اعلم أن هذه الصيغة جاءت في كتاب الله وحديث رسوله وأصحابه وكلام العرب
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٣١٤.
(٢) أخرجه مسلم في الحيض حديث ٣٤.
(٣) أخرجه البخاري في البيوع باب ٣٢، والمناقب باب ٢٥.
(٤) أخرجه البخاري في العلم باب ٤٤، وتفسير سورة ١٨، باب ٢، ٣ - ٤، ومسلم في الفضائل حديث ١٧٠.
(٥) أخرجه مسلم في المساجد حديث ١١٧، ١١٨.
(٦) أخرجه مسلم في الإيمان حديث ٢٩١.
(٧) أخرجه البخاري في مناقب الأنصار باب ٢٤.
[ ١ / ٦٨ ]
وأشعارهم بألفاظ مختلفة ولمعان كثيرة، فإنَّ بالكسر والتشديد حرف تأكيد، ويكون بمعنى نعم، وبفتح الألف مشددة للتأكيد أيضًا وهو أعمّ من المكسورة، وإنما تكسر لخمس قرائن: إذا جاءت مبتدأة، أو بعد القول أو الحكاية، أو كان في خبرها لام التأكيد، أو إذا وقعت بعد الاسم الموصول، أو بعد القسم وقد فتحها بعضهم هنا، وأصله كله أن يأتي ما بعدها مبتدأ أو في معناه، وتأتي أَنَّ أيضًا المفتوحة المشددة بمعنى لعل، وإذا كانت مكسورة الهمزة مخففة كانت جحدًا بمعنى ما، وتكون زائدة بعد ما النافية، وبمعنى الذي ومخففة من الثقيلة فترفع ما بعدها، ومن العرب من ينصب بها وتكون شرطًا. وأَنْ مفتوحة مخففة تكون بمعنى أي، وتنصب الفعل بعدها وتكون معه اسمًا، وتكون زائدة بعد لما، وتأتي بمعنى مِنْ أَجْلِ.
قوله: حتى يظل الرجل إنْ يدري كم صلى. كذا لجمهور الرواة والأشياخ بكسر الألف، وهو الصواب ومعناها هنا: ما يدري، وضبطه الأصيلي بالفتح وابن عبد البر وقال: هي رواية أكثرهم قال: ومعناها لا يدري، وليس بشيء وهو مفسد للمعنى لأن إِنْ هنا المكسورة بمعنى ما النافية، والجملة في موضع خبر يَضِلَّ. وفي رواية ابن بكير والتنيسي: لا يدري مفسرًا وكذا ذكره البخاري في حديث التنيسي، وكذا لرواة مسلم في حديث قتيبة، وعند العذري هنا: ما يدري وكله بمعنى، وبالفتح إما أن تكون مع فعلها بمعنى اسم الفعل وهو المصدر ولا يصح هنا، أو بمعنى مِنْ أَجْل ولا يصح هنا أيضًا، بل كلاهما يقلب المعنى المراد بالحديث، وهذا على الرواية الصحيحة: يظل. بالظاء المفتوحة بمعنى يصير، وأما على رواية من رواه: يضل. بالضاد أي ينسى ويسهو ويتحير فيصح فتح الهمزة فيها بتأويل المصدر، ومفعول ضل أي يجهل درايته وينسى عدد ركعاته، وبكسر الهمزة على ما تقدم. وقوله: فهل لها أجرٌ إنْ تصدقتُ عنها. بكسر الهمزة، وهو الوجه على الشرط لأنه يسأل بعد عن مسألة لم يفعلها بدليل سياق الحديث ومقدمته، فلا يصح إلا ما قلناه، ولو كان سؤاله بعد أن تصدق لم يصح إلا النصب بمعنى مِنْ أَجْلِ صدقتي عنها، لكنه لم يكن كذلك. وفي الموطأ: فهل ينفعها أَنْ أتصدق عنها (^١). وهذا بيّن في الاستقبال.
وقوله: يرثى له رسول الله ﷺ أنْ مات بمكة (^٢)، بالفتح بمعنى مِنْ أَجْلِ، لا يصح إلا النصب وليس بشرط لأنه كان قد انقضى أمره وتم.
وقول عمر: زعم قومك أنه سيقتلوني إِنْ أسلمت (^٣): بالفتح والكسر، والفتح هنا أوجه أي مِنْ أَجْلِ إِسلامي، وقد كان أسلم حين قالها، ويصح الكسر للشرط على حكاية قولهم قبل إسلامه.
