إذا كان معنى الغرابة في الكلام هو بعده عن الفهم، فكيف يقع ذلك في الحديث؟ بعد أن قَرَّرنا أنّه في غاية الفصاحة وقِمّة البلاغة؟
لإدراك ذلك لا بُدَّ من معرفة حقيقة الغرابة. إنّ الغرابة عند إطلاقها
_________________
(١) غريب الحديث للخطابي ١/ ٧٠، ٧١.
[ ١ / ١٨ ]
تصدق على المعنى العام للكلام، وتصدق على اللفظة الواحدة، فغرابة المعنى أن يكون ما «يراد به بعيد المعنى غامضه لا يتناوله الفهم إلَّا عن بعدٍ ومعاناةِ فكرٍ» (^١).
• وأما غرابة اللفظة الواحدة فمرجع ذلك إلى أحد ثلاثة أمور:
١ - أن تكون اللفظة من الغريب الحوشي، الغريب في ذاته، وهذا هو الذي قال عنه الجاحظ بعد أن أورد بعض الأمثلة لمثل هذه الألفاظ، منها قول يحيى بن يَعْمَر: «أأنْ سألتك ثمن شَكْرِها، وشَبْرك أنشأت تطلُّها وتَضْهَلُها» قال الجاحظ بعد تفسير هذه الألفاظ: «فإن كانوا إنَّما رووا هذا الكلام لأنَّه يدلّ على فصاحة فقد باعده الله من صفة البلاغة والفصاحة، وإن كانوا إنّما دوَّنوه في الكتب وتذاكروه في المجالس لأنّه غريب فأبيات من شعر العجاج وشعر الطّرماح وأشعار هذيل تأتي لهم مع حسن الرّصف على أكثر من ذلك، ولو خاطب بقوله: «أأن سألتك ثمن شكرها …» الأصْمَعِيَّ لظننت أنّه سيجهل بعض ذلك. وهذا ليس من أخلاق الكتاب ولا من آدابهم» (^٢).
فهذا النوع مستكره، غريب على السمع، كريه على الذوق، وتخلو منه الدواوين اللغوية المتداولة بين علماء اللغة.
_________________
(١) المصدر السابق.
(٢) البيان والتبيين ١/ ٣٧٨، ٣٧٩.
[ ١ / ١٩ ]
٢ - أن تكون الألفاظ غير شائعة الاستعمال في بعض العصور أو البيئات بمعنى أنه كان في وقت من الأوقات متداولًا على ألسنة الفصحاء، ثم قلّ استعماله مع مرور الزمن.
٣ - «أن يراد به كلام من بعدت به الدار ونأى به المحل من شواذّ قبائل العرب فإذا وقعت إلينا الكلمة من لغاتهم استغربناها وإنّما هِيَ كَلَامُ الْقَوْمِ وبيانُهم، وعلى هذا ما جاء عن بعضهم وقال له قائل: أسألك عن حرف من الغريب. فقال: هو كلام القوم، إنَّما الغريب أنت وأمثالك من الدّخلاء فيه» (^١).
• إذن ما الغريب الذي وقع في الحديث من هذه الأنواع؟
يقول ابن الصّلاح عن ذلك: «هو عبارة عما وقع في متون الأحاديث من الألفاظ الغامضة البعيدة من الفهم لقلة استعمالها، وهذا علم مهم يقبح جهلة بأهل الحديث خاصّةً ثمّ بأهل العلم عامّة، والخوض فيه ليس بالهيِّن، والخائض فيه حقيق بالتحريّ، جدير بالتوقّي، وقد روي عن أحمد بن حنبل أنه سئل عن حرف منه فقال: سلوا أصحاب الغريب فإني أكره أن أتكلم في قول رسول الله ﷺ بالظّنّ فأخطئ» (^٢).
وفي هذا المعنى وفي أسبابه يقول ابن الأثير ﵀: «واستمر
_________________
(١) غريب الحديث للخطابي ١/ ٧١.
(٢) علوم الحديث لابن الصلاح ٢٤٥.
