وقوله: «فإنَّ عليكَ إِثمَ الأَرِيسِيِّينَ» كذا روَاه مُسلمٌ وجلُّ رُوَاة البُخاريِّ [خ¦٧] بفتح الهمزة وكسر الرَّاء مخفَّفة وتَشدِيد الياء بعد السِّين، ورواه المَروَزيُّ مرَّة: «اليَرِيسِيِّينَ»، وهي رِوايةُ النَّسفيِّ، ورواه الجُرجانيُّ مرَّة وبعضُهم مِثلَه إلَّا أنَّه قال: «الأرْيَسيِّين» بسُكون الرَّاء وفَتحِ الياء الأولى، ورواه بعضهم في غير «الصَّحيحين»: «الأَرِيسِين» مخفَّف الياءَين معًا، قال أبو عُبيدٍ: هذا هو المَحفوظُ، فمن قال: «الأَرِيسيِّين» فقالوا في تَفسيرِه: هم أتباعُ عَبدِ الله بِن أَرِيسٍ، رجُلٌ في الزَّمنِ الأوَّلِ، بعَث اللهُ نبيًّا فخالفه هو وأتباعه، وأنكر ابنُ القزَّاز هذا التَّفسيرَ، ورِوايةَ من قال: «الأرْيَسيِّين» بفَتحِ الياء وسُكون الرَّاء.
وقيل: هم الأَرُوسِيُّون، وهم نصارى، أتباعُ
[ ١ / ٩٨ ]
عبدِ الله بنِ أرُوسٍ، وهم الأَرُوسِيَّة مُتمسِّكون بدين عيسى لا يقولون أنَّه ابن.
قال أبو عُبيدٍ الهرويُّ عن ثَعلَبٍ: أَرَسَ يَأْرِسُ صار أَرِيسًا، والجمعُ أَرِيسُون بالفتح والتَّخفيف، وأَرَّسَ يُؤَرِّسُ مِثلُه، وصار إِرِّيْسًا بالكَسر، والجمعُ أُرِّيسُون بضمِّ الهَمزةِ، وهم الأَكَرةُ، وقيل: المُلوكُ الذين يُخالِفون أنبِياءَهم، وقيل: الخَدَمةُ والأَعوان، وقيل: المُتَبَختِرون.
وفي «مُصنَّف ابنِ السَّكَن»: يعني اليَهودَ والنَّصارى فسَّره في الحديثِ، ومعناه: إنَّ عليك إثمَ رَعاياك وأتباعِك ممَّن صدَدتَهُ عن الإسلامِ واتَّبعَك على كُفرِك، كما قال الله تعالى: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٣١]، وكما جاء في بَعضِ طرُقِ هذا الحَديثِ: «وإلَّا فلا تَحُلْ بين الفلَّاحِينَ وبين الإسْلامِ».
قال أبو عُبيدٍ: ليس الفلَّاحون هنا الزَّرَّاعِين خاصَّةً، لكن جميع أهل المَملَكة؛ لأنَّ كلَّ من زرَع هو عند العرب فلَّاح، تولَّى ذلك بنَفسِه أو تُوُلِّيَ له، ويدلُّ على ما قُلناه قوله أيضًا في حديثٍ آخَر: «فإنْ أَبَيْتَ فإنَّه نهدِمُ الكُفور ونقتُل الأرِيسِين، وإنِّي أجعَلُ إثْمَ ذلك في رَقبتِكَ»، «الكُفور» القُرى، واحدُها كَفْرٌ، وهذا المعنى الَّذي تفسِّره الأحاديثُ ويعضُده القُرآن أولى ما قيل فيه.
قوله: «اّْترُكُوا هذَينِ أو اّْركُوا هَذَين» يعني أخِّرُوهما وألزِمُوهما حالهما حتَّى يَصطَلِحا، يقال: أرَّك في عُنقِه كذا؛ أي: ألزَمه إيَّاه، وأَركَيتُ عليه كذا، ألْزَمتُه في عُنقِه، ولفظُ الرِّوايةِ هنا على الوَجهِ الآخَر فيكون من بابِ الواو لا من بابِ الهَمزةِ.
