بيّن أبو الحسن ﵀ في مقدمته أنه أقدم على تصنيف كتابه واضعًا بين يديه جهود كلّ من تقدّمه، وقد أفاد من أقوال العلماء، وعرضها في
[ ١ / ٩٤ ]
تفسيره للكلمات الغريبة في كتابه؛ ولكنّه كان يناقش كثيرًا من الأقوال، ويزيد على ما قالوه ما يراه مناسبًا وموافقًا لِمَا يشرح، ويبيّن رأيه في أقوالهم، ويرجّح قولًا على قول وهذا ظاهر في الكتاب.
• فأبو الحسن صاحب رأي فيما يجمع وينقل، وله حجته وبرهانه فيما يذهب إليه، وسأورد بعض المواضع التي رأيت فيها ما يظهر رأيه، ويبرز موقفه.
جاء في مادة (أرض) في حديث أم معبد: «.. وشرب آخرهم ثم أراضوا ..».
قوله: أراضوا: قيل معناه: شربوا حتى رووا فنقعوا بالريّ، يقال: أراض الوادي واستراض: إذا استنقع فيه الماء، وكذلك أراض الحوض.
ويقال لذلك الماء: روضة، وهذا الحرف من باب الراء مع الواو، وهو من الأجوف، ولكن ذكر الهرويّ في باب الهمزة مع الرّاء عن ابن الأعرابي أنه قال في قوله: «أراضوا» أي: ناموا على الأراض وهو البساط، والأراض مهموز الفاء، وهو صحيح. فأما الإفعال منه: آرضوا، كما يقال من الأسف: آسفوا. وأراضوا: لا يكون إلّا من الأجوف على مثال: أقالوا، وأجابوا، ولا يمكن أن يكون هذا البناء من الأراض الذي هو البساط حتى يُورَدَ في هذا الباب.
ولست أدري كيف وقع لابن الأعرابيّ هذا اللفظ؟ وكيف حكاه الهرويّ عنه وتركه في هذا الباب؟ وقد أورده في موضعه في باب الراء
[ ١ / ٩٥ ]
مع الواو، والذي هو موضع الكلمة، فأمّا في هذا الباب فلا أرى له وجهًا.
وفي مادة (أرن) ص ٤١ في تفسير قوله ﷺ لرافع بن خديج عندما سأله عن الذبح: «أرن وأعجل …» عرض أقوال الإمام الخطابي فيها حيث يرى أنها من (ائْرَن) على وزن (اعْرَن) ويحتمل أنّه على وزن (عَرِنْ) ثُمَّ عقّب عليها بقوله: قال الشيخ الإمام عبد الغافر: وهذا كالبعيد؛ لأنّه لا يأتي من الكلمة الأمر بالإهلاك حتى يؤخذ منه وجه الحديث، ولا يتأتَّى منه المتعدّي فيؤمر به. ثمّ قال بعد عرض آراء الخطابي في الكلمة، وهل هي من الرّنْو، أو أنّها (أَرِزّ) بتشديد الزاي في آخر الكلمة: «وليس شيءٌ من ذلك من هذا الباب إلّا الأرن وهو النّشاط والباقي من أبواب الرّاء».
ثم قال: «وقد عثرت على لفظة أخرى بعد الطلب، يقرب أن يؤخذ الحديث منها - إن صحت الرّواية - وهو أن يقال: اُرْن من الرُّناءِ، وهو الصّوت كأنّه أمره برفع الصّوت في البسملة وذكر الله ﷿ عند الذبح مع إنهار الدّم، فإنّه مأمور بأن يذبح على اسم الله - تعالى -، إذ كان المشركون يرفعون أصواتهم بذكر الأصنام. وهذا لا يقصر في الاتّجاه على الوجوه التي تقدم ذكرها، والله أعلم بالحال.
وإنّما احتج إلى وجوه التّوجيه لعدم الوثوق بحقيقة المنقول من جهة الرّواة».
