الحمد لله على نعمة التّوفيق، وفّقنا للإسلام، وجعلنا من أمّة محمّد ﵊، أرسل رسوله بجوامع الكلم للخلق كافّة تَفَضُّلًا منه ومِنَّةً، ونصلِّي ونسلّم على رسولنا محمّد، أرسله الله للناس رحمة، وأنطقه بالهدى والحكمة، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين حفظوا هداه، وبلّغوه، ورأوا نوره فاتّبعوه، وعلى أتباعهم من أئمّة الحديث المميّزين صحيحه من غيره، والمبيّنين لمعانيه، وعلى كلّ من تبعهم بالعناية بهذه السّنة بالضّبط والتّحقيق، الحائزين قصب السبق في مضمار الإيجاز والتدقيق.
أما بعد .. فإن طبيعة الكلام أنه على أقسام ثلاثة:
الأوّل: الغريب الحوشي، الغريب في ذاته، البعيد من صفة البلاغة والفصاحة.
الثاني: الواضح الذي يفهمه كل سامع أو قارئ.
الثالث: المشكل الذي لا يفهمه إلّا العرب الخلّص والعلماء المدقّقون.
• فأما النّوع الأوّل فلا مكان له في القرآن، ولا وجود له في الحديث، ولا استعمله الصحابة ولا العلماء الحاذقون؛ لأنّه مستكره في النّفس،
[ ١ / ٧ ]
غريب عن السّمع، كريه على الذّوق، ولذلك خلت منه الدّواوين اللّغوية المتداولة بين علماء اللغة.
• وأمّا النّوع الثّاني: فأمره واضح بيّن يكون في الكلام المتداول بين النّاس في أحاديثهم، ويكون في القرآن الكريم والسّنة المطهرة، وآثار الصحابة والتّابعين، وكلام الفصحاء والبلغاء من العلماء، ولا يعني قربُ فهمه وسرعةُ معرفته أنه ركيك مبتذل. بل قد يكون مع ذلك في قمّة الفصاحة والبلاغة كما هو الحال في القرآن الكريم والحديث الشريف وغيرهما.
• وأما النوع الثّالث: فهو ما تكون غرابته بسبب واضح جَلِيٍّ كأنْ تكون بسبب جهل السامع بلغة القوم لقلّة بضاعته من لسانهم، أو تكون من الألفاظ التي جاء بها الدين ولا عهد للعرب بها من قبل، أو تكون من قبيل هجر اللفظ والبعد عن استعماله أو حتى يلحق بالغريب عن الفهم، وهذا القسم هو ما يطلق عليه العلماء «غريب القرآن الكريم، وغريب الحديث الشريف»، وقد انتدب العلماء لخدمة الكتاب الكريم والحديث الشّريف واللّغة العربيّة لغة القرآن والحديث فألّفوا في غريب القرآن وغريب الحديث وغريب اللغة وعظموا شأن هذا العلم، وأعلوا مكانه.
ونقتصر في هذه المقدمة على الكلام عن غريب الحديث الشّريف؛ إذ عظّم العلماء أمره، فأحجم كثير منهم عن ركوبه، وما أقحموا أنفسهم فيه. يقول الإمام أحمد ﵀ ورضي عنه - عندما سئل عن حرف من غريب الحديث: سلو أصحاب الغريب فإنّي أكره أن أتكلّم في قول رسول الله ﷺ بالظَنّ فأخطيء.
[ ١ / ٨ ]
وروى أبو موسى الأصْفَهَانِيُّ بسنده عن الأصْمَعِيّ أنَّهُ قال: «يُتَّقَى من حديث رسول الله ﷺ كما يُتَّقَى من تفسير القرآن».
لذلك ما جسر العلماء على هذا العلم بالظّنّ والتّخرّص صونًا لحديث رسول الله ﷺ أن يتكلموا فيه بغير بيّنة ولا حجّة. ولم يركب هذا البحر إلّا أهل الرّسوخ في العلم وأهل البَصَر بكلام العرب.
