وهو علم تعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية المطابقة لمقتضى الحال، وبعد رعاية وضوح الدلالة، كذا ذكر الخطيب؛ أي علم يعرف به كل وجه جزئي يرد على سامع الكلام البليغ والمتلفّظ به على ما في الأطول. وليس المراد بوجوه التحسين مفهومها الأعمّ الشامل للمطابقة، والخلو عن التعقيد المعنوي، وغير ذلك مما يورث الكلام حسنا، سواء كان داخلا في البلاغة أو غير داخل فيها مما يتبيّن في علم المعاني والبيان واللغة والصرف والنحو، لأنه يدخل فيها حينئذ بعض ما ليس من المحسنات التابعة لبلاغة الكلام كالخلو من التنافر ومخالفة القياس وضعف التأليف، لأن البلاغة موقوفة على الخلوّ عنها، فلا يكون الخلوّ عنها من المحسّنات التابعة لبلاغة الكلام، ضرورة أنها تكون بعد البلاغة، بل المراد منها ما سواها مما لا دخل له في البلاغة من المحسنات. فقوله بعد رعاية مطابقة الكلام الخ، ليس للاحتراز عن تلك الأمور لعدم دخولها في وجوه التحسين، بل للتنبيه
_________________
(١) تحقق (م).
(٢) بين (م).
[ ١ / ٢٧ ]
على أن الوجوه المحسنة البديعية لا تحسّن بدون البلاغة، وإلّا لكان كتعليق الدّرر على أعناق الخنازير. فقوله بعد متعلّق بالمصدر وهو التحسين، وللتنبيه على أنه يجب تأخير علم البديع عن المعاني والبيان، وأنها تورث حسنا عرضيا غير داخل في حدّ البلاغة، وأنها إنما تكون من البديع إذا لم يقتض الحال لها إذ لو اقتضاها الحال لم تكن تابعة للبلاغة. ولذا ذكر في شرح المفتاح وأما البديع فقد جعلوه ذيلا لعلمي البلاغة لا قسما برأسه من أقسام العلوم العربية على ما سبق. هذا خلاصة «١» ما في المطول وحواشيه. وموضوعه اللفظ البليغ من حيث أن له توابع.
بيان الغرض من تلك العلوم:
اعلم أنّ البلاغة سواء كانت في الكلام أو في المتكلّم رجوعها إلى امرين: أحدهما الاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد، أي ما هو مراد البليغ من الغرض المصوغ له الكلام كما هو المتبادر من إطلاق المعنى المراد في كتب علم البلاغة، فلا يندرج فيه الاحتراز عن التعقيد المعنوي كما توهمه البعض، ولا الاحتراز عن التعقيد مطلقا. والثاني تمييز الفصيح عن غيره، ومعرفة أن هذا الكلام فصيح وهذا غير فصيح، فمنه ما يبيّن في علم متن اللغة أو التصريف أو النحو أو يدرك بالحسّ، وهو أي ما يبيّن في هذه العلوم ما عدا التعقيد المعنوي، فمسّت الحاجة للاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد إلى علم، والاحتراز عن التعقيد المعنوي إلى علم آخر، فوضعوا لهما علمي المعاني والبيان، وسموهما علم البلاغة لمزيد اختصاص لهما بها، ثم احتاجوا لمعرفة ما يتبع البلاغة من وجوه التحسين إلى علم آخر، فوضعوا له علم البديع، فما يحترز به عن الأوّل أي الخطأ في التأدية علم المعاني، وما يحترز به عن الثاني أي التعقيد المعنوي علم البيان، وما يعرف به وجوه التحسين علم البديع.