شرح القوشجي لتجريد الكلام لنصير الدين الطوسي). معجم المطبوعات العربية ٨٩٢، اكتفاء القنوع ١٩٧.
(٤) شرح التهذيب لجلال الدين محمد بن أسعد الدواني الصديقي الشافعي (- ٩٠٧ هـ)، طبع في لكناو ١٢٩٣ هـ. معجم المطبوعات العربية، ٨٩٢.
(٥) شرح اشراق الحكمة. الأرجح أنه شرح حكمة الإشراق لقطب الدين محمد بن مسعود بن مصلح الدين الفارسي (- ٧١٠ هـ)، اسماء الكتب ٨٧.
[ ١ / ١٤ ]
وثالثها السّمة وهي عنوان الكتاب، ليكون عند الناظر إجمال ما يفصّله الغرض، كذا في شرح اشراق الحكمة. وفي تكملة الحاشية الجلالية السّمة هي عنوان العلم؛ وكأنّ المراد منه تعريف العلم برسمه أو بيان خاصّة من خواصه ليحصل للطالب علم إجمالي بمسائله ويكون له بصيرة في طلبه؛ وفي شرح التهذيب السّمة العلامة، وكأنّ المقصود الإشارة إلى وجه تسمية العلم؛ وفي ذكر وجه التسمية إشارة إجمالية إلى ما يفصل العلم من المقاصد.
ورابعها المؤلّف وهو مصنّف الكتاب ليركن قلب المتعلّم إليه في قبول كلامه، والاعتماد عليه لاختلاف ذلك باختلاف المصنّفين؛ وأما المحقّقون فيعرفون الرجال بالحق لا الحق بالرجال، ولنعم ما قيل: لا تنظر إلى من قال وانظر إلى ما قال. ومن شرط المصنفين أن يحترزوا عن الزيادة على ما يجب والنقصان عمّا يجب وعن استعمال الألفاظ الغريبة المشتركة وعن رداءة الوضع، وهي تقديم ما يجب تأخيره وتأخير ما يجب تقديمه.
وخامسها أنه من أيّ علم هو، أي من اليقينيات أو الظنّيات، من النظريات أو العمليات، من الشرعيات أو غيرها، ليطلب المتعلّم ما تليق به المسائل المطلوبة.
وسادسها أنه أيّة مرتبة هو، أي بيان مرتبته فيما بين العلوم، إمّا باعتبار عموم موضوعه أو خصوصه، أو باعتبار توقّفه على علم آخر، أو عدم توقّفه عليه، أو باعتبار الأهمية أو الشرف، لتقدّم تحصيله على ما يجب، أو يستحسن تقديمه عليه، ويؤخّر تحصيله عما يجب أو يستحسن تأخيره عنه.
وسابعها القسمة، وهي بيان أجزاء العلوم وأبوابها ليطلب المتعلّم في كل باب منها ما يتعلّق به، ولا يضيّع وقته في تحصيل مطالب لا تتعلّق به، كما يقال: أبواب المنطق تسعة، كذا وكذا؛ وهذا قسمة العلم، وقسمة الكتاب كما يقال: كتابنا هذا مرتّب على مقدمة، وبابين وخاتمة، وهذا الثاني كثير شائع لا يخلو عنه كتاب.
وثامنها الأنحاء التعليمية وهي أنحاء مستحسنة في طرق التعليم، أحدها التقسيم، وهو التكثير من فوق إلى أسفل، أي من أعم إلى ما هو أخصّ، كتقسيم الجنس إلى الأنواع، والنوع إلى الأصناف، والصنف إلى الأشخاص. وثانيها التحليل، وهو عكسه أي التكثير من أسفل إلى فوق، أي من أخصّ إلى ما هو أعم، كتحليل زيد إلى الإنسان والحيوان، وتحليل الإنسان إلى الحيوان والجسم؛ هكذا في تكملة الحاشية الجلالية، وشرح إشراق الحكمة. وفي شرح التهذيب كأنّ المراد من التقسيم ما يسمّى بتركيب القياس، وذلك بأن يقال: إذا أردت تحصيل مطلب من المطالب التصديقية ضع طرفي المطلوب واطلب جميع موضوعات كل واحد منهما، وجميع محمولات كل واحد منهما سواء كان حمل الطرفين عليها، أو حملها على الطرفين، بواسطة، أو بغير واسطة، وكذلك اطلب جميع ما سلب عنه الطرفان أو سلب هو عن الطرفين، ثم انظر إلى نسبة الطرفين إلى الموضوعات والمحمولات، فإن وجدت من محمولات موضوع المطلوب ما هو موضوع المحمول فقد حصل المطلوب عن «١» الشكل الأول، أو ما هو محمول على محموله فمن الشكل الثاني، أو من موضوعات موضوعه «٢» ما هو موضوع لمحموله فمن الشكل الثالث، أو محمول لمحموله فمن
_________________
(١) حصلت المطلوب من (م).
(٢) موضوعه (- م).
