ذكَر البُخاريُّ في التَّفسيرِ في قوله: «﴿اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ أَعْطِيا ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] أعْطَيْنا» [خ¦٦٥/ ٤١ - ٧٠٥٨].
قال القاضي: وليس أتى هنا بمعنَى أعطى، وإنَّما هو من الإتيانِ والمَجيءِ والانفعالِ المَوجُود، بدَليلِ الآية نَفسِها، وبهذا فسَّر المفسِّرون، أنَّ مَعناه: جِيئَا بما خلَقتُ فيكما وأظهِراه، ومثلُه مرويٌّ عن ابنِ عبَّاسٍ، وقد رُوِيَ عن سَعيدِ بنِ جُبيرٍ نحو ما ذكَره البُخاريُّ، لكنَّه يُخرَّج على تقريب المعنى: أنَّهما لمَّا أُمِرَتا بإخراج ما بثَّ فيهما من شَمسٍ ونُجومٍ وقَمرٍ وأنهارٍ ونَباتٍ وثَمرٍ كان كالإعطاء، فعبَّر بالإعْطاء عن المَجيء بما أُودِعتاه، والله أعلم.
وقوله في صِفَة نزُول الوَحي: «فلمَّا أُتْلِيَ عنه» بضَمِّ الهمزةِ وتاءٍ باثنتَين فوقَها ساكنةٍ ولامٍ مَكسُورة مثل أُعْطِيَ، كذا قيَّده شيخُنا القاضي أبو عبد الله بنُ عيسى عن الجَيَّانيِّ، وعند الفارِسيِّ مِثلُه إلَّا أنَّه بثاءٍ مُثلَّثةٍ، وعند العُذريِّ من طريقِ شَيخِنا الأسديِّ: «أُثِلَ» بكَسرِ الثَّاء المُثلَّثة مثل ضُرِبَ، وكان عند شَيخِنا القاضي الحافظِ أبي عليٍّ: «أُجْلِيَ» بالجيمِ مثل أُعْطِيَ أيضًا، وعند ابنِ ماهانَ: «انجَلى» بالنُّون، وكذا رواه البُخاريُّ [خ¦١٢٥].
وهاتان الرِّوايَتان لهما وجهٌ؛ أي: انكَشَف عنه وذهب وفُرِّجَ عنه، يقال: انجلى عنه الغمُّ وأجليتُه عنه؛ أي: فرَجتُه فتَفرَّجَ، وأَجْلَوا عن قَتِيلٍ؛ أي: انفرَجُوا عنه وترَكُوه.
[ ١ / ٧٨ ]
وقال بعضُهم لعلَّه: «أوتُلِيَ» أي: قُصِّرَ عنه وأُمسِكَ، من قَولِهم: لم يَأْلُ يَفعَلُ كذا؛ أي: لم يُقصِّر.
وقال بعضُهم لعلَّه: «أُعْلِيَ عنه» تصحَّف منه «انجَلَى» أو «أُجْلِيَ»، وكذا رواه ابنُ أبي خَيثَمةَ؛ أي: نُحِّيَ عنه، كما قال أبو جَهلٍ: «اعْلُ عنِّي» أي: تنَحَّ.
وفي البُخاريِّ في سُورةِ سُبحانَ: «فلمَّا نَزَلَ الوَحْيُ» [خ¦٤٧٢١]، وكذا في مُسلمٍ في حَديثِ سُؤالِ اليَهوديِّ، وهذا وهمٌ بَيِّنٌ؛ لأنَّه إنَّما جاء هذا الفصلُ عند انكشافِ الوَحيِ، وفي البُخاريِّ في كتابِ الاعْتِصام: «فلمَّا صَعِدَ الوَحْيُ» [خ¦٧٢٩٧]، وهذا صحيحٌ من نحو ما تقدَّم أوَّلًا.
في (بابِ الدَّليلِ على أنَّ الخُمُسَ لنوائبِ المُسلمِين) في حديثِ عبد الله بنِ عبدِ الوَهَّاب: «كنَّا عندَ أبِي موسَى فأَتَى ذِكْرَ دَجَاجةٍ» [خ¦٣١٣٣] كذا لأبي ذرٍّ والنَّسفيِّ وبَعضِهم بفَتحِ الهَمزةِ وكَسرِ الذَّال، وعند الأَصيليِّ: «فأُتِيَ-ذَكَرَ- دَجَاجةً» بضمِّ الهمزة على ما لم يسَمَّ فاعلُه و«ذكَر» فِعل ماضٍ، وهذا أشبَه، كما قال في غيرِ هذا البابِ: «فأُتِيَ بلَحمِ دجاجٍ» [خ¦٥٥١٨]، وبدليلِ قَولِه في هذا الحديثِ: «فدَعَاهُ للطَّعامِ» [خ¦٣١٣٣] كأنَّه شكَّ الرَّاوي بما أُتِيَ به، لكنَّه ذكَر أنَّ فيه دجاجَةً.
وقوله في حَديثِ امْرَأةِ أبي أُسَيدٍ في خَبرِ النَّبيذِ: «فلمَّا فرَغَ من الطَّعامِ أتَتْهُ فسَقَتْه» كذا لابنِ الحذَّاء، وللبَاقِين: «أماثَتْه فسَقَتْه» [خ¦٥١٨٢] أي: عَرَكَتْه؛ يعني التَّمرَ المَنقوعَ، وهو الصَّوابُ.
وفي (بابِ الجُلوسِ في أفنِيَة الدُّورِ): «فإذا أتَيتُم إلى المَجالِسِ فأَعطُوا الطَّريقَ حقَّها» كذا عندهم عن البُخاريِّ [خ¦٢٤٦٥] لكافَّة رُواة الفِرَبرِيِّ والنَّسفي بالتَّاء هنا من الإتيان، و«إلى» حرفُ الخفضِ والغَايةِ، وهو وهمٌ، والصَّوابُ ما جاء في كتاب الاستئذان وغَيرِ هذا المَوضعِ: «فإن أَبَيْتُمْ إلَّا» [خ¦٦٢٢٩] بالباء بواحدَةٍ و«إلَّا» حرف استثناء.
قوله: «كنَّا نَمُرُّ على هِشامِ بنِ عامرٍ فنَأْتي عِمْرانَ بنَ الحُصَينِ، فقَال لنا ذاتَ يَومٍ» كذا لهم، وعند السَّمرقَنديِّ: «فأتى عِمرانُ» وهو وهمٌ، والأوَّلُ الصَّوابُ بدَليلِ قوله بعدُ: «إنَّكم لتجاوِزُونني إلى رجالٍ …» الحديثَ، وقائل هذا هو هشامٌ للَّذِين كانوا يَمُرُّون عليه
[ ١ / ٧٩ ]