٢ - أهمية الكشاف وطبيعته
٣ - منهجية عمل الفريق والمساعدين في التحقيق
٤ - شكر وتقدير
١ - سيرة التهانوي
حياته:
يعتبر محمد أعلى بن شيخ علي بن قاضي محمد حامد بن مولانا أتقى العلماء محمد صابر الفاروقي السني الحنفي التهانوي «١» (الثاني عشر الهجري/ الثامن عشر الميلادي) واحدا من العلماء المسلمين الذين لم يجزوا حظا وافرا من الدراسة والبحث والشهرة على الرغم من أنّ عطاءه الكبير المتمثّل في الكشاف ينمّ عن سعة أفق وغزارة معلومات عزّ نظيرهما، وقد أمليا عليه لقب الموسوعي الكبير الذي بزّ أقرانه في عالم الفكر الموسوعي. في حين سكتت المصادر العربية والاسلامية عنه أو أشارت إليه لماما وباقتضاب. لذا جمعنا أخباره ونشأته بجهد جهيد، وذلك من خلال العبارات المتناثرة والجمل الشاردة، التي كوّنت مجتمعة صورة عن هذا العالم الجليل. والأرجح أنّ هناك الكثير من حلقات حياته ما زالت مجهولة لم يستطع الوقوف على معرفتها، ولم يعثر على ما يهدي إليها سبيلا. من ذلك: ولادة الشيخ ووفاته تحديدا، رحلته في الحياة، شيوخه وتلاميذه والتعرّف عليهم. علما أنّ المصادر
_________________
(١) الحسيني، عبد الحي، نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر، حيدرآباد، د. ت.
[ المقدمة / ٣٨ ]
التي ذكرته كثيرة العدد «١» ضئيلة التفصيل في حياته، وربما استقت معلوماتها من مصدر واحد.
ومن ثمّ تباينت المصادر والمراجع في تفصيل اسمه، حيث ورد في دائرة المعارف اسمه محمد علي «٢». كما ذكر جرجي زيدان في ترجمته أنه محمد صابر الفاروقي السنّي الحنفي التهانوي «٣»، من غير أن يذكر شيئا عن أبيه أو جده مثلما فعل الحسيني. وجاء في فهرس الكتبخانة الخديوية المصرية: محمد بن محمد بن جابر «٤».
وفي اكتفاء القنوع: محمد علي بن أعلى «٥». بينما ذكر الزركلي وكحالة أنّه محمد بن علي «٦».
والفاروقي نسبة إلى الفاروق عمر بن الخطاب ﵁، وإليه كانت تنسب دولة الفاروقيين في خنديش بالهند، حيث استقلت هذه الدولة عن دلهي عقب وفاة (فيروز تغلق) في أواخر القرن الثامن الهجري، واستمرت حتى أوائل القرن الحادي عشر الهجري. والسنّي نسبة إلى أهل السنة. والحنفي نسبة إلى مذهب أبي حنيفة الذي
_________________
(١) يمكن سبر هذه المصادر والمراجع بالآتي: مقدمة كشاف اصطلاحات الفنون. البستاني، دائرة المعارف بيروت، دار العلم للملايين، ط ٨، ١٩٨٩، ٦/ ٢٤٦ - ٢٤٧. بروكلمان، الملحق، ٢/ ٦٢٨. زيدان، جرجي، تاريخ آداب اللغة العربية، مصر، ١٩١٣ - ١٩١٤.