بقي النّاس يرجعون إلى كتاب أبي عبيد في غريب الحديث، ويعتمدون عليه إلى أن جاء أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، المروزي الأصل، وأقام بالدينور مدة عمل فيها قاضيًا فنسب إليها. وألّف كتابًا في غريب الحديث انتهج فيه نهج أبي عبيد «تتبَّع فيه ما أغفله أبو عبيد من ذلك .. لم يأل أن يبلغ به شأو الْمُبَرّز السّابق» (^٢) «حذا فيه حذو أبي عبيد، ولم يودعه شيئًا من الأحاديث المودعة في كتاب أبي عبيد؛ إلّا ما دعت إليه حاجة من زيادة شرح، وبيان أو استدراك أو اعتراض، فجاء كتابه مثل كتاب أبي عبيد وأكبر منه» (^٣) وقد ظنّ ابن قتيبة ﵀ أنّه لم يبق بعده مقال لقائل، وأنّه أتى على جميع الغريب. وما علم - كما قال ابن الأثير - أن الشّوط بطين، والمنهل معين. وقد افتتح ابن قتيبة «كتابه بشرح الألفاظ الدائرة بين الناس في الفقه وأبوابه والفرائض وأحكامها كالوضوء والصلاة والزكاة والأذان وغيرها، ثم أتبع ذلك تفسير ما جاء في الحديث والكتاب من ذكر الكافرين والفاسقين والمنافقين والفاجرين والملحدين، وأخيرًا ما جاء في الحديث من ذكر أهل الأهواءِ: الرافضة والمرجئة والقدرية
_________________
(١) النهاية في غريب الحديث ١/ ٦.
(٢) غريب الحديث للخطابي ١/ ٤٨.
(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر ١/ ٦.
[ ١ / ٢٩ ]
والخوارج، وهذا ما لم يفعله أبو عبيد في كتابه» (^١).
وعاصر ابنَ قتيبة الحربيُّ إبراهيمُ بنُ إسحاقَ ﵀ (ت سنة ٢٨٥ هـ) «وجمع كتابه المشهور في غريب الحديث وهو كتاب كبير ذو مجلدات عدّة، جمع فيه وبسط القول، وشرح واستقصى الأحاديث بطرق أسانيدها، وأطاله بذكر متونها وألفاظها وإن لم يكن فيها إلّا كلمة واحدة غريبة، فطال لذلك كتابه، وبسبب طوله تُرِك وهُجِرَ، وإن كان كثير الفوائد، جمّ المنافع، فإنّ الرجل كان إمامًا حافظًا متقنًا عارفًا بالفقه، والحديث واللغة والأدب، رحمة الله عليه» (^٢).
وقد حاول الحربيُّ في كتابه أن يجمع بين طريقة من طرق المحدثين في التأليف وطريقة من طرق اللغويين في التصنيف، أو طريقتين من طرائق أهل اللغة إذا نظرنا إلى ما أورده من موضوعات وأسماء للمعاني» (^٣) «ولم يكن في كتب غريب الحديث كتابٌ صُنِّفَ مرتبًا ومقفّى يرجع الإنسان عند طلب الحديث إليه إلّا كتاب الحربيّ، وهو على طوله وعسر ترتيبه لا يوجد الحديث فيه إلا بعد تعب وعناء» (^٤).
وألف في هذا الشأن أيضًا أبو العباس محمد بن يزيد المبرد (^٥) (ت
_________________
(١) غريب الحديث حتى نهاية القرن السادس الهجري دراسة لغوية تحليلية لإبراهيم يوسف السيد ٩٢.
(٢) النهاية ١/ ٦.
(٣) مقدمة محقق المجلدة الخامسة من غريب الحديث للحربي ١/ ٩٢.
(٤) النهاية في غريب الحديث ١/ ٨.
(٥) النهاية في غريب الحديث ١/ ٧.
