يومَ القيامة»، وهذا بيِّن، والهاء في «إليه» ترجع إلى المَقعدِ أو إلى الله، وروَاه قومٌ عن ابنِ بُكيرٍ: «حتَّى يبعَثَكَ الله» ولم يزد.
فصلٌ: في بيان ما اشتَبه في هذه الكتُبِ من
(إلَّا) و(أَلَّا) و(أَلَا) و(إلى) و(إليَّ)
وتفسيرِ مُشكِل ذلك وما اختُلِف فيه
٥٩ - اّْعلم أنَّ «إلَّا» بكَسرِ الألفِ وتَشديدِ اللَّامِ (حرفُ استثناء) يُخرِج بعضَ ما تضمَّنته الجُملةُ قبلَه منها، وقد تأتي
بمعنى (لكن)، وهو الَّذي يُسمِّيه بعضُهم الاستثناء من غير الجنسِ، وبعضُهم يُسمِّيه الاستثناء المُنقطِع، وبعضُهم الاستِدْراك، وجاءت «إلَّا» بمعنَى «ولا» أيضًا، وبمعنى: «إن لم».
فأمَّا بفتحِ الهَمزةِ والتَّشديد فللتَّوبيخ واللَّومِ، وتأتي للعَرضِ أيضًا، وبمعنى: «هلَّا»، وبمعنى «أن» و«لا» زائدة بعدها.
فأمَّا بتَخفيفِ اللَّام فلاستفتاحِ الكَلامِ، وتأتي للعَرضِ والتَّحضيضِ.
وأمَّا «إلى» فحَرفُ غاية الانتِهاء، وتأتي بمعنى «في»، وبمعنى «مع».
و«إليَّ» هي «إلى» أُضِيفَت إلى ضميرِ المُتكلِّم المُخبِر، وتأتي بمعنى «لي».
فمن ذلك حديثُ ابنِ عمرَ ﵄ وقد أعتَق مملُوكًا ضرَبه: «ما لي فيه مِن الأجرِ ما يُسَاوِي هذا إلَّا أنِّي سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقُولُ» الحديثَ، كذا رَوَيناه بكَسرِ الهَمزةِ حرف الاستِثْناءِ، ووجهُه أن يكون استِثْناءً مُنقَطعًا أو على ما نَذكُره بعدُ، وقال بعضُهم: لعلَّه «أَلَا إنِّي» بفَتحِ الهَمزةِ وتَخفيفِ اللَّام حرفُ الاستِفْتاحِ، وكأنَّ هذا استَبْعَد الاستِشْهاد بهذا على قَولِه: «ما لي فيه مِن أجرٍ»، وعندي أنَّه لا يبعُد ولا تنافُر بين الفَصلَين، أخبَر أنَّه لا أجرَ له في عِتْقه، وأنَّه لم يُعتِقه للأجر مُتطَوِّعًا به، إلَّا للكَفَّارةِ وإزالَةِ الحَرجِ لضَربِه إيَّاه، وتكون «أنِّي» هنا بمعنَى «لكن» فحذَف الخبرَ لدَلالةِ الكَلامِ عليه؛ أي: فأعتَقْتُه ليُكفِّر عنِّي ما فعَلتُ.
وقوله في حَديثِ فَضلِ أبي بكرٍ ﵁: «إلَّا خُلَّةَ الإسْلامِ» [خ¦٣٩٠٤] كذا ضبَطه الأصيليُّ وغيرُه بحَرفِ الاستِثْناء من نَفيِ غيرِها من الخُلَّة، وعند بَعضِهم: «أَلَا» بفَتحِ الهَمزةِ وتَخفيفِ اللَّامِ على الاستفتاح وابتِدَاء الكَلامِ، وكِلاهُما صَحيحٌ، وقولُه في الحديثِ الآخرِ: «لكِنْ أُخُوَّةُ الإسْلامِ» [خ¦٤٦٦]
[ ١ / ١٠٩ ]
يشهَدُ لوَجهِ الاستِثْناء وللاستِفْتاح أيضًا، وحُذِفَ الخبَر من قَولِه: «لكنْ»، ومن رِوايَة الاستِفْتاح أيضًا اختصارًا لدَلالةِ الكَلام عليه؛ أي: لكنْ خُلَّةُ الإسْلامِ ثابِتةٌ أو لازِمةٌ أو باقِيَة وما في مَعناها.