وقوله: في الوفاة: حتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها أَنَّ رسول الله ﷺ مات (^٤): بالفتح وتثقيل النون والجملة بدل من الهاء في
_________________
(١) أخرجه مالك في الأقضية حديث ٥٢.
(٢) أخرجه البخاري في الجنائز باب ٣٦، ومناقب الأنصار باب ٤٩، والمغازي باب ٧٧، ومسلم في الوصية حديث ٥، ومالك في الوصية حديث ٤.
(٣) أخرجه البخاري في مناقب الأنصار باب ٣٥.
(٤) أخرجه البخاري في بدء الخلق باب ٧، ومسلم في الإيمان حديث ٢٥٦.
[ ١ / ٦٩ ]
تلاها، وفي رواية ابن السكن: فعلمت أَنَّ رسول الله ﷺ مات وهو بيّن.
وقول الأنصاري: أَنْ كان ابن عمتك (^١)، بفتح الهمزة والتخفيف، أي مِنْ أَجْلِ هذا حكمتَ له عليَّ.
قوله: في باب إذا انفلتت الدابة في الصلاة: إني أَنْ كنت أَنْ ارجع مع دابتي أحب إليَّ (^٢) بفتح همزة أَنْ في الحرفين، وأَنْ أولا مع كنت موضع المصدر بمعنى كوني وموضع البدل من الضمير في إني، وكذلك أَنْ أرجع بتقدير رجوعي أيضًا، ولا يصح الكسر فيهما في هذا الحديث.
وقوله: نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بَيْدَ أَنَّ كل أمة أوتوا الكتاب من قبلنا (^٣). كذا ضبطناه بفتح الهمزة ولا يصح غيره، لكن على رواية الفارسي: بأيد، يجب أن يكون أنهم بعد ذلك بهمزة مكسورة على كل حال ابتداء كلام والأول أشهر وأظهر، أي نحن السابقون يوم القيامة بالفضيلة والمنزلة ودخول الجنة والآخرون في الوجود في الدنيا بَيْدَ أَنَّهم أوتوا الكتاب من قبلنا، أي على أنهم أوتوا. وقيل: معناه غير، وقيل: إِلا، وكلٌ بمعنى، وعلى الرواية: آخرين. يكون معناه إن صحت ولم يكن وهمًا والوهم بها أشبه: أي نحن السابقون وإنْ كنا آخرين في الوجود بقوة أعطاناها الله وفضلنا بها لقبول ما آتانا والتزام طاعته، والأيد القوة ثم استأنف الكلام بتفسير هذه الجملة فقال: إن كل أمة أوتيت الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، فاختلفوا فهدانا الله لما اختلفوا فيه بتلك القوة التي قوانا لهدايته وقبول أمره.
وقوله: إنك إنْ تذر وَرَثَتَكَ أغنياء (^٤) بالوجهين الكسر على الشرط والفتح على تأويل المصدر وتركهم أغنياء، وأكثر رواياتنا فيه الفتح، وقال ابن مكي في كتاب تقويم اللسان، لا يجوز هنا إلا الفتح وفي الحديث نفسه إنك أنْ تخلف. بالفتح كذا رواه في الموطأ القعنبي، ورواه ابن القاسم: إنْ بالكسر وذكر بعضهم أنها رواية يحيى بن يحيى والمعروف ليحيى ولغيرهما: لن باللام وكلاهما صحيح المعنى على ما تقدم، فأما قوله فيه: ولعلك أنْ تخلف. فهذا بالفتح ولا يصح غيره.
وقوله: أو أَنَّ جبريل هو الذي أقام لرسول الله ﷺ الصلاة. ضبطناه عن شيوخنا بالوجهين الفتح والكسر. وفي حديث المرأة: ما أدري أَنَّ [هؤلاء] القوم يَدَعونَكم عمدًا (^٥). كذا عند الأصيلي وغيره بفتح الهمزة وتشديد النون ولغيره: أُرَى مكان أدري قيل: أَنَّ هنا بمعنى
_________________
(١) أخرجه البخاري في الصلح باب ١٢، ومسلم في الفضائل حديث ١٢٩.
(٢) أخرجه البخاري في العمل في الصلاة باب ١١.
