يرجع علماء غريب الحديث الفضل في شقّ هذا الطّريق، وسلوك هذا السّبيل إلى أبي عبيد القاسم بن سلّام (ت سنة ٢٢٤ هـ) مصنّف غريب الحديث وذلك لمنهجه المتميز في ذلك، حيث جمع عامّة ما في كتب الذين تقدّموه وفسّره، وذكر الأسانيد، وصنّف المسند على حدته وأحاديث كلّ رجل من الصحابة والتابعين على حدته، وأجاد تصنيفه فرغب فيه أهل الحديث والفقه واللغة لاجتماع ما يحتاجون إليه فيه «فإنه قد انتظم بتصنيفه عامّة ما يُحْتَاج إلى تفسيره من مشاهير غريب
_________________
(١) تاريخ بغداد ١٢/ ٤٠٥، والمجموع المغيث ١/ ٨، ٩.
(٢) معجم الأدباء ٣/ ١٧، وإنباه الرواة ١/ ٧٦، بغية الوعاة ١/ ٣٠٥.
(٣) الفهرست ١٢٩.
(٤) الفهرست ٨٢، ١٢٩، وإنباه الرواة ٢/ ٢٠٣، ووفيات الأعيان ٢/ ٣٤٩.
(٥) غريب الحديث للخطابي ١/ ٤٩.
(٦) النهاية في غريب الحديث بتصرف ١/ ٦.
[ ١ / ٢٥ ]
الحديث، فصار كتابه إمامًا لأهل الحديث به يتذاكرون، وإليه يتحاكمون» (^١).
ولقد ذكرت كتب التراجم وفهارس المخطوطات كتبًا بعد هذا العهد ولكنّها لم توجد حتّى يعرف ما إذا كانت سلكت المنهج المتميِّز الذي سار عليه أبو عبيد أم هي سائرة على المنهج المتقدم. فممن ألف في هذه الفترة أبو الحسن علي بن المغيرة الأثرم (^٢) (ت سنة ٢٣٠ هـ) وأبو عبد الله محمد بن زياد الأعرابيّ (^٣) (المتوفى سنة ٢٣٠ هـ)، وعمرو بن أبي عمرو الشيبانيّ (^٤) (ت سنة ٢٣١ هـ) وعبد الملك بن حبيب (^٥) (ت سنة ٢٣٨ هـ)، ومحمد بن حبيب (^٦) (ت سنة ٢٤٥ هـ) وأبو جعفر محمد بن عبد الله ابن قادم الكوفيّ (^٧) (ت سنة ٢٥١ هـ) وشمر بن حمدويه الهروي (^٨) (ت سنة ٢٥٥ هـ) وأحمد بن الحسن الكندي (^٩). إلّا أنّ الخطابيّ يَضُمُّ هذه المصنفات إلى منهج ما قبل أبي عبيد إذ
_________________
(١) غريب الحديث للخطابي ١/ ٤٧، ٤٨.
(٢) الفهرست ٨٤/ ١٢٩، ومعجم الأدباء ١٥/ ٧٧، وكشف الظنون ٢/ ١٤٦.
(٣) الفهرست ١٢٩.
(٤) الفهرست ١٠١.
(٥) إنباه الرواة ٢/ ٢٠٦، وبغية الوعاة ٢/ ١٠٩.
(٦) الفهرست ١٢٩، ١٥٥، ومعجم الأدباء ١٨/ ١١٦.
(٧) الفهرست ١٢٩، ومعجم الأدباء ١٨/ ٢٠٩، وإنباه الرواة ٣/ ١٥٨.
(٨) معجم الأدباء ١١/ ٢٧٥، وبغية الوعاة ٢/ ٥.
(٩) الفهرست ٨٨، النهاية في غريب الحديث ١/ ٧، كشف الظنون ١٢٠٥.