وقوله: «إلَّا آكِلةَ الخَضِرِ» [خ¦١٤٦٥] أكثرُ الرِّواياتِ فيه على الاستِثْناء، وروَاه بعضُهم: «ألا» على الاستِفْتاح أيضًا؛ كأنَّه قال: ألا انظرُوا آكلة الخضر، أو اعتَبِروا في شَأنها، ونحوُه، وسيأتي تَفسيرُها [خ ض ر]، ومرَّ منه [أ ك ل].
وفي خُطبةِ الفَتحِ: «ألَا أيُّ شَهرٍ تَعلَمُونَه أَعظَم حُرْمَةً؟! قالوا: ألَا شَهرُنا» [خ¦٦٧٨٥] بالفَتحِ والتَّخفيفِ فيهما، وكذلك بقِيَّة الحديثِ.
وفي حديث صاحِبَيْ القَبرَينِ من (بابِ الكَبائرِ ألَّا يَستَتِرَ مِن بَولِه): «لعَلَّهُ أن يُخَفَّفَ عنهما ما لم يَيْبَسا أو إلَّا أنْ يَيْبَسا» بحَرفِ الاستِثْناء، كذا لأبي الهيثَمِ والحَمُّوييِّ وإحدَى رِوايَتي الأصيليِّ، ولغَيرِهم: «إلى» [خ¦٢١٦] بحَرفِ الغايةِ، وهو المَعرُوفُ في الحديثِ غيرِه، وبدَليلِ قَولِه في الرِّوايَةِ الأُخرَى: «ما لم يَيْبَسا» [خ¦٢١٦] من غير شَكٍّ.
وفي حَديثِ الثَّلاثةِ: «فَوَالله ما أنعَمَ الله عليَّ مِن نِعْمةٍ قطُّ بعدَ إذ هَدانِي الله للإسْلامِ مِن صِدقِي رَسولَ الله ﷺ أَلَّا أكُونَ كذَبْتُه فأَهلِكَ كما هلَك الَّذينَ كذَبُوا» [خ¦٤٤١٨] كذا هو بفَتحِ الهَمزةِ وتَشديدِ اللَّامِ لكافَّة رُوَاة «الصَّحيحَين» حيث تكرَّر، وعند الأَصيليِّ في (باب حديثِ كعب بنِ مالكٍ): «أَلَّا أنْ أكُونَ كذبْتُه» بزيادَةِ «أنْ»، والصَّوابُ الأوَّل، ومَعناه: أنْ أكون كذَبتُه فأُهلِك، و«لا» هنا زائدة، كما قال تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] أي: أن تَسجُد.
وفي (بابِ الشَّهادةِ عند الحاكمِ) في حَديثِ أبي قتادَةَ: «وقال لي عبدُ الله بنُ صالحٍ: فقامَ النَّبيُّ ﷺ فأدَّاهُ إليَّ» [خ¦٧١٧٠] كذا لأبي ذَرٍّ
[ ١ / ١١٠ ]
والنَّسفيِّ، وعند الأَصيليِّ: «إلى مَن له بيِّنَةٌ»، وكِلاهُما صَحيحٌ.
وفي حَديثِ ابنِ عمرَ ﵄: «إنَّكَ لضَخْمٌ أَلَّا تدَعُني أسْتَقْرِئَ لكَ الحديثَ» كذا رَوَيناه وقيَّدناه عن الأسديِّ بتَشديدِ اللَّام وضَمِّ العين وفَتحِ ما بعدَها؛ أي: إنَّ جفاءَك وغباوَتِك يحمِلانِكَ على العَجلةِ لتَركِكَ اسْتِماعَ حَديثِي وقَطْعِه عليَّ بقولك: ليس عن هذا أسْألُك، فأنتَ ضَخمٌ جَافٍ من أجْلِ فِعلِك هذا، فتكون بمعنى «الَّتي» للَّومِ والعَرضِ، ورواه بعضُهم: «أَلَا» بمَعناها للعَرضِ والتَّحضيضِ، وعند ابنِ الحذَّاء: «لا تدَعُني أستَقْرِئُ» بضَمِّهِما.