[ ١ / ٩٦ ]
وفي مادة (أكل) ص ٦٣ في قوله: «نهى عن المؤاكلة» أورد قول القتبي في تفسيرها وأنّها من الأكل؛ لأن كل واحد منهما يؤكل صاحبه. ثم قال:
«ويحتمل أن الكلمة ليست من باب الهمزة، بل هي من الوكول من باب الواو والكاف، فإن المعنى الذي ذكروه كالبعيد المتكلّف وإنما النّهي عن أن يكل كلّ واحد صاحبه بذلك فيؤدي إلى التّقاطع والتّهاجر، وذلك منهيٌّ عنه؛ لأنّ بقاء النوع على المعاونة والمواصلة وسعي البعض في حق البعض، وهذا وجه صحيح متّجه، والله أعلم.
وفي مادة (ألو) ص ٧٠ في تفسير قوله: «من صام الدهر فلا صام ولا آل» على رواية البعض أورد قول إسحاق بن راهويه: قال جرير: وهو الرّاوي معناه: ولا رجع.
ثم قال: وليس للرجوع ههنا معنى، إلّا أن يحمل على أنّه أراد: لا رجع إلى ما أمر به، أو لا رجع إلى ثواب الطاعة، والله أعلم.
وعلى هذا تكون الكلمة (أي: آل) من الهمزة مع الواو لا من هذا الفصل.
وفي مادة (أمم) ص ٧٧ في تفسير قوله: «إن أطاعوهما (يعني أبا بكر وعمر) فقد رشدوا ورشدت أمّهم» قال: أراد بالأُمّ: الأُمّة. وهذا التفسير هو ما في كتاب الغريبين. ثم قال أبو الحسن: ويَحتمل أنه أراد بقوله:
«رشدت أمّهم» أي: ولدتهم لرشدة فهم أولاد نكاح لا سفاح.
[ ١ / ٩٧ ]
وفي تفسير قوله: «لا يزال أمر هذه الأمة مؤاما …» قال بعد عرض ما قيل في تفسيرها: ويحتمل عندي أن يكون اللفظ مواءمًا مفاعلًا من الوأم وهو الموافقة. أي: لا يزال أمر الأمة على اتفّاق واجتماع وألفة، من قولهم: واءمه مواءمة أيْ: وافقه موافقة، إن ساعد النّقل فهو متجه.
وفي مادة (أنن) في تفسير قوله ﷺ: «إنّ قصر الخطبة وطول الصّلاة مَئِنَّةٌ من فقه الرجل» عرض الأقوال في شرحها، وأشار إلى كتابه «المفهم لصحيح مسلم» ثم قال معقّبًا على رأي الخطابيّ فيها: «وقد ذكر الخطابيّ في أثناء كلامه أنّ المأن معتل العين، وفيه نوع إنكار عليه، إذ هو مهموز العين، والمهموز جنس من الكلام كالمضاعف، لا يقال لهما: المعتل. إذ المعتل ما فيه أحد حروف العلة اللهم إلا أن يُدَّعَى إطلاق لفظ المعتل على ما سوى الصحيح فحينئذ يدخل المهموز والمضاعف تحت إطلاق المعتل. وإن لم يساعد على هذا الإطلاق فالإنكار عليه متجه فيما قال، والله أعلم.
وفي مادة (بأو) ص ١٠٣ في تفسير قوله: «فأمرهم النّبيّ ﷺ أن يتباءوا» قال أبو عبيد: هكذا قال هشيم، والصواب عندي: يتباؤوا على وزن يتقاولوا، يعني يتساووا في القصاص.
قال أبو الحسن: وهذا الفعل أجوف مهموز اللام. والذي رواه هشيم من البأو وهو الكبر وهو مهموز العين من الناقص، ولا معنى له على ما استصوبه أبو عبيد.
[ ١ / ٩٨ ]
وفي مادة (بدن) ص ٢٣١، ٢٣٢ في تفسير قوله ﵊: «لا تبادروني بالركوع، فإني قد بدنت». رواها هشيم - وكان فيما قيل لحّانًا - بَدُنْتُ.