وظهر الاهتمام بغريب الحديث في نهاية القرن الثاني وبداية القرن الثالث - تقريبًا - ذلك عندما أدرك العلماء الأجلاء أنّ الحاجة ملحّة إلى تتبّع هذا الغريب في موطنه، وتفسيره وتوضيح المراد منه خدمة للعقيدة، وإظهارًا للدّين بعد أن أتمّ الله - تعالى - نوره وجاوز الإسلام حدود جزيرة العرب. ودخل الناس في دين الله أفواجًا واختلط العرب بغيرهم من الأعاجم، واستحال اللسان العربيّ أعجميًّا أو كاد في كثير من أقطار الإسلام، واستعجم أبناء العرب واغترب اللسان العربي بين أبناء المسلمين.
ولمّا أدرك العلماء ذلك، وتحرّكت عندهم الغيرة على حديث رسول الله ﷺ نشطوا منذ بدء التّدوين إلى التّصنيف في غريب الحديث طوال القرن الثالث والرابع والخامس حيث لم يخل زمان وعصر مِمّن جمع في هذا الفنّ شيئًا، وانفرد فيه بتأليف، واستبد فيه بتصنيف. واستمرت الحال إلى عهد الإمام الحافظ أبي الحسن عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي ﵀ وكان بعد الخمسمائة وقبلها، وانتهى إليه أكثر ما ألف في هذا الفنّ، فنظر فيه فوجد أنّ فيه ثَغْرة يمكن أن يسدّها، وثلمة يمكن
[ ١ / ٩ ]
أن يبنيها فبادر إلى ذلك، واتّخذ منهج أبي عبيد الهروي صاحب الغريبين مسلكًا؛ غير أنّه جرّد غريب الحديث من غريب القرآن، وجمع جُلّ المصنّفات التي أُلّفت قبله مضيفًا كلّ كلمةٍ إلى أختها في بابها، فسهل البحث عن الكلمات فيه، ولطف مأخذ المعاني منه دون عسر أو مشقة، وجاء كتابه سهل المتناول قريب المأخذ فكان بالغ الأهميّة في تاريخ هذا العلم، ومؤلفه مقدم عند العلماء. وقد ضمّ الكتاب مادة غزيرة من هذا العلم في حسن ترتيب وتبويب.
• هذا وقد كُنا نتمنَّى منذ أن اتجهنا إلى دراسة اللّغة العربيّة أن يوفّقنا الله لإنجاز عمل يجمع بين خدمة الحديث الشريف وعلوم العربيّة، ويصل اللّغة بالشّريعة تقرُّبًا إلى الله، وأملًا في رضاه؛ إذ اللّغة ما هي إلا وسيلة لفهم الشّرع تبيّن وتعرب وتفسّر وتوضّح، وتكشف الأستار، وترفع الحجب عن المعاني الشّرعية ليتمكّن النّاس من العمل على أساس متين من الفهم والوضوح.
ولما يسّر الله لنا الالتحاق بهذه الجامعة المباركة واطلعنا على مجموعة من الكتب التي حُقِّقَت في غريب الحديث وقع في أنفسنا أنّ هذا السبيل فيه شيءٌ كثير من تحقيق ما نرغب فيه، ولاسيما أن كليّة اللّغة العربيّة بهذه الجامعة ضمّت مجموعة ممتازة من الأساتذة الكرام الذين لهم قصب سبق في هذا الميدان، وخبرة واسعة في معاناة هذا الفنّ.
[ ١ / ١٠ ]
ولمّا اطّلعنا على ما خرج من كتب غريب الحديث مِمّا أخرجه أساتذتنا الأجِلّاء وغيرهم مِمّن أسهم في إبراز هذه الكنوز العظيمة إلى حيز الوجود زادت الرغبة في سلوك هذا الطريق ورأينا أن الفرصة قد آن أوانها، فاستعنا بالله وأخذنا نفتش في مراجع الكتب والمصنفات والتراجم، مستشيرين أساتذتنا الأجلاء فوفق الله ﷿ إلي هذا الكتاب جليل القدر، عظيم الفائدة.
[ ١ / ١١ ]