وقوله: «إلَّا يَشِفُّ فإنَّه يَصِفُ» بكَسرِ الهَمزةِ؛ أي: إنْ لم يكن لخِفَّته يشِفُّ؛ أي: يُبدِي ما وراءه
ويُظهِرُه فإنَّه يصِفُ ما تحتَه برِقَّته بانْضِمامِه عليه؛ أي: يُظهِرُه كوَصفِ الوَاصفِ لذلك.
وفي (باب مَن مَلَك من العَربِ رَقِيقًا): «حدَّثنا ابنُ عَوْنٍ … كتَبْتُ إلى نافِعٍ فكتَبَ إليَّ» [خ¦٢٥٤١] كذا لأبي ذرٍّ والأَصيليِّ وجُمهُورِهم، ولبَعضِهم: «كتَبَ إليَّ نافِعٌ» على الاخْتِصارِ، والأوَّلُ مَعرُوفٌ، وكذا ذكَره البُخاريُّ في «تاريخه» مُبيَّنًا: «كتبتُ إلى نافِعٍ أسألُه فكتَبَ إليَّ».
وفي الجُلوسِ في الأفنِيَة: «فإنْ أبَيتُم إلَّا المَجْلِسَ» [خ¦٦٢٢٩] كذا هو حيثُ وقَع، وهو الصَّوابُ، وجاء في: (بابِ الجلُوسِ في الأفنِيَة) لسائرِ رُوَاة البُخاريِّ [خ¦٢٤٦٥]: «فإنْ أتَيتُم إلى المَجالِسِ» من الإتيان، وهو تغيِيرٌ، وقد ذكَرناه قبلُ.
وفي حَديثِ موسَى والخَضِر ﵉: «ما نقَصَ عِلْمِي وعِلْمُكَ مِن عِلْمِ الله إلَّا ما نقَصَ هذا العُصْفورُ مِن هذا البَحرِ» [خ¦١٢٢] ذكَر بعضُهم أنَّ «إلَّا» هنا بمعنَى «ولا»؛ أي: ما نقص عِلْمي ولا عِلْمُكَ، ولا ما أخَذ من البَحرِ العُصفُور شيئًا من عِلْم الله؛ أي: أنَّ علم الله لا يَدخُله نَقْص.
وقد قيل في قَولِه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا﴾ [النِّساء: ٩٢] نحوُ هذا، وإنَّما هو عند المُحقِّقين استثناء من غير الجنسِ بمعنَى «لكن» خطأ.
[ ١ / ١١١ ]
قال القاضي ﵀: وهذا غير مُضطر إليه؛ إذ معنَى الحديثِ على لَفظِه، وصِحَّةُ الاستِثْناء على ظاهِرِه صحيح بَيِّنٌ، وأولى ممَّا ذُكِر وأصحُّ، وإنَّما المقَصدُ بالحديثِ التَّمثيلُ لعدَم النَّقص؛ إذ ما نقصَه العُصفورُ من البَحرِ لا يظهَر لرائِيه، فكأنَّه لم يُنقِصْ منه شيئًا، فكذلك هذا من عِلْم الله.
أو يكونُ راجعًا إلى المَعلُومات؛ أي: إنَّ ما عَلِمتُ أنا وأنت من جُملَةِ المَعلُوماتِ لله الَّتي لم يُطَّلَع عليها في التَّقديرِ والتَّمثيلِ للقلَّة والكثرَة كهذه النُّقطةِ من هذا البحرِ.
وذِكْرُ النَّقصِ هنا مجازٌ على كلِّ وجهٍ، ومحالٌ -في عِلْم الله تعالى ومَعلُوماته- في حقِّه، وإنَّما يتقدَّر في حقِّنا، ويدلُّ على هذا قولُه في الرِّواية الأُخرَى: «ما عِلْمِي وعِلْمُكَ وعِلمُ الخلائقِ في عِلمِ الله إلَّا مِقْدارُ ما غمَسَ هذا العُصفورُ مِنقَارَهُ» [خ¦٤٧٢٧].