[ ١ / ٢٠ ]
عصره ﷺ إلى حين وفاته على هذا السَّنن المستقيم وجاء العصر الثاني - وهو عصر الصحابة - جاريًا على هذا النّمط، سالكًا هذا المنهج. فكان اللسان العربي عندهم صحيحًا محروسًا لا يتداخله الخلل، ولا يتطرق إليه الزّلل، إلى أن فُتِحت الأمصار، وخالط العرب غير جنسهم من الرّوم والفرس والحبش والنّبط وغيرهم من أنواع الأمم الذين فتح الله على المسلمين بلادهم، وأفاء عليهم أموالهم ورقابهم، فاختلطت الفرق، وامتزجت الألسن، وتداخلت اللغات، ونشأ بينهم الأولاد فتعلموا من اللسان العربي ما لا بدّ لهم في الخطاب منه وحفظوا من اللّغة ما لا غنى لهم في المحاورة عنه، وتركوا ما عداه لعدم الحاجة إليه وأهملوه لقلّة الرّغبة في الباعث عليه، فصار بعد كونه من أهمّ المعارف مطّرحًا مهجورًا، وبعد فرضيته اللازمة كأن لم يكن شيئًا مذكورًا، وتمادت الأيّام - والحالة هذه - على ما فيها من التماسك والثبات، واستمرت على سنن من الاستقامة والصلاح، إلى أن انقرض عصر الصحابة، والشأن قريب، والقائم بواجب هذا الأمر لقلّته غريب. وجاء التابعون لهم بإحسان فسلكوا سبيلهم لكنهم قلّوا في الإتقان عددًا، واقتفوا هديهم وإن كانوا مدّوا في البيان يدًا. فما انقضى زمانهم على إحسانهم إلَّا واللسان العربيُّ قد استحال أعجميًا أو كاد، فلا ترى المستقلّ به والمحافظ عليه إلّا الآحاد.
هذا والعصر ذلك العصر القديم، والعهد ذلك العهد الكريم، فجهل الناس من هذا المهم ما كان يلزمهم معرفته، وأخّروا ما كان يجب
[ ١ / ٢١ ]
عليهم تقدمته، واتخذوه وراءهم ظهريًّا، فصار نسيًا منسيًّا، والمشتغل به عندهم بعيدًا قصِيًّا. فلمّا أعضل الداء، وعزَّ الدّواء، ألهم الله ﷿ جماعةً من أولي المعارف والنهى وذوي البصائر والحجى، أن صرفوا إلى هذا الشأن طرفًا من عنايتهم، وجانبًا من رعايتهم، فشرعوا فيه للناس موارد، ومهدوا فيه لهم معاهد، حراسة لهذا العلم الشريف من الضياع، وحفظًا لهذا المهم العزيز من الاختلال» (^١).
فيرجع ابن الأثير السبب في غرابة بعض ألفاظ الحديث إلى اختلاط العرب بغيرهم، وتَعَلُّم غير العرب العربِيّة، واقتصارهم على تَعَلُّم بعض الألفاظ دون بعض مما أدى إلى هجر ألفاظ عربيّة فصيحة حتى أصبحت فيما بعد غريبة بعيدة الفهم، احتاجت إلى التفسير والبيان. وهذا ما قام به علماء غريب الحديث الشريف.
ولا شك أن معرفة ألفاظ الحديث مقدمةٌ في الرتبة على معرفة معانيه؛ لأنها الأصل في الخطاب وبها يحصل التفاهم، فإذا عُرِفَتْ ترتّبت المعاني عليها، فكان الاهتمام ببيانها أولى.
ولما أدرك العلماء الأجلاء هذا المعنى انتدبوا أنفسهم لخدمة هذا الفن، ففسّروا ما استغلق من معاني كلماته، لورعهم وخوفهم من القول في حديث رسول الله بغير علم. فلقد رُوِيَ عن الإمام أحمد أنّه قال عندما سُئِل عن حرف من الحديث: «سلوا أصحاب الغريب فإني أكره
_________________
(١) مقدمة ابن الأثير في النهاية ١/ ٥.
[ ١ / ٢٢ ]
أن أتكلم في قول رسول الله ﷺ بالظن فأخطئ» (^١).