[ ١ / ٣٠ ]
سنة ٢٨٥ هـ) ومحمد ابن عبد السلام الخُشَنِيُّ (^١) (ت سنة ٢٨٦ هـ) وأبو العباس محمد بن علي بن الفضل المعروف (بفستقه) (^٢) (ت سنة ٢٨٩ هـ) وأبو العباس أحمد بن يحيى المعروف بثعلب (^٣) (ت سنة ٢٩١ هـ) وأبو الحسن محمد بن أحمد بن كيسان (^٤) (ت سنة ٢٩٩ هـ) وجميع هذه المؤلفات لم يعثر عليها حتى الآن وإنما ذكرتها كتب التراجم، ولا نعلم شيئًا عن مناهجهم فيها. إلّا أنّ الخطّابيَّ ذكر أنّ جميع المؤلفات التي تقدمت عصره إذا حصلت كان مآلها كالكتاب الواحد … وفي هذه الفترة ألف قاسم بن ثابت السرقسطي (ت سنة ٣٠٢ هـ) كتابًا سماه الدلائل «احتل منزلة عالية بين كتب غريب الحديث في الأندلس، إلّا أنّه كان مجهولًا في المشرق عند أصحاب غريب الحديث، فلم نقع له على إشارة في الكتب المؤلفة في غريب الحديث في المشرق حتى نهاية القرن السادس الهجري» (^٥).
وكذلك أبو محمد القاسم بن محمد بن بشار الأنباريّ (^٦) (ت سنة ٣٠٤ هـ)، وأبو موسى سليمان بن محمد بن أحمد المعروف
_________________
(١) طبقات الزبيدي ٢٦٨، هدية العارفين ٢/ ٢١، فهرسة ما رواه عن شيوخه ١٩٥.
(٢) الفهرست لابن النديم ١٢٩.
(٣) النهاية في غريب الحديث ١/ ٧.
(٤) الفهرست لابن النديم ١٢٩، معجم الأدباء ١٧/ ١٣٩، وإنباه الرواة ٣/ ٥٨.
(٥) غريب الحديث حتى نهاية القرن السادس الهجري لإبراهيم يوسف السيد ١٠٦.
(٦) الفهرست ١١٢، ومعجم الأدباء ١٧/ ٣١٧، وإنباه الرواة ٣/ ٢٨.
[ ١ / ٣١ ]
بالحامض (^١) (ت سنة ٣٠٥ هـ)، وسلمة بن عاصم (^٢) (ت سنة ٣١٠ هـ)، وأبو بكر محمد بن الحسن بن دريد (^٣) (ت سنة ٣٢١ هـ) وأبو بكر محمد بن عثمان الجعد (^٤) (ت سنة نيف وعشرين وثلاثمائة) وأبو بكر محمد بن القاسم الأنباري (^٥) (ت سنة ٣٢٨ هـ) قال عنه الخطابي: «ولابن الأنباريّ من وراء هذا مذهب حسن في تخريج الحديث وتفسيره، وقد تكلّم على أحاديث معدودة وقع إليَّ بعضها، وعامّتها مفسّرة قبل؛ إلّا أنّه قد زاد عليها وأفاد، وله استدراكات على ابن قتيبة في مواضع من الحديث» (^٦) وألّف كذلك محمد بن عبد الواحد (^٧) الزاهد المطرز (ت سنة ٣٤٥ هـ) كتابًا في غريب الحديث صنّفه على مسند أحمد بن حنبل، وكذلك أبو محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه (^٨) (ت سنة ٣٤٧ هـ)، وأبو بابويه القمى (^٩) (ت سنة ٣٨ هـ) وأبو الحسن علي ابن عمر الدارقطني (^١٠) (ت سنة ٣٨٥ هـ).
_________________
(١) الفهرست ١٢٩، تاريخ بغداد ٩/ ٦١.
(٢) الفهرست ١٠١، ١٢٩، ومعجم الأدباء ١١/ ٢٤٣، وبغية الوعاة ١/ ٥٩٦.
(٣) الفهرست ١٢٩.
(٤) المصدر السابق.
(٥) المصدر السابق، وتاريخ بغداد ٣/ ١٨١، إنباه الرواة ٣/ ٢٠١.
(٦) غريب الحديث ١/ ٥١.
(٧) معجم الأدباء ١٨/ ٢٣٢، وإنباه الرواة ٣/ ١٧٧.
(٨) الفهرست ١٢٩، وإنباه الرواة ٢/ ١١٣، ووفيات الأعيان ٢/ ٢٤٨.
(٩) الفهرست ٢٧٧، تارخ بغداد ٣/ ٨٩، وكشف الظنون ٢/ ١٨٦، وهدية العارفين ٢/ ٥٢، معجم المؤلفين ١١/ ٣.
(١٠) وفيات الأعيان ٢/ ٤٥٩، ٤٦٠، ومعجم المؤلفين ٧/ ١٥٧، وتاريخ بروكلمان ٣/ ٢١٢.