وكذلك قوله: «لن تمَسَّه النَّارُ إلَّا تحِلَّةَ القَسَمِ» [خ¦٦٦٥٦] محمُولٌ على الاستِثْناء عند الأكثَرِ، وعِبارةٌ عن القِلَّة عند بَعضِهم، على ما نُفسِّره في حَرفِ الحاء [ح ل ل]، وقد يحتَمِل أن تكون «إلَّا» هاهنا بمعنَى: «ولا» على ما تقدَّم؛ أي: ولا مِقدار تحِلَّة القَسمِ.
وفي العَزلِ: «ما علَيكُم ألَّا تَفْعَلوا» [خ¦٢٥٤٢] بفَتحِ الهَمزةِ مُشدَّدة، قال غيرُ واحدٍ: هي إباحَةٌ؛ معناه: اعزلوا؛ أي: لا بأسَ أن تعزلوا، قال المُبرِّدُ: مَعناه لا بأسَ عليكم، و«لا» الثَّانية للطَّرحِ، «وقال الحسَنُ-في كتابِ مُسلمٍ: - كأنَّ هذا زجرٌ»، و«قال ابنُ سِيرينَ: لا عليكم؛ أقربُ إلى النَّهْيِ».
وفي حَديثِ: «مَن وقاه الله شرَّ اثنين ولج الجنَّة» قوله: «لا تُخْبِرْنا يا رسولَ الله» كذا ليحيَى بنِ يحيَى وابنِ القاسمِ وأكثرِ الرُّواةِ على النَّهيِّ، وعند القَعنبيِّ وابنِ بُكيرٍ ومُطرِّف ومَن وافَقَهم من رُوَاة «المُوطَّأ»: «ألَا تُخبِرُنا؟» على معنى العرضِ، والجوابُ محذوفٌ لدَلالةِ الكَلامِ عليه؛ أي: فنَمتَثِلُ ذلك أو نَنتهِي.
وعلى الوجه الأوَّلِ: يحتَمِل ما قيل: إنَّه
[ ١ / ١١٢ ]
كان مُنافقًا، ويحتَمِل أنَّه قال ذلك لئلَّا يتَّكِلوا على ذلك ويترُكُوا ما عداه، كما جاء في حَديثٍ آخر بمعناهُ.
وقيل: يحتَمِل أنَّ قصد القائل لذلك ليتركَهُم لاستنباطه وتَفسيرِه من قِبَل أنفُسِهم على طريقِ اختِبارِ مَعرِفَتهم وقَرائِحِهم، وقال ابنُ حَبيبٍ: خوفَ أنْ يَثقُلَ عليهم-إذا أخبَرَهم- الاحتراسُ منها ورجاءَ أن يوفَّقوا للعَملِ بها من قِبَل أنفُسِهم.
قوله: «كلُّ عَمَلِ ابنِ آدَمَ له إلَّا الصِّيَامَ فإنَّه لي» [خ¦١٩٠٤] قال الطَّحاويُّ: هو استِثْناء مُنقَطِع مَعناه: لكن الصِّيام لي، إذْ ليس بعَملٍ فيُستَثنى من العَملِ المَذكُورِ، وكذلك قال غيرُ واحدٍ: إنَّه ليس بعَملٍ وإنَّما هو من قَبيلِ التُّروكِ وهذا غيرُ سَديدٍ، وهو عملٌ بالحَقيقَةِ من أعمال القُلوبِ، وإمْساكُ الجَوارحِ عما نُهِيَتْ عنه فيه.
وأمَّا قولُه: «فإنَّه لي» قيل: لكَونِه من الأعْمالِ الخفِيَّة الخالِصَة؛ أي: خالصٌ لي لا يدخُله سُمعَة ولا رِياء؛ إذ لا يُطَّلَع عليه غالبًا، بخلافِ غَيرِه من الأعْمالِ.
