هو عياض بن موسى بن عياض بن عياض، القاضي أبو الفضل اليحصبي البستي، المراكشي (بضم الميم وكسر الكاف وتشديد الراء). الإمام العلامة. سبتي الدار والميلاد، أندلسي الأصل.
ولد بسبتة، في شهر شعبان سنة ٤٧٦ هـ.
قال ولده محمد: كان أجدادنا في القديم بالأندلس ثم انتقلوا إلى مدينة فاس، وكان لهم استمرار بالقيروان، لا أدري قبل حلولهم الأندلس أو بعد ذلك.
كان القاضي أبو الفضل إمامَ وقته في الحديث وعلومه، عالمًا بالتفسير وجميع علومه، فقيهًا أصوليًا، عالمًا بالنحو واللغة، وكلام العرب، وأيامهم وأنسابهم، بصيرًا بالأحكام، عاقدًا للشروط، حافظًا لمذهب مالك، شاعرًا مجيدًا، ريانًا من علم الأدب، خطيبًا بليغًا، صبورًا حليمًا، جميلَ العشرة، جوادًا، سمحًا، كثير الصدقة، دؤوبًا على العمل، صلبًا في الحق.
رحل إلى الأندلس سنة سبع وخمسمائة طالبًا للعلم، فأخذ بقرطبة عن القاضي أبي عبد الله محمد بن علي بن حمدين، وأبي الحسين بن سراج، وعن أبي محمد بن عتاب، وغيرهم.
وعني بلقاء الشيوخ والأخذ عنهم، وأخذ عن أبي عبد الله المازَري، كتب إليه يجيزه، وأجازه الشيخ أبو بكر الطرطوشي، ومن شيوخه القاضي أبو الوليد ابن رشد.
قال صاحب "الصلة" البشكوالية: وأظنه سمع من ابن رشد، وقد اجتمع له من الشيوخ بين من سمع منه وبين من أجازه مائة شيخ، وذكر ولده محمد منهم: أحمد بن محمد بن مكحول، وأبو الطاهر أحمد بن محمد السِّلفيّ، والحسن بن محمد بن سُكرة، والقاضي أبو بكر بن العربي، والحسن بن علي بن طريف، وخلف بن إبراهيم بن
_________________
(١) انظر ترجمته في: طبقات المفسرين للداوودي ٢/ ١٨ - ٢١، إنباه الرواة ٢/ ٣٦٣، البداية والنهاية ١٢/ ٢٤٧ - ٢٤٩، تاج العروس (حصب)، تاريخ الإسلام للذهبي (وفيات سنة ٥٤٤)، تهذيب الأسماء واللغات ١/ ٤٣، الرسالة المستطرفة ١٠٦، روضات الجنات ٥٠٦، شذرات الذهب ٤/ ١٣٨، النجوم الزاهرة ٥/ ٢٨٥، وفيات الأعيان ٣/ ١٥٢، معجم المؤلفين ٨/ ١٦ - ١٧، كشف الظنون ٢/ ١٦٨٧، ٥/ ٨٠٥، الوافي بالوفيات ٣/ ٥٩٦ - ٥٩٧، مفتاح السعادة ٢/ ١٩.
[ ١ / ٦ ]
النحاس، ومحمد بن أحمد بن الحاج القرطبي، وعبد الله بن محمد الخشني، وعبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي، وعبد الرحمن بن بقي بن مخلد، وعبد الرحمن بن محمد بن العجوز، وغيرهم يطول ذكرهم.
قال صاحب "الصلة": وجمع من الحديث كثيرًا، وله عناية كبيرة به، واهتمام بجمعه وتقييده، وهو من أهل التفنن في العلم، واليقظة والفهم.
وبعد عوده من الأندلس أجلسه أهل سبتة للمناظرة عليه في "المدوّنة" وهو ابن ثلاثين سنة أو ينيف عنها، ثم أجلس للشورى، ثم ولي قضاء بلده مدة طويلة، حمدت سيرته فيها، ثم نقل إلى قضاء غرناطة في سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة، ولم يطل أمده بها، ثم قضاء سَبتة ثانيًا.
قال صاحب "الصلة" وقدم علينا قرطبة فأخذنا عنه بعض ما عنده.
قال ابن الخطيب: وبنى الزيادة الغربية في الجامع الأعظم، وبنى في جبل المينا الراتبة الشهيرة، وعظم صيته.
ولما ظهر أمر الموحدين بادر إلى المسابقة بالدخول في طاعتهم، ورحل إلى لقاء أميرهم بمدينة سَلا، فأجزل صلته، وأوجب بره، إلى أن اضطربت أمور الموحدين عام ثلاث وأربعين وخمسمائة، فتلاشت حاله ولحق بمراكش مشردًا به عن وطنه فكانت بها وفاته.