[ ١ / ٣٢ ]
ونصيب هذه المؤلفات التي تلت غريب ابن قتيبة والحربي من الحفظ والعناية ليس بالكبير إذ لم يذكر لكثير منها نسخ خطية فيما اطلعت عليه من فهارس المخطوطات.
ثم ألّف في هذا الفنّ أبو سليمان حمد بن محمد الخطّابيّ (ت سنة ٣٨٨ هـ)، كتابه في غريب الحديث سلك فيه مسلك أبي عبيد وابن قتيبة واقتفى هديهما.
يقول في مقدمة كتابه بعد ذكر الكتابين والثّناء عليهما: «وبقيت بعدهما صُبَابة للقول فيهما مُتَبَرّضُ، توليت جمعها وتفسيرها مستعينًا بالله ومسترسلًا إلى ذلك بحسن هدايتهما، وفضل إرشادهما، وبما نحوته من التيمم لقصدهما، والتقيل لآثارهما، وكان ذلك منِّي بعد أن مضى عَلَيَّ زمان وأنا أحسب أنّه لم يبق في هذا الباب لأحد مُتَكَلّم، وأنّ الأوّل لم يترك للآخر شيئًا، وأتَّكِل على قول ابن قتيبة حين يقول في آخر الخطبة من كتابه: «وأرجو ألا يكون بقي بعد هذين الكتابين من غريب الحديث ما يكون لأحدٍ فيه مَقَالٌ» (^١). وقد عدّ العلماء كتاب الخطّابيّ هذا ثالثَ كتبِ غريبِ الحديث من حيث المكانة، يقول ابن الأثير: «كانت هذه الكتب الثلاثة في غريب الحديث والأثر أمهات الكتب، وهي الدائرة في أيدي الناس، والتي يعول عليها علماء الأمصار» (^٢) وقد كان في زمن أبي سليمان وبعده وفي طبقته أبو عبيد
_________________
(١) غريب الحديث ١/ ٤٨.
(٢) النهاية في غريب الحديث ١/ ٨.
[ ١ / ٣٣ ]
أحمد بن محمد بن محمد الهروي (ت سنة ٤٠١ هـ) صاحب أبي منصور الأزهريّ اللّغويّ فنحى منحى جديدًا في التأليف حيث رتب الكلمات، وسهل طريقة البحث، وجمع بين غريبي القرآن والحديث. يقول ابن الأثير في وصفه: «صنّف كتابه المشهور السائر في الجمع بين غريبي القرآن العزيز والحديث، ورتّبه مقفّى على حروف المعجم على وضع لم يسبق في غريب القرآن والحديث إليه، فاستخرج الكلمات اللغويّة الغريبة من أماكنها، وأثبتها في حروفها، وذكر معانيها، إذ كان الغرض والمقصد من هذا التصنيف معرفة الكلمة الغريبة لغة وإعرابًا ومعنى، لا معرفة متون الأحاديث والآثار وطرق أسانيدها وأسماء رواتها، فإنّ ذلك علم مستقلٌّ بنفسه مشهور بين أهله، ثم إنّه جمع فيه من غريب الحديث ما في كتاب أبي عبيد وابن قتيبة وغيرهما ممن تقدّم عصره من مصنّفي الغريب، مع ما أضاف إليه مما تتبعه من كلمات لم تكن في واحد من الكتب المصنّفة قبله، فجاء كتابه جامعًا في الحسن بين الإحاطة والوضع. فإذا أراد الإنسان كلمة غريبة وجدها في حرفها بغير تعب؛ إلّا أنّه جاء الحديثُ مفرّقًا في حروف كلماته؛ حيث كان هو المقصود والغرض فانتشر كتابه بهذا التسهيل والتيسير في البلاد والأمصار، وصار هو العمدة في غريب الحديث والآثار، وما زال الناس بعده يقتفون هديه، ويتبعون أثره، ويشكرون له سعيه، ويستدركون ما فاته من غريب الحديث والآثار» (^١).
_________________
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر ١/ ٨، ٩.
[ ١ / ٣٤ ]
وألّف أبو القاسم إسماعيل بن الحسن بن الغازي البيهقيّ (^١) (ت سنة ٤٠٢ هـ)، كتابًا في غريب الحديث. ونسب إلى أبي بكر محمد بن الحسن بن فورك (٤٠٦ هـ) (^٢) كتاب في غريب الحديث، وأن له نسخة في راغب باشا باستانبول برقم (٣١٢) (^٣) والصحيح أنها نسخة من كتابه تأويل مشكل الحديث المطبوع.
