سلك الإمام أبو الحسن في تأليف هذا الكتاب، منهج الهرويّ في ترتيبه «كتاب الغريبين»، فالألفاظ اللغوية ترد عنده على حسب ترتيب حروف الهجاء، بادئًا بالهمزة في أول الكلمة مع الباء ثمّ سائر الحروف مرتبة على حسب ترتيبها الهجائيّ، ثم بالباء مع الحروف على الترتيب، جاعلًا الحرف الأول بابًا، والحرف الأول مع الحرف الثاني فصلًا. فالباب الأول: باب الهمزة مع سائر الحروف، والفصل الأول: فصل الهمزة مع الباء. معتمدًا الأصول في الكلمة، إلا ما أورده من ألفاظ على غير هذا المنهج وقد علّل سبب ذلك، فأورد كلمة «الأبْهَر» في مادة «أبه» ص ١٠. ثمّ قال: وحق الكلمة أن تذكر في فصل الباء؛ لأنّ الألف زائدة، إلا أنّه لمّا لم تكن صفة وتجمع على الأباهر، كما يجمع أكحل اليد على الأكاحل وأشجع الإصبع على الأشاجع، صارت الهمزة كالأصل، ولهذا ذكر الهرويّ الأروى في فصل الهمزة مع الراء
[ ١ / ٧١ ]
- وإن كانت الهمزة زائدة - ولم يذكر الأبهر في البابين أصلًا. وجاء تفسير لفظ الأروى في فصل الهمزة مع الراء ص ٤٢، ثم قال: ولفظ الأروى ممّا حقّه أن يذكر في باب الراء؛ لأنّ الهمزة زائدة؛ إلا أنّها لمّا لم تكن صفة، صارت كالأصل بمنزلة الأبهر والأخشب والأكحل والأشجع، وقد تقدمت نظائرها وذكرها الهرويّ هنا.
وأورد تفسير الأخشبين في فصل الهمزة مع الخاء ص ٢٣، وعلل سبب إيرادها في هذا الفصل قائلًا: وحقّ الكلمة أن تذكر في باب الخاء لأن الألف زائدة؛ إلا أنه يجمع على الأخاشب، وصار كاسم موضوع ليس بصفة كما ذكرناه في الأبهر والأكحل والأروى والأشجع.
ثم قال في مادة «خشب» لوحة ٢٣٢/ ب: «وقد ذكرت الأخشبين في فصل الهمزة للزومها الكلمة، وهي على (أفعل) غير صفة، كالأكحل والأبجل والأروى - وإن كانت زائدة - فما أعدتها هنا».
وفسر كلمة «أفكل» في مادة «أفك» وعلّل لها بلزومها الهمزة.
وقد يذكر الكلمة الغريبة التي لم يجزم لها بأصل يعرف فيما أورده فيها السابقون ككلمة (بابوس)، فقد أوردها في فصل الباء مع الهمزة ص ١٠٢، وجعل عنوان الكلمة لفظها. ثم قال: «هكذا أورده الهرويّ، ثم قال: الحرف غير مهموز، مع أنه أورده في باب الباء مع الهمزة، والحرف غريب ليس إيراده هنا إلا لما أورده الهرويّ.
أما طريقة إيراد الحديث، فكان يورد الحديث على حسب ما تضمن من كلمات غريبة، فإن كثر الغريب في الحديث، فرقه على المواد، ثم
[ ١ / ٧٢ ]
يفسر كل كلمة في مكانها، وقلّما يشرح كلمة في غير بابها؛ إلا إذا رأى أن الحاجة ماسة إلى تفسيرها، وليس لإيرادها في بابها مناسبة، فإنه كان يفسرها في أول موضع ترد فيه، جاء ذلك في تفسير «شناق» من قول يزيد بن المهلب عند الحجاج: «وفي الدرع ضخم المنكبين شناق». حيث فسرها في مادة (بخت) ص ١٢١ - ١٢٢. وفسر «الخصيلة» في مادة (ثمل) ص ٢٩٣. وذلك من قول عبد الملك بن مروان للحجاج: «فَسِرْ إليها كميش الإزار، منطوي الثميلة، خفيف الخصيلة». وفسر قوله: «قلب وكيع واعٍ» في مادة (بره) ص ١٥١. ولكن ذلك ليس كثيرًا.
وإذا رأى من الكلمات ما تمس حاجة القارئ إلى شرحها نبّه على أنّ تفسيرها سيكون في بابها. ورد ذلك في ص ١٠٩ شرح مادة (بتل) في قوله: «بتل ﵇ العمري» حيث شرح معنى (بتل)، ثم قال: «ومعنى العمري مذكور في بابه».
وكذا فعل في تفسير مادة (بخص) ص ١٢٣. قال: ويروى منحوض القدمين وهو مفسر في بابه.
وفي شرح مادة (ترج) ص ٢٣٣ شرح كلمة (المترج) من قوله: «نهى عن القسي المترج» ثم قال: ويأتي شرح القسي في بابه.
وإن تقدم تفسير اللفظة نبّه على ذلك، جاء في شرح مادة (تنا) تفسير معنى التناوة من قول قتادة: «كان حميد بن هلال من العلماء، فأضرت به التّناوة». ثمّ قال: هكذا في الحديث، والمشهور، تنأ بالبلد إذا أقام
[ ١ / ٧٣ ]
به، مهموز وقد ذكر في موضعه.