قوله في الذَّبائحِ: «اعْجَل أو أرِن» [خ¦٢٥٠٧] كذا وقَع في رِوايةِ النَّسفيِّ وبَعضِ رُواة البُخاريِّ: «أَرِنْ» بكسر الرَّاء وسُكون النُّون، مثل: أقِمْ، وضبَطه الأَصيليُّ وغيرُه: «أرِنِي» بكَسرِ النُّونِ بعدها ياء، ومِثلُه في كتابِ مُسلمٍ [خ¦٢٥٠٧] إلَّا أنَّ الرَّاءَ ساكِنةٌ، وفي كتابِ
[ ١ / ٩٩ ]
أبي داود: «أَرْنِ» بسُكون الرَّاء ونُون مُطلقة.
واختُلِف في توجيه هذا الحرفِ ومَعناه، فقال الخَطَّابيُّ: صَوابه «ائْرَنْ» على وَزن اعْجَلْ وبمَعناها، وهو من النَّشاطِ؛ أي: خِفَّ واعْجَل لئلَّا تمُوت الذَّبيحة خَنقًا؛ لأنَّ الذَّبحَ إذا كان بغير آلته والشِّفار المَحدُودة خُشِيَ ذلك فيه، قال: وقد يكون «أَرِنْ» على وَزْن أَطِعْ؛ أي: أهلكها ذبحًا، من أَرَانَ القومُ إذا هلكت مَواشِيهم، قال: ويكون «أرْنِ» على وَزْن: «أعْطِ»، بمعنَى أدِمِ الحزَّ ولا تَفتُر، من رَنوْت إذا أدَمت النَّظرَ، قال: ويحتمل أن يكون «أرز» بالزَّاي إن كان رُوِي؛ أي: شدَّ يدك على المحزِّ، ويكون «أرني» بمعنَى «هات»، قال بعضهم: ويكون معنى «أرني» سيلان الدَّم.
قال القاضي ﵀: أفادني بعضُ مَن لقيناه من أهل الاعْتِناء بهذا البابِ أنَّه وقَع على أصلِ اللَّفظةِ وصَحيحِها في كتاب «مسند علي بن عبد العزيز»، وفيه: فقال: «أَرْنَى أو أعْجَل ما أنهَر الدَّم»، كأنَّ الرَّاوي شكَّ في أيِّ اللَّفظَين قال ﷺ منهما، فإنَّ مَقصدَه الذَّبحُ بما يُسرِع القَطْعَ وجَريَ الدَّم وإراحَة الذَّبيحَة ممَّا لا يتردَّ ولا يخنق.
وقوله في البُخاريِّ: «إنَّ بعضَ النخَّاسِينَ يُسمِّي آرِيَّ خُراسانَ وسِجِسْتانَ» [خ¦٣٤/ ١٩ - ٣٢٤٧] بهَمزةٍ مَفتُوحةٍ ممدُودةٍ وراءٍ مَكسُورة وياء مُشدَّدة، كذا صَوابُه، وكذا قيَّده الجُرجانيُّ، ووقَع عند المَروَزيِّ: «أَرَى» بفَتحِ الهَمزةِ والرَّاء، مثل دعا، وليس بشَيءٍ. وهو مَربِطُ الدَّابَّة، وقيل: مَعلفها، قاله الخليلُ، وقال الأصمعيُّ: هو حَبْل يُدفَن في الأرضِ ويُبرَز طرَفه تُشدُّ به الدَّابَّة، وأصلُه من الحَبسِ والإقامةِ، من قولهم: تَأَرَّى الرَّجل بالمَكانِ إذا أقام به، وقال ابنُ السِّكِّيتِ: ممَّا تَضعُه العامَّة غير مَوضِعه قولهم للمَعلف: آري، وإنَّما هو محبسُ الدَّابَّة، وهو الأَواري والأواخي، واحدُها آخي وآري على مثال فاعُول.
ومعنى ما أراد البُخاريُّ: أنَّ النَّخَّاسين كانوا يُسمُّون مَرابط دوَابِّهِم بهذه الأسماء ليُدلِّسوا على المُشتَري بقولهم: كما جاء من خراسانَ وسِجسْتان يعنون مَرابطها، فيَحرِص عليها المُشتري ويظنُّها طريَّة الجلبِ، وأُرَى أنَّه نقَص من الأصلِ بعد «آرِيَّ» لفظ «دَوابِّهم».
في كتابِ الاعْتِصام قوله: «يا معشَرَ يهودَ؛
[ ١ / ١٠٠ ]