والأظهرُ في هذا الحَديثِ أنَّه أشار إلى مَعرِفة الأجُور
وأنَّ أجُورَ عمَلِ ابنِ آدمَ له مَعلُومةٌ مُقدَّرة كما قال آخر الحَديثِ: «الحسَنَةُ بعَشْرِ أمثالِها إلى سبعِ مئةٍ إلَّا الصَّومَ» فأجرُه غيرُ مُقدَّرٍ، وإنَّما ذلك إلى الله تعالى يُوَفِّيه بغَيرِ حِسابٍ.
وفي المِنْحةِ: «أَلَا رجُلٌ يَمْنَحُ أهلَ بيتٍ ناقةً» بفَتحِ الهَمزةِ وتخفيفِ اللَّام على استفتاح الكَلامِ، وعند الجُلُوديِّ: «رجُلٌ» بالضَّمِّ.
وفي حَديثِ العَائنِ: «أَلَا بَرَّكْتَ» بالتَّخفيفِ عند شيُوخِنا على العَرضِ والتَّحضيضِ واللَّومِ، ورواه بعضُهم بتَشديدِ اللَّام بمعنى «هلَّا» الَّتي للَّومِ، وقد تأتي للعَرضِ والتَّحضيضِ هنا.
وفي: (بابِ مَن لم يَستَلِم إلَّا الرُّكنَين اليَمانِيَينِ): «فقال له ابنُ عبَّاسٍ: ألَا تَسْتَلِمُ هذَينِ الرُّكْنَينِ» بالتَّخفيفِ، كذا للجُرجانيِّ، ولغَيرِه: «إنَّه لا يُسْتَلمُ» [خ¦١٦٠٨] على الخبَر المَنفيِّ، وهو الوجهُ الصَّحيحُ في التَّفسيرِ.
في حَديثِ زيدٍ وابنِ أُبَيٍّ من رِوَايةِ عُبيدِ الله بنِ موسَى: «ما أرَدْتَ إلَّا أنْ كذَّبَكَ
[ ١ / ١١٣ ]
النَّبيُّ ﷺ» كذا للجُرجانيِّ، ولغَيرِه: «إلى» [خ¦٤٩٠٤] مخفَّفة بمعنَى الغاية، وكِلاهُما صحيحُ المعنَى، وفي غيرِ هذه الرِّواية: «إلى» [خ¦٤٩٠٠] لجَميعِهم، وهو الوَجهُ البيِّن؛ أي: ما أردتَ بنَقلِ ما نقَلْته وجَنيتَه على نَفسِك بذلك إلى أنْ بلَغَك تكذيب النَّبيِّ ﷺ لك، وتكون «إلى» هنا على أظهَرِ مَعانِيها للغايةِ، وقد تكون هنا بمعنى «في»، وهو أحد وجُوهِها؛ أي: صِرتَ في صِفة مَن كذَّبه ومَنزِلَته، كما قال النَّابغةُ:
كأنَّني … إلى النَّاس مَطْلِيٌّ به القارُ أجرَبُ
أي: في النَّاسِ، وعلى الوَجهِ الآخَرِ؛ أي: لم يُجْدِ عليك ما أرَدتَ وفعلتَ إلَّا تكذيبَ النَّبيِّ ﷺ لك، وقد تكون «إلَّا» هنا للاسْتِثناء المُنقطِع من غير جِنْس المُرادِ.
وأمَّا حَديثُ عمرَ وأبي بَكرٍ ﵄ في قِصة بني تميمٍ في تَفسيرِ سُورَة الحُجراتِ: «ما أرَدتَ إلى-أو: إِلَّا- خِلافِي» [خ¦٤٨٤٧] كذا الرِّوَايةُ في البابِ الثَّاني على الشَّكِّ، وهما بمعنَى ما تقدَّم، وعند الأصيليِّ هنا: «إليَّ» بتَشديدِ الياء «أو إِلَّا خِلافي»، وله وجه؛ أي: ما قصَدتَ قَصْدي إلَّا لخِلافي، والله أعلم.