وألف في الغريب أيضًا أبو الوليد هشام بن عبد الرحمن بن عبد الله المعروف بابن الصابوني (^٤) (ت سنة ٤٢٣ هـ)، وأبو الفتح سليم بن أيوب الرّازي (^٥) (ت سنة ٤٤٢ هـ)، وأبو منصور محمد بن عبد الجبار السمعانيّ (ت سنة ٤٥٠ هـ) فقد ألف كتابًا سماه «مجموع غرائب الأحاديث» رتبه على حروف الهجاء، وحاول أن يجدد في طريقة التأليف، فجعل ذات الأحرف الأصلية في الأبواب، وأخر المزيد فجمعه في باب مستقل في آخر الكتاب. يقول في مقدمته: «صنّفت هذا الكتاب جامعًا فيه ما تفرق في غيره من غرائب أحاديث رسول الله ﷺ .. ورتّبته على حروف التّهجّي معتمدًا فيه أوّل الحرف، فإن زاد على ذلك أوردته في باب مفرد له في آخر الكتاب سميته «باب الأحاديث
_________________
(١) معجم الأدباء ٦/ ١٤١، ومعجم المؤلفين ٢/ ٢٦٤، وإيضاح المكنون ٢/ ٢٧.
(٢) انظر ترجمته في وفيات الأعيان ٣/ ٤٠٢، والأعلام ٦/ ٣١٣.
(٣) تاريخ الأدب العربي ٣/ ٢١٨، وانظر غريب الحديث حتى نهاية القرن السادس الإبراهيم السيد ١١٥، وتاريخ التراث لسزكين ٢/ ٣٨٨.
(٤) الصلة في تاريخ أئمة الأندلس لابن بشكوال ٢/ ٦١٥.
(٥) إنباه الرواة ٢/ ٦٦، ووفيات الأعيان ٢/ ١٣٣.
[ ١ / ٣٥ ]
الطوال»، وسميته مجموع غرائب الأحاديث ..» (^١). ثم صَنّف أبو محمد عبد العزيز بن عبد الله الأندلسيّ الشاطبيّ (^٢) (ت سنة ٤٦٥ هـ) غريب أبي عبيد القاسم بن سلّام على حروف المعجم، وجعله أبوابًا.
وممن ألّف في هذا الشأن أبو عبد الله محمد بن فتوح الأندلسيّ (^٣) (ت سنة ٤٨٨ هـ) ألف كتابًا سماه: «تفسير غريب ما في الصحيحين»، شرح فيه غريب الكلمات الواردة في أحاديث الصحيحين (البخاري ومسلم) وكذلك إبراهيم بن محمد النّسويّ (^٤) (ت ٥١٩ هـ) وعبد الغافر بن إسماعيل الفارسي الذي ألف كتابين في هذا الفنّ. أحدهما: «المفهم لشرح صحيح مسلم» والآخر «مجمع الغرائب ومنبع الرغائب» وسيأتي الحديث عنه مفصلًا بعد هذا التمهيد، ثم جاء أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري (ت سنة ٥٣٨ هـ) فألف كتاب «الفائق في غريب الحديث» وصف ابن الأثير منهجه فقال: «رتبه على وضع اختاره مقفّى على حروف المعجم، ولكن في العثور على طلب الحديث منه كلفة ومشقة، وإن كانت دون غيره من متقدّم الكتب؛ لأنّه جمع في التقفية بين إيراد الحديث مسرودًا جميعه أو أكثره أو أقله، ثم
_________________
(١) هديّة العارفين ٢/ ١٢٥، وتاريخ الأدب العربي ٦/ ١٧٥ و١٧٦، ومعجم المؤلفين ١٠/ ١٢٥، وفهرس مكتبة كوبريلي.
(٢) إنباه الرواة ٢/ ١٨٣، ومعجم المؤلفين ٥/ ٢٥١.
(٣) معجم الأدباء ١٨/ ٢٨٤، ومرآة الجنان ٣/ ١٤٩.
(٤) معجم الأدباء ٢/ ١٤، بغية الوعاة ١/ ٢٨٦، ومعجم المؤلفين ١/ ٨٣.
