﷽
وهو حسبي وكفى (^١)
(^٢) الحمدُ للهِ مُسَبِّبِ، مُفَتّحِ الأَبْوَابِ، مقلّبِ القلوبِ بين صَفْوِ اليقين وكَدَرِ الارْتِيَابِ، مُصَرّفِ الأمورِ بين طَوْرَيْ (^٣) الاستواءِ والاضطرابِ، الذي خصّ الإنسان بلطيفةٍ هي مُرْتَبَطُ الخِطابِ، ومناطُ التَّكليف المتضمنِ للحظرِ والإيجابِ، وشَرَّفَه بإرسال الرَّسول إِليه وإنزالِ الكتاب، المحتوي على بيان الثَّوابِ والعقابِ، ووعد على الطَّاعة حُسْنَ المآب، وأَوْعَدَ على المعصية سُوءَ الحساب، وذُلَّ الحجاب، فضلًا منه وعدلًا على موجَبِ الصَّلاح ومقتضَى الصَّوابِ.
ثُمَّ الصَّلاةُ على المخصوصِ بالاصطفاءِ والانتخاب، المبرّإِ من كلِّ عاب، المجتبى من أكرم نِجَارٍ (^٤) ونِصاب، المستخرج من أرُوْمَةِ عبد مناف بن قُصَيِّ بنِ كِلاب، مُحَمَّدٍ وعلى آلِه المبَرَرةِ الأَنْجَابِ،
_________________
(١) في (ص): «رب سهل ويسر».
(٢) في (ك): «قال الشيخ الإمام الأوحد أبو الحسن عبد الغافر بن إسماعيل بن عبد الغافر الفارسي كتابة: فقال:».
(٣) الطور: التارة والحالة، قال النابغة: تناذرها الراقون من سوء سُمِّهَا … تطلِّقه طورًا وطورًا تراجع الصحاح (طور) ٢/ ٧٢٧، واللسان (طور).
(٤) النجار بضم النون وكسرها: الأصل والحسب. اللسان (نجر).
[ ١ / ١٦١ ]
والمهاجرين والأنصارِ من الأصحاب، والسلام على أرواح السلف الصالحين. والأَئِمَّةِ الماضين، الذين رتبوا الشَّرع على الأبواب، وبذَلوا وُسْعَهُمْ بِكُنْهِ الْجَهْدِ والإدْآب، وشرحوا ما استَبْهَمَ من الفرائضِ والسُّنَنِ والآداب، وأبرزوا أسْرَارَ الْعُلومِ بالبحثِ والسَّبْرِ من وراءِ الحِجَابِ، وسَفَرُوا عَنْ وَجْهِ الطَّلَبِ لِمَنْ أرَادَ أَنْ يَحْذُوَ حَذْوَهُمْ سَاتِرَ النّقَابِ، وخَرَجُوا فِيمَا أَمْكَنَهُمْ مِنْ شَرْحِ الألفاظِ واستنباطِ المعاني من (^١) الإهاب، حتَّى رسخت قواعدُ الدِّين مُبْرَمَةَ الأسْبَاب، وعلت أعلامُه ممتدَّة الأَطْنَابِ، ﵃، وجَزَاهُمْ عن حسنِ سَعْيِهِمْ جَزِيلَ الثواب، إِنَّه الكريمُ الوهابُ.