وله التصانيف المفيدة البديعة منها "إكمال المعلم في شرح مسلم" ومنها "الشفا بتعريف حقوق المصطفى" ﷺ أبدع فيه كل الإبداع، وسلم له أكفاؤه كفايته فيه ولم ينازعه أحد الانفراد به ولا أنكروا مزيّة السبق إليه بل تشوفوا للوقوف عليه وأنصفوا في الاستفادة منه وحمله الناس عنه وطارت نسخه شرقًا وغربًا، وكتاب "مشارق الأنوار" في تفسير غريب حديث الموطأ، والبخاري، ومسلم، وضبط الألفاظ، والتنبيه على مواضع الأوهام والتصحيفات، وضبط أسماء الرجال، وهو كتاب لو كتب بالذهب، أو وزن بالجوهر لكان قليلًا في حقه، وفيه أنشد بعضهم:
مشارق أنوار تبدّت بسَبْتَة … ومن عجب كون المشارق بالغرب
وكتاب "التنبيهات المستنبطة على الكتب المدونة" جمع فيه غرائب من ضبط الألفاظ وتحرير المسائل، وكتاب "ترتيب المدارك وتقريب المسالك" لمعرفة أعلام مذهب مالك ﵀ وكتاب "الإعلام بحدود قواعد الإسلام" وكتاب "الإلماع في ضبط الرواية وتقييد السماع" وكتاب "بغية الرائد لما تضمنه حديث أم زرع من الفوائد"، وكتاب "الغنية" في شيوخه، وكتاب المعجم في شيوخ ابن سكرة، وكتاب "نظم البرهان على صحة جزم
[ ١ / ٧ ]
الآذان" وكتاب "مسألة الأهل المشروط بينهم التزاور"، ومما لم يكمله "المقاصد الحسان فيما يلزم الإنسان"، وكتاب "العيون الستة في أحبار سَبْتة"، وكتاب "غنية الكاتب وبغية الطالب في الصدور والترسل"، وكتاب "الأجوبة المحبرة عن الأسئلة المتخيرة"، وكتاب "أجوبة القرطبيين" وكتاب "أجوبته عما نزل في أيام قضائه من نوازل الأحكام" في سفر، وكتاب "سر السراة في أدب القضاة"، وكتاب "خطب"، وكان لا يخطب إلّا من إنشائه.
وذكر له حاجي خليفة في كشف الظنون ٥/ ٨٠٥ المؤلفات التالية:
١ - الأجوبة المخيرة عن الأسئلة المحيرة.
٢ - أخبار القرطبيين.
٣ - الإعلام في حدود الأحكام.
٤ - إكمال المعلم شرح صحيح مسلم.
٥ - الإلماع في ضبط الرواية وتقييد السماع.
٦ - بغية الرائد لما تضمنه حديث أم زرع من الفوائد.
٧ - ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة مذهب الإمام مالك.
٨ - التنبيهات المستنبطة في شرح مشكلات المدونة والمختلطة. في الفروع.
٩ - جامع التاريخ.
١٠ - السيف المسلول على من سب أصحاب الرسول ﷺ.
١١ - الشفا بتعريف حقوق المصطفى ﷺ.
١٢ - الصفا بتحرير الشفا.
١٣ - العيون الستة في أخبار سبتة.
١٤ - غريب الشهاب.
١٥ - غنية في أسماء الشيوخ.
١٦ - غنية الكاتب وبغية الطالب.
١٧ - القواعد.
١٨ - كتاب العقيدة.
١٩ - مشارق الأنوار في اقتفاء صحيح الآثار: الموطأ والصحيحين في الحديث.
[ ١ / ٨ ]
٢٠ - مشارق الأنوار في تفسير غريب الحديث.
٢١ - مطامح الأفهام في شرح الأحكام.
٢٢ - نظم البرهان على صحة جزم الأذان.
وله شعر كثير حسن رائق فائق فمنه قوله:
يا من تحمل عني غير مكترث … لكنه للضَنَى والسقم أوصى بي
تركتني مستهام القلب ذا حُرق … أخا جوى وتباريح وأوصابي
أراقب النجم في جنح الدجى سحرًا … كأنني راصد للنجم أوصابي
وما وجدت لذيذ النوم بعدكم … إلّا جنى حنظل في الطعم أوْصَابِ
وله:
الله يعلم أني منذ لم أركم … كطائر خانه ريش الجناحين
فلو قدرت ركبت الريح نحوكم … فإن بعدَكُم عني جنى حَيْنِي
وله من أبيات:
إن البخيل بلحظة أو لفظةٍ … أو عطفةٍ أو وقفةٍ لبخيل
وله في خامات زرع بينها شقائق النعمان هبت عليه الريح:
انظر إلى الزرع وخاماته … تحكي وقد ماست أمام الرياح
كتيبة خضراء مهزومة … شقائق النعمان فيها جراحْ
وله غير ذلك كثير.
كان مولد القاضي عياض بسَبْتة في شهر شعبان سنة ست وسبعين وأربعمائة، وتوفي بمراكش في شهر جمادى الآخرة وقيل في رمضان سنة أربع وأربعين وخمسمائة، وقيل: إنه مات مسمومًا سمه يهودي، ودفن ﵀ بباب إبلان داخل المدينة.
وعياض بكسر العين المهملة وفتح الياء المثناة من تحت وبعد الألف ضاد معجمة.
واليحصبي بفتح الياء المثناة من تحت وسكون الحاء المهملة وضم الصاد المهملة وفتحها وكسرها وبعدها ياء موحدة، نسبة إلى يحصب بن مالك، قبيلة من حمير.
وسبتة: بفتح السين مدينة مشهورة.
وغَرْناطة: مدينة بالأندلس، وهي بفتح الغين المعجمة وسكون الراء المهملة وبعد الألف طاء مهملة ثم هاء، ويقال فيها أغرناطة، بألف قبل الغين.
[ ١ / ٩ ]