[ ١ / ٣٦ ]
شرح ما فيه من غريب فيجيء شرح كلّ كلمة غريبة يشتمل عليها ذلك الحديث في حرف واحد من حروف المعجم، فترد الكلمة في غير حروفها، وإذا تطلّبها الإنسان تعب حتى يجدها، فكان كتاب الهرويّ أقرب متناولًا وأسهل مأخذًا، وإن كانت كلماته متفرّقة في حروفها، وكان النّفع به أتمّ، والفائدة منه أعمّ» (^١).
وألّف في الغريب كذلك أبو الحسن محمد بن أحمد بن محمد بن أبي خيثمة (^٢) (ت سنة ٥٤٠ هـ) وأبو الحسن علي بن عبد الله العقيلي (^٣) (ت سنة ٥٤٦ هـ) حيث تعرض إلى غريب الحديث للقاسم بن سلّام ﵀ وقفّاه على حروف. كذا قال القفطي. فلما كان زمن الحافظ أبي موسى محمد بن عمر بن أحمد الأصفهانيّ (ت سنة ٥٨١ هـ) «صنف كتابًا جمع فيه ما فات الهرويّ من غريب القرآن والحديث يناسبه قدرًا وفائدة ويماثله حجمًا وعائدة، وسلك في وضعه مسلكه، وذهب فيه مذهبه، ورتبه كما رتبه … ولم يذكر فيه كتابه مما ذكره الهرويّ إلّا كلمة اضطرّ إلى ذكرها إمّا لخلل فيها أو زيادة في شرحها أو وجه آخر في معناها، ومع ذلك فإنّ كتابه يُضَاهِي كتابَ الهرويّ ولما وقفت على كتابه الذي جعله مكمّلًا لكتاب الهرويّ ومتمّمًا وجدته في غاية الحسن والكمال» (^٤)،
_________________
(١) النهاية في غريب الحديث ١/ ٩.
(٢) بغية الوعاة ١٧١، ومعجم المؤلفين ٩/ ٥.
(٣) إنباه الرواة ٢/ ٢٨٥، ٢٨٦.
(٤) النهاية في غريب الحديث ١/ ٩، ١٠.
[ ١ / ٣٧ ]
وممن ألف في هذا العصر أيضًا أبو الشجاع محمد بن عليّ بن شعيب المعروف بابن الدهان (^١) (ت سنة ٥٩٠ هـ) ولمّا كان زمن أبي الفرج عبد الرحمن بن عليّ بن محمد بن الجوزيّ البغداديّ (^٢) (ت سنة ٥٩٧ هـ) ألّف كتابًا في غريب الحديث، نهج فيه منهج الهرويّ في ترتيب الكلمات ولكنّه كان يختصر في الشرح، ولا يوغل في التصريف والاشتقاق؛ لأنّه يرى أن محلّ ذلك كتب اللغة. يقول في مقدمته - بعد ذكر من تقدمه في التأليف في الغريب: «فرأيت أن أبذل الوسع في جمع جميع غريب حديث رسول الله ﷺ وأصحابه وتابعيهم، وأرجو أن لا يشذّ عنّي مهم في ذلك، وأن يغني كتابي عن جميع ما صنف في ذلك، وقد رتبته على حروف المعجم، وإنّما آتي بالمقصود من شرح الكلمة من غير إيغال في التصريف والاشتقاق، إذ كتب اللغة أولى بذكر ذلك، وإنّما آثرت هذا الاختصار تلطّفًا للحافظ والله الموفق» (^٣). وقد أخذ عليه ابن الأثير تكرار ما جاء في كتاب الهرويّ فقال: «ولقد تتبعت كتابه فرأيته مختصرًا من كتاب الهرويّ، منتزعًا من أبوابه شيئًا فشيئًا، ووضعًا فوضعًا، ولم يزد عليه إلّا الكلمة الشّاذّة، واللفظة الفاذّة، ولقد قايست ما زاد في كتابه على ما أخذه من كتاب الهرويّ فلم يكن إلّا جزءً يسيرًا من أجزاء كثيرة» (^٤).
_________________
(١) وفيات الأعيان ٤/ ١٠٥، بغية الوعاة ٧٦، وشذرات الذهب ٤/ ٣٠٤.
(٢) وفيات الأعيان ٢/ ٣٢١.
(٣) غريب الحديث لابن الجوزي ١/ ٤.