قال أبو عبيد: ليس له معنى ههنا؛ لأنّه ليس كثرة اللحم من صفته.
قال أبو الحسن بعد نقل كلام أبي عبيد: ولعل هشيمًا روى ما حُكِيَ عنه من هذا الحديث، فلا يحمل على لحنه، والله أعلم.
وفي مادة (برق) ص ١٤٨ قال الأزهريّ: لفظ الحديث: «أبرقوا» أي: اطلبوا الدّسم والسّمن. من قولهم: برقت لفلان إذا دسَّمْت له طعامه بالسمن.
قال أبو الحسن: ولست أثق بأنّ النقل، هل يوافق هذا أم لا؟
وفي (بره) ص ١٥٠ - ١٥١ في تفسير (البرهرهة) عرض أقوال الأئمة في ذلك، ثمّ قال: ويقع لي شيءٌ أظهر من هذا موافق لسياق القصّة، وهو أنه رُوِي أنّه قال: «فشق بطني، وأخرج حشوتي». وإنما يُحْتَاج إلى السّكّين للشقّ، فبعد أن أخرج العلقة السوداء ما كان يحتاج إلى الشق وآلته، بل ردّ بقيّة الحشوة بعد إلقاء العلقة السوداء نقيّة صافية إلى جوفه كالبرهرهة في صفائها ونقائها ولونها ثمّ ذرّ الذّرور. وهذا هو الترتيب والوجه الحسن. وإنّما وقع الخطابيّ في الإشكال؛ لأنه تخيل أن البرهرهة سكّين أو ما شابهه من آلات الشق والقطع أدخله جوفه.
ومساق الحديث لا يحوج إليه؛ لأنّ المردود إلى الجوف الحشوة
[ ١ / ٩٩ ]
المنقاة عن العلقة السوداء، فهي كالبرهرهة في صفائها ونقائها. والله أعلم.
يؤكد ذلك أنّ تشبيه السّكّين بالدّرهمة البيضاء بعيد جدًا، اللّهمّ إلّا أن يحمل على الصّفاء دون الصّورة، وهو شيءٌ مستغنى عنه.
وفي مادة (بيت) ص ٢١٥ فسر لفظة (البيت) من قوله: «حتى يكون البيت بالوصيف». ثم قال بعد عرض آراء الأئمة: ويحتمل أنّ المراد به أنّه يكثر الموت حتى لا يكون للبيت الذي كان فيه جماعة من النّاس إلّا خادم واحد بقي في البيت بعد أولئك الجماعة. ويحتمل أنّه أراد موت الرجال، وكثرة النساء، كما في حديث آخر: «أنه لا يكون لخمسين امرأة إلّا قيم واحد». فلا يكون للبيت إلا وصيف واحد. والله أعلم.
وفي مادة (تول) ص ٢٥٤ في تفسير حديث عبد الله: «التولة من الشّرك» ذكر قول أبي عبيد بعد أن فسرها: «ولم أسمع على هذا المثال إلّا حرفًا واحدًا، يقال: هذا سَبْيٌ طِيَبَةٌ، يعني الطّيِّب الذي لم يقع في رقّة إشكال، وضده سَبْيٌ خِبَثة.
ثم قال أبو الحسن: هذا قول أبي عبيد. وقد جاءت أحرف سوى ما ذكره، يقال: ثوب حِبَرَةٌ.
وفي مادة (ثفل) ص ٢٨١ في تفسيره قوله: «ومن كان معه ثفل فليصطنع». ذكر ما قيل في تفسيرها، ثمّ عرض ما يراه من تفسير محتمل غير ما ذُكِرَ فقال:
[ ١ / ١٠٠ ]
ويحتمل أنّه أراد به من كان معه زيادة من القوت يحتمل أن يبقى معه فاضلًا مما يحتاج إليه فليصطنع، أي: فليعطه غيره؛ لأنّ الثّفل هو كالزّيادة الفاضلة عن المطعوم المحتاج إليه. والله أعلم.