وفي التَّيمُّم: «فقَالُوا: ألَا تَرَى ما صنَعَتْ عائشةُ؟!» [خ¦٣٣٤] كذا لجَميعِهم، وعند الحَمُّوييِّ والمُستَمليْ: «فقَالُوا: لا تَرَى» على حَذفِ ألفِ الاسْتِفهام، أو نقَّص ألفَ الجمعِ من الخَطِّ، فيكون «ألا» كما للجميع.
وقوله: «ما قضَى بهذا علِيٌّ إلَّا أنْ يكونَ ضَلَّ» يصِحُّ أن تكون على بابها وتكون «ضَلَّ» بمعنى نسِيَ ووَهِم، أو تكون على ظاهرها، والمعنَى وهو ممَّن لا يضِلُّ ولا يوصف بذلك، على طريق الإنكار؛ أي: إنَّ هذا لا يفعَلُه إلَّا مَن ضلَّ.
وفي حَديثِ أضياف أبي بَكرٍ ﵁: «ما لَكُم، أَلَا تَقْبَلوا عنَّا قِراكُم؟!» بالتَّخفيف عند أكثرِ الرُّواة على العَرضِ، وعند ابنِ أبي جَعفرٍ من شيُوخِنا: «أَلَّا» بالتَّشديد على اللَّومِ والحضِّ، أو يكون المعنى: ما منَعكُم منه، وأحوجكم إلى ألا تقبَلُوه، ومِثلُه قوله: ﴿مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣٢]، قيل: معناه ما منَعك أن تكون مع السَّاجدِين، و«لا» زائدةٌ، أو: أيُّ شيءٍ جعَل لك ألَّا تكون مع السَّاجدِين.
[ ١ / ١١٤ ]
وقوله في حَديثِ الصَّلاةِ قبل الخُطبةِ في العيدِ في خبَر مَروانَ وأبي سَعيدٍ ﵄: «فقلتُ: أينَ الابتداءُ بالصَّلاةِ؟! فقال: لا يا أبَا سعيدٍ» كذا في كتابي وسَماعي، وفي الحاشِيَةِ: «ألا تَبْدَأ بالصَّلاةِ».
وقوله في كتابِ الاسْتِئذان: «ما أحِبُّ أنَّ لي أُحُدًا ذَهَبًا-ثمَّ قال: - عندي منه دِينارٌ إلَّا أنْ أُرصِدَه لدَينِي» [خ¦٦٢٦٨] كذا للأَصيليِّ هنا، ولغَيرِه: «لا أُرصِدُه»، وهو صَحيحٌ صِفة للدِّينار، وكِلاهُما بمعنًى، وفي غيرِ هذا البابِ: «إلَّا دينارًا أُرصِدُه» [خ¦٢٣٨٨]، وكلُّه بمعنًى.
وفي مَناقِب سَعدٍ ﵁: «ما أسلَمَ أحَدٌ إلَّا في اليومِ الَّذي أسلَمْتُ فيه» [خ¦٣٧٢٧] كذا في جَميعِ النُّسخِ، وسقَطَت «إلَّا» في (بابِ إسْلامِ سَعدٍ) عندهم [خ¦٣٨٥٨]، وقال بعضُهم: صَوابهُ إسقاط «إلَّا»، ولم يقل شيئًا، بل الصَّوابُ إثباتُها؛ أي: لم يُسلِم أحدٌ في يَومِ إسْلامي، بدَليلِ قَولِه: «ولقد مكَثتُ سَبعَةَ أيَّامٍ وإنِّي لَثُلُثُ» [خ¦٣٧٢٧]، ويُروَى: «ثالِث الإسْلامِ».
قوله في فَضائل الأنْصارِ: «ما سُقْتَ إليها؟ قال: وَزْنَ نَواةٍ مِن ذهَبٍ» [خ¦٣٧٨١] كذا للأصيليِّ هنا، وفي (بابِ مُؤاخَاة النَّبي ﷺ بين أصْحابِه)، وكذا للنَّسفيِّ هنا، وهو المَعروفُ في غير هذين
البابَين، وعند الباقين فيهما: «ما سُقْتَ فِيها» [خ¦٣٩٣٧]، وهما بمعنًى، وقد جاءَت «في» بمعنَى «إلى»، وقيل ذلك في قوله تعالى: ﴿فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٩] أي: إلى.