(٤) النهاية في غريب الحديث ١/ ١٠.
[ ١ / ٣٨ ]
ولعل أبا الفرج ﵀ كان يعيد كثيرًا مما في كتاب الغريبين، ليختصرها ويخلصها من كثرة الاشتقاق والتصاريف والشواهد؛ لتتمشى مع منهجه الذي سلكه من الاختصار والبعد عن الإيغال.
ثم جاء زمن أبي السعادات المبارك بن محمد المعروف بابن الأثير (^١) (ت سنة ٦٠٦ هـ) فاطلع على ما سبقه من تأليف، ونظر في الكتب المتقدّمة، فرأى أن ثغرة قد تركت يمكن أن يقوم بسدها، ألَا وهي وجود كتابين واحد منهما مكمل للآخر، فيحتاج الباحث إلى عناء حتى يجد بغيته في أحد الكتابين، فقام يجمعهما وجعلهما كالكتاب الواحد وهما كتابا (الغريبين للهرويّ)، و(المجموع المغيث) لأبي موسى الأصفهانيّ، يقول في مقدمة كتابه: «… وكان الإنسان إذا أراد كلمة غريبة يحتاج إلى أن يتطلبها في أحد الكتابين، فإن وجدها فيه وإلا طلبها في الآخر، وهما كتابان كبيران ذوا مجلدات عدة، ولا خفاء بما في ذلك من الكلفة، فرأيت أن أجمع ما فيهما من غريب الحديث مجردًا من غريب القرآن، وأضيف كل كلمة إلى أختها في بابها تسهيلًا لكلفة الطّلب» (^٢) وحينما رأى أنّ الكتابين لم يأتيا على كلّ ألفاظ الغريب في الحديث أضاف إليهما ما فاتهما، وجعل كل كلمة مع ما يناظرها في بابها.
ثمّ لمّا رأى ابن الأثير أنّ الأحاديث في النهاية لم تستتمّ فيه، بل
_________________
(١) معجم الأدباء ١٧/ ٧١ - ٧٧، إنباه الرواة ٣/ ٢٥٧ - ٢٦٠.
(٢) النهاية في غريب الحديث ١/ ١٠.
[ ١ / ٣٩ ]
هي مجزئة مفرقة في الأبواب بحسب الكلمات الغريبة، أراد أن يجمع كتابًا يذكر فيه الحديث كاملًا فصنف «منال الطالب في شرح طوال الغرائب» يقول في مقدمته: «وفرغت من تأليفه وجمعه (أي النهاية) وترتيبه في أحسن وضعه، وكان الغريب الوارد فيه، المدرج في أثنائه ومطاويه مفرقًا في أنواع صنوفه، مقسمًا في أبواب حروفه، حيث التزمنا في وضعه التقفية على حروف المعجم … فلا تكاد تجد فيه حديثًا تامًّا وإن قلّ كلمه، ولا أثرًا متّسقًا وإن استقلّ منتظمه؛ فأحببت أن أستأنف كتابًا مختصرًا أجمع فيه من الأحاديث والآثار الطوال والأوساط، ما أكثر ألفاظه غريب لا يفهمه أكثر الناس، ويعز إدراك بعضه على كثير من الخواصّ، أوردها كاملة متناسقة الألفاظ تامّة الإيراد والاقتصاص، وأتبع كلّ حديث منها وأثر شرح غريبه، وتفسير معانيه، وإيضاح المقاصد المودعة فيه (^١).
وجاء بعد ابن الأثير شيخ الحنابلة موفق الدين ابن قدامة المقدسي (ت ٦٢٠ هـ) فألف كتابًا في غريب الحديث سماه «قنعة الأريب في تفسير الغريب» شرح فيه غريب حديث رسول الله ﷺ والصحابة والتابعين وهو شرح مجرد من الشواهد، وقد طبع بتحقيق د/ علي حسين البواب ثم جاء بعده اللغوي النحوي الفقيه الموفق أبو محمد عبد اللطيف بن يوسف البغداديّ (^٢) (ت سنة ٦٢٩ هـ) فألف كتابًا في
_________________
(١) منال الطالب في شرح طول الغرائب ١/ ٣.
(٢) إنباه الرواة ٢/ ١٩٣، ١٩٦، وسير أعلام النبلاء ٢٢/ ٣٢٠ - ٣٢٣، بغية الوعاة ٣١١.