وقال أبو موسى: «وجدت بخطّ والدي ﵀ وهو إجازة لي عنه - حدثنا أبو الحسن علي بن محمد بن علي إملاءً نا أبو القاسم بن إبراهيم بن محمد الجلاب نا أبو يعقوب نا محمد بن الربيعي بن نافع نا المعتمر بن سليمان عن أبيه قال: «كانوا يكرهون أن يفسِّروا حديث رسول الله ﷺ برأيهم كما كانوا يكرهون أن يفسّروا القرآن برأيهم» (^٢) وساق بسنده إلى نصر بن علي قال: سمعت الأصْمَعِيَّ يقول: «يُتَّقَى من حديث رسول الله ﷺ كما يُتَّقَى من تفسير القرآن» (^٣) ففي هذه الأخبار دليل واضح على حرص العلماء الأجلّاء على فهم معاني الحديث فهمًا صحيحًا، وعلى خشيتهم من وقوع التخرص والظنون في تفسير الحديث لذلك قاموا بالبحث في غريبه، وجمع ما يرون فيه غرابة في اللفظ والمعنى وصرفوا إليه عنايتهم ورعايتهم.
• وتنسب بداية التأليف في هذا الفن إلى أبي عبيدة معمر بن المثنى (ت سنة ٢٠٩ هـ) (^٤).
يقول ابن الأثير: «فقيل إنّ أوّل من جمع في هذا الفنّ شيئًا وألّف أبو عبيدة معمر بن المثنَّى التّيميّ فجمع من ألفاظ غريب الحديث والأثر كتابًا صغيرًا ذا أوراقٍ معدودات، ولم تكن قلته لجهله بغيره من
_________________
(١) علوم الحديث لابن الصلاح ٢٤٥.
(٢) مقدمة المجموع المغيث ١/ ٦.
(٣) المصدر السابق.
(٤) معجم الأدباء للحموي ١١/ ١٥٥، وبغية الوعاة للسيوطي ٢/ ٢٩٤.
[ ١ / ٢٣ ]
غريب الحديث، وإنّما كان ذلك لأمرين:
أحدهما: أن كل مبتدئٍ لشيءٍ لم يسبق إليه، ومبتدعٍ لأمرٍ لم يُتَقَدَّم فيه عليه فإنّه يكون قليلًا ثمّ يكثر، وصغيرًا ثم يكبر.
والثاني: أن الناس يومئذ كان فيهم أثارة من علم وعندهم معرفة فلم يكن الجهل قد عمّ ولا الخطب قد طمّ» (^١).
وعاصر أبا عبيدة أبو عدنان عبد الرحمن بن عبد الأعلى السّلميّ، وهو راوية لأبي البيداء الرياحيّ. ومعاصر ليونس بن حبيب أستاذ أبي عبيدة، وعمل كتابًا في غريب الحديث ذكر فيه الأسانيد وصنفه على أبواب السنن والفقه إلا أنّه ليس بالكبير (^٢).
ثم جمع أبو الحسن النضر بن شميل المازني المتوفى (سنة ٢٠٤) (^٣) كتابًا في غريب الحديث أكبر من كتاب أبي عبيدة، وشرح فيه وبسط على صغر حجمه ولطفه، ثم تتابعت تآليف علماء اللغة في هذا الشأن فألف أبو علي محمد بن المستنير المعروف بقطرب (ت سنة ٢٠٦ هـ) (^٤) كتابًا في ذلك وكذلك أبو عمرو إسحاق بن مرار الشيباني (ت سنة ٢٠٦ هـ) (^٥)، وأبو الحسن سعيد بن سعدة المجاشعيّ
_________________
(١) مقدمة النهاية في غريب الحديث ١/ ٥.
(٢) تاريخ بغداد ١٢/ ٤٠٥.
(٣) الفهرست ١٢٩، ومعجم الأدباء ١٩/ ٢٤٣.
(٤) الفهرست ١٢٩، ومعجم الأدباء ١٩/ ٥٣، وشذرات الذهب ٢/ ١٦.
(٥) الفهرست (١٠٢)، ومعجم الأدباء ٦/ ٨٢، إنباه الرواة ١/ ٢٢٧.
[ ١ / ٢٤ ]
الأخفش الأوسط المتوفى (سنة ٢١١ هـ) (^١)، وأبو سعيد أحمد بن خالد الضرير (ت سنة ٢١٤ هـ) (^٢) وأبو زيد سعيد بن أوس الأنصاريّ (ت ٢١٥ هـ) (^٣) وأبو سعيد عبد الملك بن قريب الأصمعي (ت سنة ٢١٦ هـ) (^٤) فقد ألف كتابًا (يقع في ورقات معدودة) (^٥) وقد أحسن فيه الصنع وأجاد ونيّف على كتاب أبي عبيدة وزاد وكان في عصره وتأخر عنه (^٦).