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَوْلَى ما يصرفُ الإِنْسَانَ إِلَيْه هَمَّهُ، ما يراه فيما يذره ويأتيه أَهَمَّهُ، ويقصد به أكملَ النَّفْعِ وأَعَمَّهُ؛ إِذْ فنونُ العِلْمِ أكثرُ من أن يَفِيَ به العمرُ القصيرُ، بل لا يحصل من كُلِّ واحدٍ، لِكُلِّ أحد لو استفرغ وُسْعَه فيه العشير. وأَصْنَافُ العلومِ لا تنضبط، وهِمَمُ النُّفُوسِ تَنْقَبِضُ عَنِ التَّحْصِيلِ وَلَا تَنْبَسِطُ. وأَحَقُّ ما يَنْبَغِي أَنْ يُصَدَّقَ به الاعتناء، ويُتَحَمَّلُ في معرفته المشقَّةُ والعَنَاءُ؛ كِتَابُ اللهِ العزيزُ، وقد سبق فيه من المحققين في كل نوع ما شفى الغليلَ، وبَيَّنُوا التَّفْسِيرَ والتَّأْويلَ، وما بَقَّوْا في القوس مَنْزَعًا لأَحَدٍ، وما قَصَّرُوا عن بُلوغِ أَمَدٍ، واستقصوا وُجُوهَ القراءات: شَوَاذَّهَا وَمَرْوِيَّهَا، ونَشَرُوا خَفِيَّها ومَطْوِيَّها، وشقَّ كُلٌّ في شِقِّ تَوَلَّاهُ ومَارسَه وعاناه الشّعر، وصنفوا في وجوه معانيه ولطائفه
_________________
(١) في (ص): «عن الإهاب».
[ ١ / ١٦٢ ]
السّحرَ، ويتلوه الأحاديثُ المروِيَّةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، الَّتِي إِلَيْها مستندُ الشريعةِ ومنها يُتلَقَّى بيانُ الأَحكامِ من المشهوراتِ الصَّحاحِ، والغرائِبِ البديعةِ، وَمَعْرِفَتُها الْبَحْرُ الخِضَمُّ الذي لا يُنْزَفُ، والأَمْرُ الأَطَمّ الّذي يُبَقِّي كلُّ مبرّزٍ عن إِدْرَاكِ نهايته ويَضْعُفُ.
وقد صنف الْحُذَّاقُ فِي الْغَرَائِبِ مصنفاتٍ، وجمعوا في شرحِها مجموعاتٍ، وأتوا في تفسيرِ الألفاظِ وتحقيقِ المعاني، واستنباط وجوهِ الفقهِ، والجمع بين ما يُوهِمُ ظاهِرُهُ التَّنَاقُضَ والتَّضَادَ والاخْتِلَافَ بالعجائب، وشفوا خَلَفًا بعد سلفٍ حَوَّازَ الصدورِ، وما يحيك في القلوبِ لِكُلِّ طالبٍ، وَشَرْحُ نَبْذٍ (^١) مما قَدَّمُوه وأودعوه كُتُبَهُم لشهرته تَكَلُّفٌ، وما هو محتاج إِلَيْهِ في كتبهم مُصَنَّفٌ. والجموعاتُ متداولةٌ في بلاد الإسلام، يستفيد منها العلماءُ والشادون، ولا يحتاج شيء منه إلى تجنيح وتنقيح، وزيادة تلويح: اللَّهُمَّ إِلَّا أَنَّهُم أَوْرَدُوا الأحاديثَ مرسلةً، من غير ترتيب يُسَهِّلُ الوصولُ على طالِبها، وإِنْ عَنَّ (^٢) إِشكالٌ أحوج إِلَى تصفحِ مجلداتٍ، من عشر إِلى عشرين أو أكثر، وربما يُعَانِيهَا ولا يَحْصُلُ على المقصودِ ولا به يَظْفَرُ. ولم يُوَفَّقْ أَحَدٌ من المتأخرين لخرطِ ذلك في سلك الترتيب على وجهٍ يوصل إِلَى الغرضِ المقصود في آنٍ قريبٍ.
_________________
(١) أي: شيء يسير.
(٢) في (ص): «وان شق».
[ ١ / ١٦٣ ]
وقد كان يدور في الخلد مُذْ مُدَّةٍ مَدِيدَة أَنْ يُسَاعِدَ الوقتُ لِمَجْمُوعٍ (^١) يحتوي على الغَرائبِ، مُرَتَّبًا على حروف المعجم (^٢)، نحو مَا أَسَّسَهُ أَبُو عُبَيْدِ الْهَرَوِيُّ في الغريبينِ، مستقصيًا فيه ما أَغْفَلَهُ، وضامًا إليه بَعْضَ ما يَظْهَرُ من الفوائد السَّانحة، والزَّوائدِ اللَّائِحَةِ، الموافقة للأصول، وَطَائِفةً من الأحاديث التي صارت غرائِبَ لأهل زماننا من أمثالنا بعد تصانيفهم؛ لِيَسْهُلَ بِمُوجَبِ الترتيب الوصولُ لِكُلِّ طالبٍ إِلَى مقصوده، ويَتَيسَّرَ له العثورُ على مفقوده.