(٣) أخرجه البخاري في الوضوء باب ٦٨، والجمعة باب ١، ١٢، وأحاديث الأنبياء باب ٥٤، والأيمان باب ١، والديات باب ١٥، والتعبير باب ٤٠، والتوحيد باب ٣٥، ومسلم في الجمعة حديث ١٩، ٢١.
(٤) أخرجه البخاري في الجنائز باب ٣٧، والوصايا باب ٢، ومناقب الأنصار باب ٤٩، والنفقات باب ١، والمرضى باب ١٦، والدعوات باب ٤٣، ومسلم في الوصية حديث ٥، ومالك في الوصية حديث ٤.
(٥) أخرجه البخاري في التيمم باب ٦.
[ ١ / ٧٠ ]
لعل، وقيل ذلك في قوله تعالى ﴿أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩] وقد يكون أَنَّ عندي على وجهها ويكون في موضع المفعول بأدري.
وقوله: لبيك وسعديك أَنَّ الحمد والنعمة لك (^١). رويناه بالوجهين فتح الهمزة وكسرها، قال الخطابي: الفتح رواية العامة، قال ثعلب: من فتح خص ومن كسر عم. قال القاضي ﵀: والأوجه ما قاله وذلك أنه استأنف الإخبار والاعتراف لله بما يجب له من الحمد وماله من نعمة، وإذا فتح فإنما يقتضي أن التلبية له مِنْ أجلِ ذلك، ولا تعلق للتلبية بهذا إلا على بُعْدٍ وتخريج، وهذا معنى ما أشار إليه ثعلب من العموم والخصوص.
وقوله: في البدنة: فعيي بشأنها إنْ هي أبدعت (^٢). ورويناه بالكسر على توقع الشرط، وبالفتح أي مِنْ أجْلِ ذلك وهو وقوفها عليه في الطريق، وسنفسره في الباء ومثله قوله: لعله وجد عليَّ أني أبطأت عليه. بالفتح أي مِنْ أَجْلِ ذلك.
وقوله: لقد أَمَر أَمْرُ ابن أبي كبشة أنه ليخافه ملك بني الأصفر (^٣). كذا ضبطناه بفتح الهمزة، أي مِنْ أَجْلِ ذلك عظم الأَمْر عند أبي سفيان، والكسر هنا صحيح على ابتداء الكلام، أو الإِخبار عما رآه من هرقل لا سيما ولام التأكيد ثابتة في الخبر.
وقوله: فبكى أبو بكر فقلت: ما يبكي هذا الشيخ إنْ يكن الله خيّر عبدًا (^٤). بكسر الهمزة كذا للأصيلي، ولغيره: أنْ يكون الله عبدًا خيّر. قال ابن سراج في رواية الأصيلي صوابها: أن يكون: بفتح الهمزة وحذف الواو طلبًا للتخفيف.
وقوله: في الحج: فقدم عمر فقال: إِنْ نأخذ بكتاب الله فهو التمام، وإنْ نأخذ بسنة النبي ﷺ (^٥)، كذا لأكثرهم مكسور الهمزة وهو الوجه، وفتحهما الأصيلي مرة على تقديرها مع الفعل بالمصدر المبتدأ.
وقوله: أقبلوا البشرى يا أهل اليمن أَنْ لم يقبلها بنو تميم (^٦). بفتح الهمزة كذا جاء في بدء الخلق في حديث ابن غياث في هذه الرواية، أي مِنْ أَجْلِ تركهم لها انصرفت لكم. وفي سائر الأحاديث الأُخَر والأبواب: إذْ لم. وكان عند القابسي هنا: أن لن. وعند النسفي وابن السكن، إذْ لم. كما جاء في سائر المواضع، ورواية القابسي بعيدة.
قوله: في أهل الحجر: لا تدخلوا عليهم أَنْ يصيبكم مثل ما أصابهم (^٧). بالفتح أي مِنْ أَجْلِ أَو خشية ذلك وخوفه.
_________________
(١) أخرجه مسلم في الحج حديث ١٩، ٢٠، ٢١.
(٢) أخرجه مسلم في الحج حديث ٣٧٧.
(٣) أخرجه البخاري في بدء الوحي باب ٦، وتفسير سورة ٣، باب ٤.
(٤) أخرجه البخاري في مناقب الأنصار باب ٤٥، وفضائل الصحابة باب ٣، ومسلم في فضائل الصحابة حديث ٢.
(٥) أخرجه البخاري في الحج باب ٣٢، ١٢٥.
(٦) أخرجه البخاري في بدء الخلق باب ١، ٢.