- دار الهلال بالقاهرة، ١٩٥٧، ٣/ ٣٢٩. جميل، د. أحمد، حركة التأليف باللغة العربية في الاقليم الشمالي الهندي في القرنين ١٨ - ١٩، ص ٢١، وص ص ١٦٨ - ١٧٠. فنديك، ادوارد، اكتفاء القنوع بما هو مطبوع، مصر، ١٣١٣ هـ/ ١٨٩٦ م، ص ٣٢٨. صالحية، محمد عيسى، المعجم الشامل للتراث العربي المطبوع، القاهرة، معهد المخطوطات العربية، ط ١، ١٩٩٢، ١/ ٢٦٦. الجزار، فكري، مداخل المؤلفين والاعلام العرب حتى عام ١٢١٥ هـ/ ١٨٠٠ م، الرياض، مكتبة الملك فهد الوطنية، ١٤١١ هـ/ ١٩٩١ م، ١/ ٢٤٧ - ٢٤٨. الدليل الببليوغرافي للقيم الثقافية العربية (مراجع الدراسات العربية)، اليونسكو، مصر، القاهرة، ١٩٦٥، ص ص ٢٦٢ - ٢٦٣. عطية، عبد الرحمن، مع المكتبة العربية، دراسة في أمهات المصادر والمراجع المتصلة بالتراث، بيروت، دار الأوزاعي، ط ٢، ١٤٠٤ هـ/ ١٩٨٤ م، ص ص ٦٩ - ٧٠. ساجقلي زاده، الشيخ محمد بن أبي بكر المرعشي، ترتيب العلوم، تحقيق محمد بن اسماعيل السيد أحمد، بيروت، دار البشائر الاسلامية، ط ١، ١٤٠٨ هـ/ ١٩٨٨ م، ص ص ٤٧ - ٥٠. الزركلي، خير الدين، الاعلام، بيروت، دار العلم للملايين، ط ٨، ١٩٨٩، ٦/ ٢٩٥. سركيس، اليان، معجم المطبوعات العربية والمعربة، مصر، ١٣٤٦ هـ/ ١٩٢٨ م، ص ٦٤٥. البغدادي، اسماعيل باشا، هدية العارفين، استنبول، ١٩٥١ - ١٩٥٥، ٢/ ٣٢٦، وإيضاح المكنون، استنبول، ١٩٤٥ - ١٩٤٧، ٢/ ٣٥٣. نويهض، عادل، معجم المفسرين، بيروت، ط ٣، ١٤٠٩ هـ/ ١٩٨٨ م، ٢/ ٥٩٢. كحالة، عمر رضا، معجم المؤلفين، دمشق، ١٩٥٧ - ١٩٦١، ١١/ ٤٧ فهرس الكتبخانه الخديوية المصرية (اللغة)، مصر، ١٣٠٨ - ١٣١٠ هـ، ٤/ ١٧٩. فهرس المكتبة الأزهرية، القاهرة، ١٩٥٠، ٦/ ٢٢٦.
(٢) دائرة المعارف، ٦/ ٢٤٦.
(٣) تاريخ آداب العربية، ٣/ ٣٢٩.
(٤) الكتبخانة، ٤/ ١٧٩.
(٥) ص ٣٢٨.
(٦) الاعلام، ٦/ ٢٩٥، معجم المؤلفين، ١١/ ٤٧.
[ المقدمة / ٣٩ ]
كان سائدا ولم يزل في بلاد الهند وما جاورها. أما التهانوي فنسبة لبلدة صغيرة تدعى (تهانه بهون) من أعمال مظفر نكر بالهند ومن ضواحي دلهي. وإلى هذه البلدة ينسب عدد من العلماء منهم:
الشيخ عبد الرحيم التهانوي (- ١٢٢٣ هـ)، الشيخ محمد بن حمد الله التهانوي (- ١٢٩٦ هـ)، وسبطه أحمد الله التهانوي وقطب الزمان إمداد الله التهانوي الفاروقي الصابري المهاجر المكي وغيرهم.
هذا ولم تمدنا المصادر والمراجع التي ذكرت التهانوي صاحب الكشاف، في شيء ولو يسير عن مولده. ولكن المرجّح لدينا أنّه ولد في أواخر القرن الحادي عشر الهجري. وذلك أنّ معظم المؤرخين اتفقوا على أنّه من علماء القرن الثاني عشر الهجري/ الثامن عشر الميلادي. وأنّ تأليف الكشاف وقع في حدود عام ١١٥٨ هـ/ ١٧٤٥ م. إضافة إلى دليل آخر مفاده ادراك التهانوي لعصر عالمكير. وعالمكير هذا هو العالم الامبراطور (أورنك ذيب) الملقّب بعالم گير (١٠٦٩ - ١١١٩ هـ/ ١٦٥٨ - ١٧٠٧ م) علما أنّ مؤرخي الحركة العلمية والثقافية في عصر المغول ذكروا هذا العالم القائد، وتحدثوا عن اهتمامه الشديد بالعلوم النقلية والعقلية، وعمله الدءوب في نشر الاسلام وعقيدة أهل السنة، فضلا عن اهتمامه بالفتاوى الفقهية، حتى أنّه طلب من بعض الفقهاء وضع كتاب في ذلك سمّي بالفتاوى العالمكيرية.
