وأما كلام الصوفية في القرآن، فليس بتفسير. وقال النسفي «٤» في عقائده «٥»: النصوص محمولة على ظواهرها والعدول عنها إلى معان يدّعيها أهل الباطن إلحاد. وقال التفتازاني في شرحه: سمّيت الملاحدة باطنية لادّعائهم أنّ النصوص ليست على ظواهرها، بل لها معان باطنة لا يعرفها إلّا المعلّم، وقصدهم بذلك نفي الشريعة بالكلية. وأما ما ذهب إليه بعض المحققين من أن النصوص مصروفة على ظواهرها، ومع ذلك فيها إشارات خفيّة إلى دقائق تنكشف على أرباب السلوك، ويمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة، فهو من كمال الإيمان ومحض العرفان «٦». فإن قلت: قال رسول
_________________
(١) العباس الكواشي ولد بالموصل عام ٥٩٠ هـ/ ١١٩٤ م. وفيها توفي عام ٦٨٠ هـ/ ١٢٨١ م. مفسر، فقيه شافعي. له الكثير من المؤلفات. الاعلام ١/ ٢٧٤، النجوم الزاهرة ٧/ ٣٤٨، نكت الهميان ١١٦.
(٢) التوبة/ ٤١.
(٣) الرحمن/ ١٩.
(٤) الرحمن/ ٢٢.
(٥) النسفي: هو الإمام عمر بن محمد بن أحمد بن إسماعيل نجم الدين النسفي. ولد عام ٤٦١ هـ/ ١٠٦٨ م، وتوفي ٥٣٧ هـ/ ١١٤٢ م. عالم بالتفسير والأدب والتاريخ، فقيه حنفي، له العديد من المصنفات. الأعلام ٥/ ٦٠، لسان الميزان ٤/ ٣٢٧، إرشاد الأريب ٦/ ٥٣.
(٦) العقائد النسفية لأبي حفص، عمر بن محمد بن أحمد بن إسماعيل النسفي (- ٥٣٧ هـ/ ١١٤٢ م). وكتابه في العقيدة وأصول الدين. طبع في كلكوتا سنة ١٢٦٠ هـ، وألّفت عليه شروحات وحواشي كثيرة أهمها: شرح العقائد النسفية للتفتازاني وقد سبقت الإشارة إليها. معجم المطبوعات العربية ٦٣٧.
(٧) العرفان استخدم هذا المصطلح في الموروث المعرفي العربي والاسلامي تعبيرا عن طريق معرفي يحصل عند العارف والحكيم بالإلهام والكشف؛ على أن الإلهام والكشف يحصلان بعدة مسالك، منها الإشراق المعرفي، ومنها الكرامة الصوفية، وأخرى بالخيال والتنبؤ. وعرف لغة: العلم، وعرفه عرفة وعرفانا وعرفانا ومعرفة ورجل عروف وعرفة: عارف يعرف الأمور. وفي حديث ابن مسعود: فيقال لهم هل تعرفون ربكم؟ فيقولون: إذا اعترف لنا عرفناه، أي إذا وصف نفسه بصفة نحقّقه بها عرفنا ويقال للحاذي- يدّعي علم الغيب- عرّاف وللطبيب (لسان العرب، مادة عرف). وقيل: العلم يقال لادراك الكلي أو المركب، والمعرفة تقال لإدراك الجزئي أو البسيط، ولهذا يقال عرفت الله دون علمه ويستعمل العرفان فيما تدرك آثاره ولا تدرك ذاته. (الكفوي، الكليات، ج ٣، ص ٢٠٤) فعرف والعرفان تشيران إلى الادراك المباشر وإلى ادراك الآثار. ثم إن عرفان على وزن فعلان: خصوصيته الدلالة على التفعّل والاضطراب خفيفا أو ثقيلا وفعلان: خصوصيته الدلالة على الشيء المحشو من معنى الوصف. (العلائلي، المقدمة اللغوية، ص ٦٦ وص ٧٥). وبهذا نرى أن العرفان على وزنيه يدلّ على الاضطراب والظهور والاختفاء بمثل ما يدل على الحشو في الوصف. وفي الحالين فإن الأمر إذا ما أخذ منضافا إلى دلالة لفظ عرف والاصطلاح عبّر أصدق تعبير عن حقيقة العرفان ومفهومه. إذ هو معرفة مباشرة بالبسيط مخالف للبرهان والعلم الكلي يداخله الظن وحشد الاوصاف والاضطراب مثلما يباطنه الكشف والحدس. ومن ثمّ أطلق اللفظ على ثلاثة معان: - قابل لفظة الغنوص Gnose، ودلّ احيانا على من اتبع المعرفة الغنوصية.
[ ١ / ٣٤ ]
الله ﷺ «لكل آية ظهر وبطن، ولكل حرف حدّ، ولكل حدّ مطلع» «١». قلت أما الظهر والبطن ففي معناه أوجه: أحدها انك إذا بحثت عن باطنها وقسته على ظاهرها وقفت على معناها. والثاني ما من آية إلّا عمل بها قوم ولها قوم سيعملون بها، كما قاله ابن مسعود «٢» فيما أخرجه. والثالث أن ظاهرها لفظها وباطنها تأويلها. والرابع وهو أقرب إلى الصواب أنّ القصص التي قصّها الله تعالى عن الأمم الماضية وما عاقبهم به ظاهرها الإخبار بهلاك الأولين، وباطنها وعظ الآخرين وتحذيرهم أن يفعلوا كفعلهم. والخامس أن ظهرها ما ظهر من معانيها لأهل العلم بالظاهر، وبطنها ما تضمنه من الأسرار التي أطلع الله عليها أرباب الحقائق. ومعنى قوله ولكل حرف حدّ أي منتهى فيما أراد من معناه، وقيل لكل حكم مقدار من الثواب والعقاب. ومعنى قوله ولكل حدّ مطلع، لكل غامض من المعاني والأحكام مطلع يتوصّل به إلى معرفته ويوقف على المراد به، وقيل كلّ ما يستحقه من الثواب والعقاب يطلع عليه في الآخرة عند المجازاة. وقال بعضهم الظاهر التلاوة، والباطن الفهم، والحدّ أحكام الحلال والحرام، والمطلع الإشراف على الوعد والوعيد. قال بعض العلماء: لكل آية ستون ألف فهم، فهذا يدلّ على أنّ في فهم المعاني للقرآن مجالا متسعا، وأن المنقول من ظاهر التفسير ليس ينتهي الإدراك فيه بالنقل والسماع [بل] «٣»، لا بدّ منه في ظاهر التفسير لتتقى به مواضع الغلط، ثم بعد ذلك يتّسع الفهم والاستنباط، ولا يجوز التهاون في حفظ التفسير الظاهر، بل لا بدّ منه أوّلا، إذ لا مطمع في الوصول إلى الباطن قبل أحكام الظاهر. هذا كله نبذ مما وقع في الاتقان، وإن شئت الزيادة فارجع إليه.