"هذا الكتاب فريد في بابه، عظيم الفائدة لمطالعه، مدحه العلماء بالمنظوم والمنثور، وأفاد منه المشارقة والمغاربة.
فقد أثنى عليه الحافظ ابن الصلاح، واعتمد عليه في كثير من مباحثه في مقدمة علوم الحديث، وأكثر ذلك ما وقع في النوع الثالث والخمسين (معرفة المؤتلف والمختلف من الأسماء والأنساب وما يلتحق بها) فقد قال في نهايته: وأنا في بعضها مقلد كتاب القاضي عياض.
وقد أفاد منه ابن حجر في فتح الباري في شرح الغريب وضبط الأسماء والكنى والأنساب.
وقال فيه ابن فرحون: "وكتاب مشارق الأنوار في تفسير غريب الموطأ والبخاري ومسلم، وضبط الألفاظ، والتنبيه على مواضع الأوهام والتصحيفات، وضبط أسماء الرجال، وهو كتاب لو كتب بالذهب، أو وزن بالجوهر، لكان قليلًا في حقه" (^١).
وقال صاحب الرسالة المستطرفة بعد أن استعرض كتب غريب الحديث:
"وكتاب مشارق الأنوار على صحاح الآثار، للقاضي أبي الفضل عياض، جمع فيه بين ضبط الألفاظ، واختلاف الروايات، وبيان المعنى، وخصه بالموطأ والصحيحين، وهو كتاب لو وزن بالجوهر أو كتب بالذهب كان قليلًا فيه" (^٢).
وذكره حاجي خليفة في كشف الظنون، وقال - بعد شرح موضوعه -: وهو كتاب مفيد جدًا.
_________________
(١) القاضي عياض للدكتور الحسين بن محمد شواط ص (٢٢٣).
(٢) الرسالة المستطرفة للكتاني ص (١٥٧).
[ ١ / ١٣ ]
وما من شكَّ في أن أثر هذا الكتاب يتجلى واضحًا في مقدمة فتح الباري للإمام ابن حجر، وذلك في ثلاثة فصول منها، وهي في مجموعها أكثر من نصف الكتاب، وهي الفصل الخامس: (في سياق الألفاظ الغريبة مرتبة على حروف المعجم) والفصل السادس (في بيان المؤتلف والمختلف من الأسماء والكنى) والفصل السابع (في تبيين الأسماء) على اختلاف أقسامه.
والكتاب بعد هذا، يبين مقدار الجهد الذي بذل في حفظ السنة، حيث يُقام عمل موسوعي مقارن بين المرويات عن الأئمة، لضبط كلمة، أو بيان حرف، أو التنبيه على وهم أو تصحيف ..
وهو جهد لا يستطيع تقديره إلا العاملون في هذا الميدان، وبخاصة إذا تذكرنا أن التعامل يومئذٍ كان مع كتب مخطوطة، والخطوط متفاوتة بين جيد ووسط وردئ.
ولهذا كان من حق المؤلف ﵀ وقد عرف قيمة ما قدم أن يتحدث عن كتابه مثنيًا عليه ومفتخرًا به فيقول: " .. وصنفته منتقي النكت من خيار الخيار، وأودعته غرائب الودائع والأسرار، وأطلعته شمسًا يشرق شعاعها في سائر الأقطار، وحررته تحريرًا تحار فيه العقول والأفكار، وقربته تقريبًا تتقلب فيه القلوب والأبصار، وسميته بمشارق الأنوار على صحاح الآثار .. " (^١).
وإذا كان المؤلف قد جعل من كتابه شمسًا يشرق شعاعها في سائر الأقطار، فإن "ابن الصلاح" يعجب للإشراق أن يصدر من الغرب فيقول:
مشارق أنوار تَسَنَّتْ بِسَبْتَة … وذا عجب كون المشارق بالغرب
_________________
(١) آخر مقدمة المؤلف.
[ ١ / ١٤ ]