وهو معرفة النفس ما لها وما عليها من الوجدانيات على ما عرفت قبيل هذا، ويسمّى بعلم الأخلاق وبعلم التصوّف أيضا. وفي مجمع السلوك: وأشرف العلوم علم الحقائق والمنازل والأحوال، وعلم المعاملة والإخلاص في الطاعات والتوجّه إلى الله تعالى من جميع الجهات، ويسمّى هذا العلم بعلم السلوك. فمن غلط في علم الحقائق والمنازل والأحوال المسمّى بعلم التصوّف فلا يسأل عن غلطه إلّا عالما منهم كامل العرفان، ولا يطلب ذلك من البزدوي «٢» والبخاري «٣» والهداية «٤» وغير ذلك. وعلم الحقائق ثمرة العلوم كلها وغايتها، فإذا انتهى السالك إلى علم الحقائق وقع في بحر لا ساحل له، وهو أي علم الحقائق علم القلوب وعلم المعارف وعلم الأسرار، ويقال له علم الإشارة. وفي موضع آخر منه. ويقول كبار مشايخ أهل الباطن: إنه يجب بعد تحصيل علم المعرفة والتوحيد والفقه والشرائع أن يتعلّم (السّالك) علم آفات النّفس ومعرفتها وعلم الرياضة، ومكايد الشيطان للنفس وسبل الاحتراز منها. ويقال لهذا العلم علم الحكمة، ذلك أن نفس السالك متى استقامت على الواجبات. وصلح طبع السّالك. وتأدّب بآداب الله. أمكنه حينئذ أن يراقب خواطره وأن يطهّر سريرته؛ وهذا العلم يقال له علم المعرفة. وأمّا مراقبة الخواطر فهي أن يتفكّر في الحق ولا يمكنه أن يشغل كل خواطره بذات الحق، بل بالأعراض، أي فيما سوى الله تعالى.
_________________
(١) حاشية الخيالي للمولوي عبد الحكيم بن شمس الدين الهندي السيالكوتي (- ١٠٦٧ هـ/ ١٦٥٦ م) على حاشية شرح العقائد النسفية لأحمد بن موسى الشهير بخيالي (- ٨٦٢ هـ/ ١٤٥٧ م) كشف الظنون ٢/ ١١٤٥ و١١٤٨.
(٢) البزدوي هو علي بن محمد بن الحسين بن عبد الكريم، أبو الحسن، فخر الاسلام البزدوي. ولد عام ٤٠٠ هـ/ ١٠١٠ م توفي عام ٤٨٢ هـ/ ١٠٨٩ م. فقيه أصولي من أكابر الحنفية، له تصانيف هامة. الاعلام ٤/ ٣٢٨، الفوائد البهية ١٢٤، مفتاح السعادة ٢/ ٥٤، الجواهر المضية ١/ ٣٧٢.
(٣) البخاري هو محمد بن اسماعيل بن ابراهيم بن المغيرة البخاري، ابو عبد الله. ولد في بخاري عام ١٩٤ هـ/ ٨١٠ م ومات بسمرقند عام ٢٥٦ هـ/ ٨٧٠ م حبر الاسلام، والحافظ لحديث رسول الله ﷺ، صاحب الجامع الصحيح المعروف بصحيح البخاري، له عدة تصانيف. الاعلام ٦/ ٣٤، تذكرة الحفاظ ٢/ ١٢٢، تهذيب التهذيب ٩/ ٤٧، وفيات الاعيان ١/ ٤٥٥، تاريخ بغداد ٢/ ٤. طبقات السبكي ٢/ ٢، طبقات الحنابلة ١/ ٢٧١، آداب اللغة ٢/ ٢١٠ وغيرها.
(٤) الهداية شرح البداية لبرهان الدين أبي الحسن علي بن أبي بكر بن عبد الجليل المرغيناني (- ٥٩٣ هـ/ ١١٩٧ م)، طبع في لندن باعتناء Ch .Hamilton، ١٧٩١ م. معجم المطبوعات العربية ١٧٣٩.
[ ١ / ٤٢ ]
وأما تطهير السّرائر فهو أن يتطهر من كل ما يلوّثه، حتى إذا وصل إلى علم المعرفة أصبح بمقدوره أن يصل إلى علم المكاشفة والمشاهدة، وهذا ما يطلق عليه الإشارة. انتهى «١».
وموضوعه أخلاق النفس إذ يبحث فيه عن عوارضها الذاتية، مثلا حبّ الدنيا في قولهم: حبّ الدنيا رأس كل خطيئة، خلق من أخلاق النفس حكم عليه بكونه رأس الخطايا ورأس الأخلاق الرذيلة التي تتضرر بسببها النفس، وكذا الحال في قولهم: بغض الدنيا رأس الحسنات؛ وغرضه التقرّب والوصول إلى الله تعالى.