وإن كثرت الألفاظ الغريبة التي تحتاج إلى تفسير، أحال إحالة عامة على الأبواب. جاء في تفسير مادة (بدأ) ص ١٢٥ قوله: «منعت العراق درهمها ودينارها … وعدتم من حيث بدأتم» ففسر المصنف قوله: (بدأتم) ثم قال: وسائر الألفاظ مفسّر في الأبواب.
وفي مادة (أنن) ص ٨٩ نقل أقوال الأئمة في تفسير (مئنة)، من قوله ﷺ: «إنّ قصر الخطبة، وطول الصلاة مئنة من فقه الرجل» ثم أحال على كتابه «المفهم لصحيح مسلم» مشيرًا إلى أنّه قد بسط القول في تفسير هذه اللفظة هناك، ثم جاء بما يراه من التفسير لهذه اللفظة في هذا الموضع مصدرًا رأيه بقوله: ووجه الكلام أنْ يقال …
وكان أبو الحسن ﵀ يجتهد في إيراد ألفاظ الأئمةِ بألفاظها في الغالب مصرحًا بأسماء قائليها تارةً، وتارةً يقولُ: وقيل أو قال بعضهم. ثمّ يستدرك على أقوالهم ما يراه من معانٍ زائدةٍ، أو فوائد جديرة بالتسجيل والاهتمام. وفي بعض المواضع، يزيد على ما قالوه ما يحتمله المعنى من أوجهٍ أخرى.
جاء في تفسير مادة (الو) في رواية: «من صام الدّهر فلا صام ولا آل» على وزن عال.
قال إسحاق بن راهويه: قَالَ جَرِيرٌ، (وهو الرّاويّ). معناه: ولا رجع إلى ما أمر به أو لا رجع إلى ثواب الطاعة. والله أعلم.
وعلى هذا تكون الكلمة من الهمزة مع الواو لا من هذا الفصل.
[ ١ / ٧٤ ]
وغالبًا ما يصدر رأيه بقوله: قلت أو يحتمل. ولم يكن أبو الحسن يطنب في ذكر اللغات ولا يذكر أسانيد الأحاديث ولا راوي الحديث في كثير من المواضع، ولم يكن يستشهد بالأبيات إلّا ما كان اللفظ المقصود تفسيره في البيت المذكور، أما أن يذكر البيت كشاهد على ما يفسره فذلك ما لم يكن يفعله.
وقد علل سبب اتخاذ هذا المنهج في مقدمته فقال: «وابتدأت بالهمزة في ابتداء الكلمة مع سائر الحروف، ثم بالباء مع سائر الحروف، إلى آخر الثمانية والعشرين.
وحذفت الأسانيد والتطويلات، والاستشهاد بالأبيات، والإمعان في إطراف الكلام من الحكايات، والإطناب في اللغات مما يطوّل حجم الكتاب، ويخرج عن المقصود المطلوب في الباب».
وأبو الحسن كغيره ممن سبقه في التأليف في هذا الفن، يطلق الحديث على المرفوع والموقوف والخبر والأثر عن الصحابي فمن بعده، وتفسير القرآن المروي عن الصحابة والتابعين وغيرهم من ذوي الرسوخ في التأويل.
ومن المعالم البارزة في منهجه أنه كان أحيانًا يدخل التفسير في داخل نص الحديث، والشواهد على ذلك كثيرة، أذكر منها ما جاء في مادة (أرث). في قول أسلم مولى عمر ﵁ «خرجت معه حتى إذا كنّا بحرّة واقم (موضع بالمدينة) فإذا نار تؤرث بصرار» حيث أدخل تفسير (حرة واقم) في ثنايا نَصّ الأثرِ.
[ ١ / ٧٥ ]
وفي مادة (أسن) في قول العباس: «إن رسول الله ﷺ لم يمت حتى ترككم على طريق ناهجة …». فسر معنى ناهجة في ثنايا النّصّ، فقال (أي: واضحة بينه).
وفي أسي: أدرج تفسيره قوله: «فإذا حال بينه وبينه ما هو أولى». في داخل نص الحديث فقال: «يعني الموت»، ثم أتمّ نصّ الحديث.
وفي مادة (أطم) في نص قول صفية بنت عبد المطلب: «فأطل علينا يهوديّ» فسّر معنى أطلّ في ثنايا النّصّ فقال: «أي: أشرف»، ثمّ أتمّ نصّ الحديث.
ويبدو هذا المعلم واضحًا جليًا في مادة (أنف) في حديث أبي بكر لعبد الرحمن بن عوف ﵄، في مرضه حيث عرضه المؤلف بهذه الصورة «فقال أبو بكر: وأشد علي من وجعي أنّي قد ولّيت عليكم، خيركم في نفسي فكلكم ورم أنفه أن يكون له الأمر دونه (أي: امتلأ غيضًا من ذلك؛ لأنّ من اغتاظ، امتلأ أنفه حتى لا يمكنه أن يتنفّس ويتكلّم). ثم قال أبو بكر: والله لتتخذن نضائد الديباج (وهو ما ينضد من الوسائد والفرش. الواحدة نضيدة، والنضد: متاع البيت الذي ينضد بعضه فوق بعض».
ثم قال: ولتألمن النوم على الصوف الأذَرِيّ (وهو منسوب إلى أذربيجان) كما يألم أحدكم النوم على حسك السعدان. (أراد من التنعم) ثم قال: والله لأن يقدم أحدكم فتضرب رقبته في غير حد خير له من أن يخوض غمرات الدنيا …».
[ ١ / ٧٦ ]
ومثل ذلك ما جاء في مادة (بحن) من إدخال تفسير لفظه (بحنانه) قبل تمام نصّ الحديث.