[ ١ / ٢٦ ]
يقول بعد ذكر كتاب أبي عبيد وابن قتيبة: «وقد بقي في هذا الباب كتب غير ما ذكرناه، منها كتاب أبي عبيدة معمر بن المثنى، وكتاب ينسب إلى الأصمعي في ورقات معدودة، وكتاب محمد بن المستنير الذي يعرف «بقطرب»، وكتاب النضر بن شميل، وكتاب إبراهيم بن إسحاق الحربي، وكتاب أبي معاذ المروزي صاحب القراءات، وكتاب شمر بن حمدويه، وكتاب البَاجُدَّائِي، وكتاب آخر ينسب إلى رجل يعرف بأحمد ابن الحسن الكندي. إلَّا أن هذه الكتب على كثرتها عددًا إذا حُصِّلَت كانت كالكتاب الواحد إذ كان مصنَّفوها لم يقصدوا بها مذهب التعاقب كصنيع القتبيّ في كتابه، إنّما سبيلهم فيها أن يتوالوا على الحديث الواحد فيعتوروه فيما بينهم، ثم يتباروا في تفسيره، ويدخل بعضهم على بعض، ولم يكن من شرط المسبوق أن يفرج للسابق عما أحرزه، وأن يقتضب الكلام في شيء لم يفسر قبله … ثم إنه ليس لواحد من هذه الكتب التي ذكرناها أن يكون شيءٌ منها على منهاج كتاب أبي عبيد في بيان اللفظ وصحة المعنى، وجودة الاستنباط، وكثرة الفقه، ولا أن يكون مثل كتاب ابن قتيبة في إشباع التفسير، وإيراد الحجّة وذكر النظائر، وتخليص المعاني، إنما هي أو عامّتها إذا انقسمت وقعت بين مقصر لا يورد في كتابه إلّا أطرافًا وسواقط من الحديث، ثم لا يوفيها حقّها من إشباع التفسير وإيضاح المعنى، وبين مطيل يسرد الأحاديث المشهورة التي لا يكاد يشكل منها شيء، ثم يتكلف تفسيرها ويطنب، وفي بعض هذه الكتب خلل من
[ ١ / ٢٧ ]
جهة التفسير، وفي بعضها أحاديث منكرة لا تدخل في شرط ما أُنْشِئت له هذه الكتب، وكتاب (شَمِر) أشقّها وأوفاها» (^١).
فمناهج المتقدّمين من الذين صنفوا في غريب الحديث غير منضبطة بضوابط واضحة، ولعل من أهمّ الأسباب في ذلك - إضافة إلى ما ذكره الخطابي - ما ذكره ابن الأثير في سبب صغر كتاب أبي عبيدة واختصاره (^٢).
ومع كل هذه التآليف في هذا الفنّ فإنّ العلماء قد أنزلوا كتاب أبي عبيد منزلة عظيمة وقدروه حقّ قدره، فعظموا شأنه وأعلوا مكانه. ساق الأصفهاني بسنده إلى عبد الله بن العباس الطيالسي قال: سمعت الهلال بن العلاء الرّقِّي يقول: «منَّ الله ﷿ على هذه الأمّة بأربعة في زمانهم. بالشّافعيّ تفقّه بحديث رسول الله ﷺ، وبأحمد بن حنبل ثبت في المحنة، ولولا ذلك لكفر الناس، وبيحيى بن معين نفى الكذب عن رسول الله ﷺ، وبأبي عبيد القاسم بن سلّام فسّر الغريب من حديث رسول الله ﷺ، ولولا ذلك لاقتحم الناس في الخطأ» (^٣) وقال ابن الأثير: «… فجمع كتابه المشهور في غريب الحديث والآثار الذي صار - وإن كان أخيرًا - أوّلًا لِمَا حواه من الأحاديث والآثار الكثيرة، والمعاني اللطيفة، والفوائد الجمة، فصار هو القدوة في هذا
_________________
(١) غريب الحديث للخطابي ١/ ٤٩، ٥٠.
(٢) انظر ص ١٣ من هذا البحث.
(٣) المجموع المغيث ١/ ٧.
[ ١ / ٢٨ ]
الشأن فإنّه أفنى فيه عمره، وأطاب به ذكره» (^١).