وفي غُرَماء والدِ جابرٍ ﵄ قولُ عمرَ ﵁ حين علِم ببَركةِ النَّبيِّ ﷺ في التَّمر حتَّى قضى غُرماءَه فقال له النَّبيُّ ﷺ: «اسمَعْ يا عمرُ، فقال: أَلَّا نكونَ قد علِمْنا أنَّكَ رسولُ الله ﷺ» [خ¦٢٤٦١] بالفَتحِ والتَّشديدِ؛ أي: إنَّا قد حقَّقنا أمرَك ولا نشُكُّ في برَكَتِك وإجابةِ دَعوَتك فيها إلَّا ألَّا نكون نعلَم أنَّك رسولُ الله، كما قال في الرِّواية الأُخرَى: «قد علِمْتُ حين مشَى فيها رسولُ الله ﷺ أنَّه يُبارَكُ فيها» [خ¦٢٣٩٦].
وفي (بابِ الوَكالة في قَضاءِ الدُّيونِ) في البُخاريِّ: «أَعْطُوهُ سِنًّا مثل سِنِّهِ، قالوا:
[ ١ / ١١٥ ]
يا رسولَ الله؛ لا نجِدُ إلَّا أمثَلَ مِن سِنِّه» [خ¦٢٣٠٦] بالكَسرِ؛ أي: لم نجد إلَّا أمثَلَ وأفضَلَ، فحَذَفوا استخفافًا لدَلالةِ الكَلامِ عليه، أو سقَط الحرفُ عن الرَّاوِي، وقد جاء في غيرِ هذا البابِ تامًّا مُبيَّنًا: «لا نجِدُ إلَّا سِنًّا أفضَلَ من سِنِّه» [خ¦٢٣٩٢].
وقوله في (بابِ ما يُذكَر من المُناوَلةِ): «حَيثُ كتَب لأميرِ السَّرِيَّةِ» [خ¦٣/ ٧ - ١١٦] كذا لهم، وعند الأَصيليِّ: «إلى أميرِ السَّرِيَّةِ»، وهما بمعنًى مُتقاربٍ، و«إلى» تأتي بمعنى «مع»، وهو ﵇ إنَّما كتَب الكتابَ له ومعَه، لم يُرسِله إليه، وليس «إلى» هنا غاية.
وقوله في حديثِ الأئمَّةِ: «أفَلا نُنابِذُهم؟ قال: لا، ما أقَامُوا فيكم الصَّلاةَ» كذا لهم، وعند الطَّبريِّ: «إلَّا» ولا وجه له، ولعلَّه: «ألَا» للاستفتاح؛ أي: ما أقاموها فلا تفعلوا.
وقوله في حَديثِ: «لا تَزالُ طائفَة ظاهِرينَ» فيقولُ: «ألَا إنَّ بعضَهم على بعضٍ أمراءُ» كذا هي مخفَّفةٌ لأكثرِ الرُّواة، وهو الصَّوابُ، على الاستفتاح، وفي كتابِ شَيخِنا القاضي الشَّهيد عن العُذريِّ، فيقولُ: «الآن» بسُكون اللَّامِ، بمعنَى ظَرف زمَن الحالِ، ولا وَجْه له هنا.
وفي حديثِ «لا تتمنَّوا لقاءَ العدُوِّ»: «إنَّ عبدَ الله بنَ أبي أَوْفَى كتَبَ إلى عمرَ بنِ عُبَيدِ الله حينَ سارَ إلى الحَرُورِيَّةِ» كذا لهم، وللعُذريِّ: «إليه»، والأوَّل الصَّوابُ.