ومثلما ساد الغموض والتحديد مولد التهانوي فكذلك الأمر بالنسبة لوفاته. إذ غيّبت المصادر والمراجع تاريخ الوفاة. بل كل ما يستفاد منها ومن الكشاف أنّه كان حيا عام ١١٥٨ هـ، عند انتهائه من وضع معظم نصوص الكشاف.
وهذا التاريخ أيضا ترافق مع أفول دولة المغول، لذا لا نستطيع الجزم ما إذا كان قد عاش بعد هذا التاريخ لسنوات طويلة أم قليلة. ولم يذكر عبد الحي الحسيني في نزهة الخواطر شيئا عن ذلك، وهو أقدم من أرّخ للتهانوي وعنه أخذ الباقون.
أمّا ما ورد في الكشاف من الارتكان إلى بعض المراجع التي ظهرت في بداية القرن الثالث عشر الهجري، فهذا من عمل واضافات تلاميذه من الذين تابعوا ضبط الكشاف ونصوصه.
ثقافته ومؤلفاته:
تنوعت ثقافة التهانوي وتعدّدت مشارب علومه لغة وفقها وحديثا وتاريخا وفلكا
[ المقدمة / ٤٠ ]
وفلسفة وتصوفا وغير ذلك. وهو الذي نشأ في بيت علم حيث كان والده من كبار العلماء، لقّب بقطب الزمان. ولاقت الأسرة والابن ضمنها تبجيل وتقدير المجتمع لنسبها إلى الفاروق عمر ﵁، ممّا عكس نفسه على تنشئة الولد النابه، فزاده ذلك دافعا وزخما.
والمتتبّع للحركة العلمية التي سادت الهند آنذاك، يجد أنّ هذه الحركة عميقة الجذور متأصلة في التربة منذ أيام الغزنويين قبل عدة قرون، حيث انتشرت المعاهد العلمية وتأسّست المدارس، ولا سيما ما أنشأه السلطان محمود في غزنة. أضف إلى ذلك اهتمام السلاطين المتتابع في المكتبات وإعلاء دورها وتأثيرها، ممّا وفّر المصادر والمراجع الكثيرة بين أيدي طلاب العلم والعلماء.
في هذا الجو المفعم بالزاد والنشاط العلميين عاش التهانوي، فنهل من ينابيع المعرفة وبحار العلم. وجال على الحواضر يلتقي العلماء ويستمع إليهم يأخذ عنهم وينكب على بحثه. فلا عجب إن أورد في تقديمه الكشاف فيما أورد: «لما فرغت من تحصيل العلوم العربية والشرعية من حضرة جناب أستاذي ووالدي، شمّرت عن ساق الجد إلى اقتناء ذخائر العلوم الحكمية الفلسفية من الحكمة الطبيعية والالهية والرياضية كعلم الحساب والهندسة والهيئة والأسطرلاب ونحوها. فلم يتيسر لي تحصيلا من الأساتذة فصرفت شطرا من الزمان إلى مطالعة مختصراتها الموجودة عندي، فكشفها الله عليّ، فاقتبست منها المصطلحات أو ان المطالعة وسطّرتها على حدة في كل باب يليق بها ».
وما ان نشر كتاب الكشاف واطلع عليه الباحثون والمؤرخون حتى انبروا إلى تقريظ التهانوي والثناء عليه بعبارات المدح وصيغ التبجيل. ومما قالوا عنه: باحث هندي «١»، لغوي «٢»، كان إماما بارعا عالما في العلوم «٣» ومصطلحاتها «٤». والتهانوي مصنّف الكشاف حسنة من حسنات الاسلام الهندي «٥».
وبعد الاطلاع على موسوعة الكشاف لا يسعنا القول أمام هذا الانجاز العظيم
_________________
(١) الاعلام، ٦/ ٢٩٥.
(٢) معجم المؤلفين، ١١/ ٤٧.