فلم يخرج اتّفَاقُ التَّيْسِير من مكنون التَّقدير، إِلَى أن عثرت على تصنيف لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرين، عَنَّ لَهُ مَا عَنَّ لي، فجمع الأحاديثَ المرفوعةَ دون أحاديثِ الصحابةِ والتابعين، مُخَرَّجًا من الغرائب. فنظرت فيه فوجدته تَركَ التّرتيبَ في التَّرتيبِ، وخلط بعضَ الأبْوابِ بالبعضِ، غيرَ مُنَبِّهٍ على أَصْلِ الكلمةِ، وترك مقصودَ الحديث في كثيرٍ من المواضعِ، فَحَقَّ بَعْدَ ذَلِكَ وَوَجَبَ الافتتاحُ بما انطوى عليه العزمُ، وحان أَنْ (^٣) يَعْقُبَ الْعَزْمَ الْحَزْمُ، واستخرت الله - تعالى - مُتَقَرِّبًا إِلَيْه بما قصدتُه، من تسهيل طريق الطَّلب على ذويه، راجيًا منه تيسيرَ الإِتْمَام، وأَنْ تُقْرَنَ به البركةُ في الانتفاعِ به، وأَنْ يَجْعَلَ السَّعْيَ خالصًا لِوَجْهِه، ويَصُونَ عن الخطأ والزَّلَلِ، وَيَعْصِمَ عن الزَّهْوِ والصَّلَفِ في
_________________
(١) في (ك): «بمجموع».
(٢) في (ك) و(ص): «على حروف الهجاء».
(٣) مكررة في (س).
[ ١ / ١٦٤ ]
القول والعمل.
وابتدأت بالهمزةِ في ابتداء الكلمةِ مع سائرِ الحروف، ثم بالباءِ مع سائر الحروف، إلى آخر الثمانية والعشرين، وحَذَفْتُ الأسانيدَ والتَّطْوِيلات، والاسْتشهادَ بالأَبْيَاتِ، والإِمْعَانَ في أَطْرَافِ الْكَلَامِ من الحكايات، والإِطْنَابَ في اللّغات مِمَّا يُطَوِّلُ حَجْمَ الكتاب ويخرج عن المقصود المطلوبِ في الباب، واجتهدت في إِيرادِ ألفاظ الأَئِمَّةِ بِأَعْيَانِها في تفسيرِ الأحاديثِ إِلَّا ما احتجتُ فيه إِلَى اسْتِدْرَاكِ، أو استنباطِ معنى زائدٍ على ما ذكروه، مِمَّا يستفادُ نوعه.
وسميته «مجمع الغرائب ومنبع الرغائب» وَسَهَّلْتُ طَرِيقَ الْوُصولِ على كُلِّ طالبٍ وأوصيت إِلَى كُلِّ من يطالعه أن يَقْضِيَ حَقَّ كُلْفَتِي، وَجَزَاءَ مَشَقَّتِي بدعاءٍ صالحٍ، يَتَضَمَّنُ سؤالَ العفوِ والمغفرةِ لي، وخَتْمَ العمرِ بالسعادة، فهو الأَهَمُّ الذي لا بُدَّ منه، ولا غِنَى بالعبدِ الضَّعِيفِ الْمُذْنِبِ عنه، وأَنْ يُصْلِحَ ما يرى فيه من خَلَلٍ، أو (^١) يُنَبِّه على ما يَجِدُهُ مِنْ سَهْوٍ أَوْ زَلَلٍ، وهو ضرورة الإنسانِ، الَّذِي هو مَظِنَّةُ الغفلةِ والنِّسْيَانِ.
وقد حان الآن وقتُ الشُّروعِ في المقصود، بتوفيق ذي المَنِّ والْفَضْلِ والجُود، فَأَقُولُ:
_________________
(١) في (ك): «وأن ينبه».
[ ١ / ١٦٥ ]