(٧) أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء باب ١٧، وتفسير سورة ١٥، باب ٢، ومسلم في الزهد حديث ٣٨، ٣٩.
[ ١ / ٧١ ]
وقول أسامة: لا أقول لرجل أنْ كان عليَّ أميرًا إنه خير الناس (^١) بفتح أنْ الأولى مخففة أي مِنْ أَجْلِ.
قوله: في المار بين يدي المصلي: قال زيد بن ثابت: ما باليت إنَّ الرجل لا يقطع صلاة الرجل (^٢). بكسر الهمزة ابتداء كلام، وما باليت جواب ما قبله.
في أيام الجاهلية في حديث القسامة أمرني فلان أنْ أَبلغك رسالة أَنَّ فلانًا قتله. كذا اتقان ضبطه، وهو أوجه هنا من الكسر لتفسير الرسالة وقد يصح الكسر على ابتداء الكلام ويكون المراد التفسير للرسالة أيضًا.
في غزوة أوطاس في حديث الأنصار: وكأنهم وجدوا أَنْ لم يصبهم ما أصاب الناس (^٣)، كذا في بعض الروايات: أَنْ بالنون وتكون هنا مفتوحة بمعنى مِنْ أَجْلِ وعند الجمهور إذْ.
وفي حديث الغار: إنْ كنت تعلم إنما فعلت ذلك ابتغاء وجهك (^٤)، معناه: إنك تعلم فأوقع الكلام موقع التشكيك، ومثله قوله: لئن قدر الله عليَّ ليعذبني (^٥). الصورة صورة الشك هنا أيضًا عند بعضهم، والمراد التحقيق واليقين، وفي هذا الحديث تأويلات تأتي في حرف القاف وفي الضاد، وهذا الباب يسميه أهل النقد والبلاغة: بتجاهل العارف وبمزج الشك باليقين، ومنه قوله تعالى ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤].
وقوله: إنَّ وسادك إذًا العريض إنْ كان الخيط الأبيض والأسود تحت وسادك (^٦). وفي الحديث الآخر: إنْ أبصرت الخيطين. كلاهما بكسر الهمزة شرطية لا يصح الفتح.
وفي تفسير الأنعام: كانوا يسيبونها لطواغيتهم أنْ وصلت إحداهما بالأخرى (^٧). بالفتح بمعنى مِنْ أَجْل وبالكسر للشرط.
وفي إذا لم يشترط السنين في المزارعة: وإنَّ أَعْلَمَهم أخبرني. يعني ابن عباس. كذا لكافتهم وهو الصواب، وعند النسفي: وإني أَعْلَمُهُم خبرًا عن نفسه والأول الوجه.
قوله: وإِنَّا إِنْ شاءَ الله بِكُمْ لاحِقُونَ (^٨). قيل: معناه: إذا شاء الله، لأنه ﵇ على يقين من وفاته على الإيمان، والصواب أنه على وجهه من الشرط والاستثناء ثم معناه مختلف فيه لأجل أنَّ الاستثناء لا يكون في الجواب، فقيل: معناه لاحقون بكم في هذه المقبرة، وقيل: المراد بذلك امتثال قوله تعالى ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ
_________________
(١) أخرجه البخاري في بدء الخلق باب ١٠، ومسلم في الزهد حديث ٥١.
(٢) أخرجه البخاري في الصلاة باب ١٠٢.
(٣) أخرجه البخاري في المغازي باب ٥٥.
(٤) أخرجه البخاري في الحرث باب ١٣، والبيوع باب ٩٨، والإجارة باب ١٢، والأدب باب ٥، ومسلم في الذكر حديث ١٠٠.
(٥) أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء باب ٥٤، والتوحيد باب ٣٥، ومسلم في التوبة حديث ٢٤، ٢٥، ومالك في الجنائز حديث ٥١
(٦) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٢، باب ٢٨، ومسلم في الصيام حديث ٣٣.
(٧) أخرجه البخاري في تفسير سورة ٩، باب ١٣.
(٨) أخرجه مسلم في الجنائز حديث ١٠٣، ١٠٤.
[ ١ / ٧٢ ]
اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤] أي فاعلٌ ذلك غدًا، وهذا على التبري والتفويض وإنْ كان في واجب كقوله تعالى ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الفتح: ٢٧] وهذا واجب من الله، وقيل: الاستثناء في الوفاة على الإيمان والمراد من معه من المؤمنين.