وفي حديثِ حُذيفةَ ﵁ في الفِتَن: «إنِّي لأعلَمُ النَّاسِ بكُلِّ فِتنَةٍ … وما بي إلَّا أن يكونَ رسولُ الله ﷺ أسَرَّ إليَّ في ذلك شيئًا لم يحدِّثْه غيري، ولكِنْ رسولُ الله ﷺ قال» كذا الحديثَ، كذا في الأصُولِ كلِّها، قال الوقَّشِيُّ: الوجهُ حَذف «إلَّا»، وبه يَستقِلُّ الكَلامُ.
قال القاضي ﵀: ما قاله هو مَساقُ الحديثِ، وما يدلُّ عليه مُقتضاه؛ أي: ما اختصَّ عِلْم ذلك بي؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أسرَّ جميعَه إليَّ، ولكنْ لِمَا ذكَره من أنَّ النَّبيَّ
[ ١ / ١١٦ ]
ﷺ قال وهو في مجلسٍ فيه غيره فماتوا وبقِي هو وحدَه، ولقَولِه في الحديثِ الآخَر: «نسِيَه مَنْ نَسِيَه».
وقد يُخرَّجُ للرِوايةِ وجهٌ، وهو أن يكون قوله: «وما بي من عُذرٍ» في التَّحدُّث بها والإعلامِ إلَّا ما أسرَّ إليَّ النبيُّ ﷺ من ذلك ممَّا لم يَعلَمه غيري، ولعلَّه حدَّ له أنْ لا يُذِيعَه، أو رأى ذلك من المَصلَحةِ.
وفي البُخاريِّ: «وقال ابنُ عمرَ والحسَنُ فيمَنْ احتجَمَ: ليس عليه إلَّا غَسْلُ مَحاجِمِه» [خ¦٤/ ٣٤ - ٣٠٦] كذا للبَلخيِّ، وسقَط للباقين «إلَّا»، و«إِلَّا غَسْلُ مَحاجِمِه» هو الصَّوابُ، وهو مَذهبُهما المَعرُوفُ عنهما؛ أي: أنَّه لا وُضُوء عليه من الحِجامَة إلَّا غسلُ مواضع المحاجم من الدَّم، وقد رُويَ عنهما أنَّ عليه الوُضُوءَ، وأمَّا إسقاطُ «إلَّا» فوَهمٌ.
في حديثِ الإفْكِ: «فقلتُ: إلامَ تسُبِّينَ ابنَكِ» كذا للمَروزيِّ، وللباقين: «أيْ أُمِّ؛ تسُبِّينَ ابنَكِ؟!» [خ¦٤٧٥٧]، ولكِلَيهِما وجهٌ، الأوَّل «حتَّى مَ»؛ لأنَّها كرَّرتْ سبَّه في الحديثِ مرَّة بعد أُخرَى، أو «فيمَ» كما تقدَّم؛ أي: لأيِّ عِلَّة، وفي أيِّ قِصَّة، والوَجهُ الآخرُ بيِّنٌ، ودعَتْها أُمًّا لسنِّها وكِبَرِهَا، ويحتَمِل أنَّه مُصحَّف من: «إلى مَ»، والله أعلَم.
وقوله: «فجلَستُ إلى الحِلَقِ» معنى «إلى» هنا معنَى «في» كما تقدَّم، وكما جاء في الحديثِ الآخَرِ: «فجَلَستُ في الحِلَقِ» [خ¦٥٠٠٠].
في خبَر زَيدِ بنِ عَمرِو بنِ نُفيلٍ: «فقُدِّمَت إلى النَّبيِّ ﷺ سُفْرَةٌ» [خ¦٣٨٢٦] كذا لكافَّة الرُّواةِ، وعند الجُرجانيِّ: «فقدَّمَ إليه النَّبِيُّ ﷺ سُفرَةً»، والأوَّلُ إن شاء الله الصَّوابُ، ولا يبعُد صِحَّة الثَّاني.
في (باب مَنْ أشَارَ إلى الرُّكنِ في الحجِّ) [خ¦٢٥/ ٦١ - ٢٥٣٩] كذا لهم، وللقابسيِّ: «على»، وهو وهمٌ.
وقوله: «يوشِكُ أهْلُ العِراقِ ألَّا يُجبَى
[ ١ / ١١٧ ]