ذكر الفارسي في مقدمته أنه كان يدور في خلده أن يؤلف مجموعًا يحتوي على الغرائب ويرتبه على حروف المعجم، ناهجًا فيه منهج أبي عبيد الهرويّ، مضيفًا ومستقصيًا، وضامًّا إليه ما أبهمت ألفاظه على أهل الزمان المتأخر. إلّا أنّه لم يُعْقِبِ الْعَزْمَ الْحَزْمَ إلَّا عندما عثر على تصنيفٍ لبعض المتأخرين، كان قد لاح له ما لاح للفارسي فجمع الأحاديث وفسّر غريبها، إلّا أن أبا الحسن أخذ عليه مآخذ منها:
أولًا: أنه اقتصر في جمعه على الأحاديث المرفوعة دون أحاديث الصحابة والتابعين.
ثانيًا: أغفل الترتيب، فلم يراع إلا الحرف الأول دون الثاني والثالث، ممّا يسبب المشقة على طالب المعرفة، فيتعذر عليه الحصول على ما أراد.
ثالثًا: لم ينبه على أصل الكلمة، وهذا ينتج عنه ما نتج عن المأخذ الثاني.
رابعًا: ترك مقصود الحديث في كثير من المواضع.
وقد طالعت كتاب «مجموع غرائب الأحاديث» للقاضي الإمام أبي منصور محمد بن عبد الجبار السمعاني المتوفى سنة (٤٥٠ هـ) فألفيت المأخذ الأول لأبي الحسن ينطبق عليه.
فأبو منصور اقتصر في كتابه على أحاديث الرّسول ﷺ دون غيرها،
[ ١ / ١٣٦ ]
ونصّ على ذلك في مقدّمته، وعلّل سبب هذا المسلك فقال (^١): «واقتصرت على أحاديث رسول الله ﷺ وما يتصل بها من مقدّماتها صيانة لها من أن يجمع بينها وبين ما هو في المرتبة دونها، وعلى أنّ من عزمي أن أتبعه كتابًا آخر في تفسير غرائب أحاديث الصحابة والتابعين سالكًا فيه هذه الطريقة من الإيجاز والترتيب».
ومأخذ أبي الحسن الثاني يجري في حق كتاب السمعاني هذا، فلم يراع التّرتيب، فحصل بسبب ذلك خلط بعض الأبواب بالبعض. فنجد أن كتاب السمعانيّ بدأ بتفسير مادة (أبر) وهذا ما يمكن أن يطلق عليه - تمشيًا مع منهج أبي الحسن - فصل الهمزة مع الباء. ثم أتبعه بمادة (بدع) من قوله: «أبدع بي». وهذه اللفظة كان حقها أن تكون في باب الباء، فصل الباء مع الدال، وقد فعل ذلك الفارسيّ، وهذا ما جعلني أقول بأنّ الفارسيّ في نقده يقصد كتاب السمعانيّ هذا حيث قال (^٢): «فنظرت فيه فوجدته ترك الترتيب في الترتيب وخلط بعض الأبواب بالبعض».
وجاء بعد هذه اللفظة في كتاب السمعاني لفظة (أزلت) وبعدها (الألوة) وبعدها (الأرز) وكان مكان (الأرز) قبل سابقتيها؛ لأنّها من (أرز) فصل الهمزة مع الراء، بينما الألوة من فصل الهمزة مع اللام.
ويلاحظ على كتاب السمعاني هذا أنّ مأخذ أبي الحسن الثالث
_________________
(١) مجموع غرائب الأحاديث لوحة ٣/ أ.
(٢) مجمع الغرائب ص ٤.
[ ١ / ١٣٧ ]
ينطبق عليه، فهو يجعل عنوان الكلمة لفظها لا مادتها، فجاءت الإشارة إلى الألفاظ المراد تفسيرها هكذا: الابار، أبدع بي، أُزِّلَتْ، الألوة، الأرز، آنيت، ألم، الأخافيق، الأسيف، الإخفاق، الإلحاف، المتأثل، الإقعاء، الأزيز، الأطر، الأقرم، الإجار، الإهلال، الأوابد، الآثر، الآجام، وهكذا.
وفي هذا بيان للخلط الذي حصل في كتاب السمعاني بين الأبواب، وكذلك عدم التنبيه على أصل الكلمة.
أما قول أبي الحسن، «وترك مقصود الحديث في كثير من المواضع» فلا أرى ذلك إلا مرادًا به عدم التنبيه أو الإشارة إلى بعض الأحكام أو المعاني التي تتضح من الحديث بتفسير تلك اللفظة.
فأبو الحسن عندما فسر قول النّبيّ ﷺ «إنّ هذه البهائم لها أوابد كأوابد الوحش فما غلبكم فاصنعوا به هكذا» قال في آخر تفسيره: «ومعنى الحديث: إنّ في البهائم أو من البهائم ما فيه نفار كنفار الوحش، واللام بمعنى (من) أو (في) فما لا يقدر على ذبحه يرمي بسهم أو يطعن برمح أو بما يتوصل إليه به، فهو بمنزلة الذبح والنحر في المقدور عليه».
وهذا لا نجده عند السمعاني في تفسيره للحديث نفسه.
[ ١ / ١٣٨ ]