(٣) دائرة المعارف ٦/ ٢٤٦.
(٤) حركة التأليف باللغة العربية في الاقليم الشمالي الهندي، ص ١٦٨.
(٥) مقدمة الكشاف، ط الهند، ص و.
[ المقدمة / ٤١ ]
سوى الاقرار بأعلمية وموسوعية التهانوي التي فاقت كل عمل معجمي وموسوعي في العلوم حتى عصره.
ويبدو أن التهانوي قد ترك مؤلفات عدة وصلنا منها ثلاثة. ولم نعلم إن كتب سواها فضاعت أم اكتفى بها. وهي:
أولا: «أحكام الأراضي». يوجد في المكتبة الهندية تحت رقم ١٧٣٠، ومكتبة بانكى پور تحت رقم ١٥٩٩. ويقع الكتاب في ١٩ ورقة، يشتمل على الأبواب التالية:
أ- في بيان معنى دار الاسلام ودار الحرب.
ب- في بيان أحكام أراضي دار الاسلام.
ج- في بيان أنواع الأراضي وأحكامها.
والكتاب لم يزل مخطوطا لم يطبع بعد.
ثانيا: «سبق الغايات في نسق الآيات». وهو كتاب في تفسير القرآن الكريم، ذكر بعض المترجمين أنّه للتهانوى «١»، وطبع بالهند عام ١٣١٦ هـ.
ثالثا: كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، وهو الكتاب الذي نحققه بحلّة جديدة. وهو أشهر كتبه بل أشهر الأعمال الموسوعية. فقد نال حظا وفيرا لدى أهل العلم والاختصاص. طبع الكتاب مرات عدة، هي:
أ- طبع بالهند لأول مرة عام ١٨٦٢ م على يد جمعية البنغال الآسيوية من سلسلة المكتبة الهندية، كلكتا، وصحّحه المولوي محمد وجيه والمولوي عبد الحق والمولوي غلام قادر. واهتم به المستشرق النمساوي لويس سبرنغر التيرولي (- ١٣١٠ هـ/ ١٨٩٣ م). والمستشرق الايرلندي وليم ناسوليس. وصدرت هذه الطبعة في مجلدين كبيرين عدد صفحاتهما ١٥٦٤ صفحة.
ب- الطبعة الثانية كانت بالآستانة عام ١٣١٧ هـ، وهذه الطبعة ليست كاملة حيث انتهى الكتاب بفصل الياء من باب الصاد، في مجلد واحد كبير، عدد صفحاته ٩٥٥ صفحة كبيرة، يليها خمس صفحات تتضمن استدراكات على الأخطاء الواردة في الطباعة.
ج- الطبعة الثالثة كانت بتحقيق لطفي عبد البديع وعبد المنعم محمد حسنين، وراجعه
_________________
(١) معجم المفسرين ٢/ ٥٩٢، الاعلام ٦/ ٢٩٥، نزهة الخواطر ٦/ ٢٧٨، معجم المطبوعات العربية، ص ٦٥، معجم المؤلفين ١١/ ٤٧، حركة التأليف باللغة العربية ص ١٧١.
[ المقدمة / ٤٢ ]
أمين الخولي، وصدرت عن مطبعة السعادة بمصر عام ١٣٨٢ هـ/ ١٩٦٣ م، تحت اشراف وعناية وزارة الثقافة والارشاد القومي. وكانت هذه الطبعة في أربعة أجزاء، وهي غير كاملة حيث توقفت عند حرف الصاد، كما هي حال طبعة الآستانة.
د- ثم صوّر في مكتبة صادر ولدى شركة خياط في بيروت. والصورتان تحصّلتا عن طبعة كلكتا.
والجدير بالذكر أنّ جميع هذه الطبعات، على تعدادها اكتفت بنشر النص فقط، باستثناء الطبعة المصرية التي حاول فيها المحققون أن يعزوا الأقوال إلى مكانها في المصادر والمراجع ويعودوا إليها أحيانا، هذه الأقوال التي اعتمد عليها التهانوي في كشافه. ولم يتبعوا هذا المنهج في كل أمكنة النص، كما أنّهم نقلوا النص الفارسي إلى العربية.