[ ١ / ١٥ ]
الرابع، كلّ ذلك بحسب تعدّد اعتبار الشرائط بحسب الكيفية والكمية والجهة، كذا في شرح المطالع. فمعنى قولهم: وهو التكثير من فوق أي من النتيجة لأنها المقصود الأقصى بالنسبة إلى الدّليل، وأما التحليل فقد قيل في شرح المطالع: كثيرا ما تورد في العلوم قياسات منتجة للمطالب لا على الهيئات المنطقية، اعتمادا على الفطن العارف بالقواعد، فإن أردت أن تعرف أنه على أيّ شكل من الأشكال فعليك بالتحليل وهو عكس التركيب فحصّل المطلوب فانظر إلى القياس المنتج له، فإن كان فيه مقدمة يشاركها المطلوب بكلا جزئيه فالقياس استثنائي، وإن كانت مشاركة للمطلوب بأحد جزئيه فالقياس اقتراني، ثم انظر إلى طرفي المطلوب فتتميّز عندك الصغرى عن الكبرى لأن ذلك الجزء إن كان محكوما عليه في النتيجة فهي الصغرى، أو محكوما به فهي الكبرى، ثم ضم الجزء الآخر من المطلوب إلى الجزء الآخر من تلك المقدمة، فإن تألّفا على أحد التأليفات الأربع، فما انضمّ إلى جزئي المطلوب هو الحدّ الأوسط، وتتميّز لك المقدمات والأشكال، وإن لم يتألّفا كان القياس مركبا، فاعمل بكلّ واحد منهما العمل المذكور، أي ضع الجزء الآخر من المطلوب والجزء الآخر من المقدمة كما وضعت طرفي المطلوب أولا، أي في التقسيم، فلا بد أن يكون لكل منهما نسبة إلى شيء «١» ما في القياس وإلّا لم يكن القياس منتجا للمطلوب، فإن وجدت حدّا مشتركا بينهما فقد تمّ القياس، وإلّا فكذا تفعل مرّة بعد أخرى إلى أن تنتهي إلى القياس المنتج للمطلوب بالذات، وتتبيّن لك المقدمات والشكل والنتيجة. فقولهم التكثير من أسفل إلى فوق، أي إلى النتيجة انتهى.
وثالثها التحديد أي فعل الحدّ، أي إيراد حدّ الشيء، وهو ما يدلّ على الشيء دلالة مفصّلة بما به قوامه بخلاف الرسم فإنه يدلّ عليه دلالة مجملة، كذا في شرح إشراق الحكمة، وفي شرح التهذيب:
كأنّ المراد بالحدّ المعرّف مطلقا، وذلك بأن يقال إذا أردت تعريف شيء فلا بدّ أن تضع ذلك الشيء وتطلب جميع ما هو أعمّ منه وتحمل عليه بواسطة أو بغيرها، وتميّز الذاتيات عن العرضيات، بأن تعدّ ما هو بين الثبوت أو ما يلزم من مجرّد ارتفاعه ارتفاع نفس الماهية ذاتيا، وما ليس كذلك عرضيا، وتطلب جميع ما هو مساو له، فيتميّز عندك الجنس من العرض العام، والفصل من الخاصّة، ثم تركّب أي قسم شئت من أقسام المعرّف بعد اعتبار الشرائط المذكورة في باب المعرّف. ورابعها البرهان، أي الطريق إلى الوقوف على الحق، أي اليقين إن كان المطلوب نظريا، وإلى الوقوف عليه والعمل به إن كان عمليا، كأن يقال إذا أردت الوصول إلى اليقين فلا بدّ أن تستعمل في الدليل بعد محافظة شرائط صحّة الصورة، إمّا الضروريات الستّ، أو ما يحصل منها بصورة صحيحة، وهيئة منتجة، وتبالغ في التفحّص عن ذلك، حتى لا يشتبه بالمشهورات والمسلّمات والمشبّهات وغيرها، بعضها ببعض، وعدّ الأنحاء التعليمية بالمقاصد أشبه، فينبغي أن تذكر في المقاصد، ولذا ترى المتأخّرين كصاحب المطالع «٢» يعدّون ما سوى التحديد من مباحث الحجة ولواحق القياس، وأمّا التحديد فشأنه أن يذكر في مباحث المعرّف، كذا في شرح التهذيب.
واعلم أنهم إنّما اقتصروا على هذه الثمانية لعدم وجدانهم شيئا آخر يعين في تحصيل الفن، ومن وجد ذلك فليضمه إليها، وهذا أمر استحساني لا يلزم من تركه فساد على ما لا يخفى، هكذا في
_________________
(١) مما (م).
(٢) المطالع أو مطالع الأنوار لسراج الدين أبو الثناء محمود بن أبي بكر بن أحمد الأرموي (- ٦٨٢ هـ). معجم المطبوعات العربية، ٤٢٨.
[ ١ / ١٦ ]
تكملة الحاشية الجلالية.
واعلم أنهم قد يذكرون وجه الحاجة إلى العلم، ولا شكّ أنه هاهنا بعينه بيان الغرض منه، وقد يذكرون وجه شرف العلم، ويقولون شرف الصناعة إما بشرف موضوعها، مثل الصياغة فإنها أشرف من الدباغة، لأن موضوع الصياغة الذهب والفضة وهما أشرف من موضوع الدباغة التي هي الجلد «١»، وإما بشرف غرضها، مثل صناعة الطب فإنها أشرف من صناعة الكناسة، لأن غرض الطب إفادة الصحة وغرض الكناسة تنظيف المستراح، وإما بشدّة الحاجة إليها كالفقه، فإن الحاجة إليه أشدّ من الحاجة إلى الطبّ، إذ ما من واقعة في الكون إلّا وهي مفتقرة إلى الفقه، إذ به انتظام صلاح الدنيا والدين، بخلاف الطب، فإنه يحتاج إليه بعض الناس في بعض الأوقات. والمراد بذلك بيان مرتبة العلم على ما يفهم مما سبق، ويؤيده ما قال السيّد السّند في شرح المواقف، وأما مرتبة علم الكلام أي شرفه فقد عرفت أن موضوعه أعمّ الأمور وأعلاها الخ.