[ ١ / ٤٠ ]
غريب الحديث، ثم جرّد منه كتابًا آخر سماه «المجرد للغة الحديث» أتى فيه بالألفاظ الغريبة دون ذكر أحاديثها، وإنما شرح الألفاظ وحدها. وصف منهجه في الكتابين فقال: «.. فإنّي لما أنهيت كتابي في تفسير غريب الحديث، وكان كتابًا في غاية الإيجاز في مثله؛ لأني جمعت فيه بين استيعاب الغريب وسرد الحديث برمته وبين وجازة الشرح وحذف الأسانيد، وكنت وضعته على ترتيب حروف المعجم، وبدأت بحديث النبي ﷺ، فإذا تمّ تلوته بأحاديث أصحابه والتابعين .. على طبقاتهم .. وزدت مع ذلك نحو الحديث إن كان فيه نحو، وهذا أمر أهمله أكثرهم، رغب إليّ بعض الإخوان أن أجرّد كلماته اللغوية في كتاب مفرد على ترتيبها، منتزعة من الأحاديث، معفاة من البسط والنحو والتعليل، بل أذكر الكلمة اللغوية وتفسيرها بأقل ما لا بدّ منه؛ ليسهل لفظه، ويقرب تناوله … فرأيت أن أسعفه بما طلب» (^١).
ثم صنف أبو عمر عثمان بن عمر بن يونس بن الحاجب (^٢) (ت ٦٤٦ هـ) في غريب الحديث، ثم انحصرت الجهود بعد ذلك في التذييل على الكتب المتقدمة أو الاختصار كما فعل صفي الدين محمد بن أبي بكر الأُرْمُونِيّ (ت سنة ٧٢٣ هـ) حيث ذيل على كتاب النهاية لابن الأثير، ثم نظمه شعرًا عمادُ الدين أبو الفداء إسماعيل بن محمد
_________________
(١) مقدمة المجرد ص ٩٤.
(٢) سير أعلام النبلاء ٢٣/ ٢٦٤، بغية الوعاة ٢/ ٣٥، كشف الظنون ص ١٢٠٧.
[ ١ / ٤١ ]
البعليّ (ت سنة ٧٨٥ هـ) وذكر بروكلمان (^١) أن نسخة من نسخه ببرلين تحت رقم (١٦٥٩) باسم «الكفاية في نظم النهاية».
وكذلك فعل السيوطي حيث لخصه وسماه «الدر النثير» وذيل عليه أيضًا بعنوان «التذييل والتذنيب على نهاية الغريب» (^٢).
وكذلك فعل عيسى بن محمد الصفوي (ت سنة ٩٥٣ هـ) (^٣) والشيخ علي بن حسام الدين الهندي الشهير بالمتقي (ت سنة ٩٧٥ هـ).
وذكر العلماء في جملة من صنف في هذا الفن أبا القاسم محمود بن أبي الحسن ابن الحسين النيسابوري الغزنوي الملقب ببيان الحق (^٤)، واسم كتابه: «جمل الغرائب في تفسير الحديث» ولم أعثر له على سنة وفاة.
أما أثر هذه الحصيلة المباركة في المعاجم العربية فإنّه لا يخفى على كل من يطالعها ويرجع إليها «فقد كان لكتب الغريب عامّة أثر واضح في كتب اللغة، زادت في مادتها، وأثرت اشتقاقها، وشرحت غامضها، واستشهدت بالحديث في اللغة والنحو» (^٥).
_________________
(١) تاريخ الأدب العربي ٦/ ١٩٧.
(٢) تاريخ الأدب العربي ٦/ ١٩٧.
(٣) كشف الظنون ص ١٩٨٩.
(٤) معجم الأدباء ١٩/ ١٢٤، بغية الوعاة ٢/ ٢٧٧، كشف الظنون ٢٠٥، ٦٠١، ١٢٠٥.
(٥) من مقدمة التحقيق (غريب الحربي) ١/ ٩١.
[ ١ / ٤٢ ]
مدخل التحقيق
[ ١ / ٤٣ ]
الفصل الأول
ترجمة المؤلف
اسمه ونسبه وكنيته ولقبه ومذهبه.
مولده ونشأته.
طلبه للعلم ورحلاته.
أسرته.
شيوخه.
تلاميذه.
ثناء العلماء عليه.
شعره.
مؤلفاته.
وفاته.
[ ١ / ٤٥ ]