وكان أبو الحسن يعرض التفسيرات في بعض المواضع ثم يرجّح ما يراه أليق بالمعنى، جاء ذلك في مواضع منها:
في مادة (بصر) ص ١٦٣ في تفسير (صلاة البصر) قال: أراد به صلاة الفجر، وسماها البصر؛ لأنّها إنّما تصلّى عند إسفار الظّلام وإثبات البصر الأشخاص وقيل: إنّها صلاة المغرب؛ لأنّها تؤدَّى قبل ظلمة الليل الحائلة بين الأبصار والمرئيّات، والأوّل أظهر.
وفي مادة (ترب) ص ٢٣٢ في تفسير قوله ﷺ: «تربت يداك» قال: هذه كلمة جارية على ألسنة العرب، يطلقونها ولا يريدون الوقوع.
يقال: ترب الرجل إذا افتقر وقل ماله حتى لصق بالتراب، ومثله ما قال لصفية «… عقرى حلقى أحابستنا هي؟» على ما سيأتي في بابه.
وقال ابن عرفة: هو دعاء عليه، أراد: تربت يداك إن لم تفعل ما أمرتك به. وقيل معناه: لله درّك إذا اتّعظت بعظتي، وفعلت ما آمرك به. والأوّل أشبه.
وفي مادة (ثوب) ص ٣٠٠ في شرح قوله ﷺ: «الميّت يحشر في ثيابه». يُحْتَمَلُ في تأويله وجهان، أحدهما: أنّه يحشر في كفنه الذي كفن فيه على ظاهره. ثم يحشر إلى الموقف عاريًا. لقوله ﷺ: «إنكم تحشرون عراة …». والثّاني: أنه أراد بالثياب: العمل الذي يموت
[ ١ / ١٠١ ]
عليه ويختم له به؛ لما في الحديث: «يبعث المرء على ما مات عليه». وقد قيل في قوله - تعالى -: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ أي: وعملك فأصلح، وهذا هو الأوجه والله أعلم.
وفي مادة (بكر) ص ١٨٦ في شرح قوله ﷺ: «هذا (أي: الطّاعون) عذاب ورجز أرسل على أناس ممن كان قبلكم».
قال سفيان: قال عمرو بن دينار: لعله لقوم عذاب وقوم شهادة.
قال أبو الحسن: فأعجبني قول عمرو بن دينار؛ لما روي أنّه ﷺ قال: «الطّاعون شهادة لأمتي ورحمة لهم، ورجز على الكفار».
• وهذا الذي رأيناه من عرضٍ لآراء الأئمّة، ثم الزيادة على ما قالوا أو الاستدراك على ما نقلوا، أو الترجيح لما أوردوا يدل على أن أبا الحسن لم يكن متابعًا فحسب، وإنما كان صاحب رأي يصدر عنه، ومنهج يعبر عن شخصيّته وتميّزه.
• وقد تأثر أبو الحسن بمنهج الهرويّ ولكنه لم يتابعه في كل شيءٍ بل أخذ عليه مواضع منها ما ذكره الهرويّ في تفسير الباء وحدها إذا اتّصلت بالكلام.
يقول أبو الحسن (^١): «وقد أورد الهرويّ للباء وحدها إذا اتّصلت بالكلام معاني ليست تتعلق بتفسير اللغة، إنّما هي اختصارات في المخاطبات، ذكرت منها: (فبها ونعمت) في فصل الباء مع الهاء، وأعرضت عمّا لا يدخل في شرح اللغة.
_________________
(١) مجمع الغرائب ٢٢٣.
[ ١ / ١٠٢ ]
وهذا الموقف من أبي الحسن لم نجده عند ابن الأثير ولا عند الأصفهاني بل تابعا الهرويّ فيما أورده مع أنّ الغالب فيما أورد من ذلك أنه ألصق بالنحو منه باللغة.