ثمَّ كلَّت بعدَهم الهِمَم، وفتَرت الرَّغائبُ، وضعُف المَطلُوبُ والطَّالبُ، وقلَّ القائمُ مَقامَهم في المَشارِق والمَغاربِ، وكان جُهْدُ المُبرَّز في حملِ عِلْم السُّنن والآثارِ نَقْلَ ما أثبَت في كتابه، وأداءَ ما قيَّده فيه دون مَعرفةٍ لخطئه من صَوابه، إلَّا آحادًا من مَهرةِ العُلماءِ، وجَهابذَة الفُهماءِ، وأفرادًا كدَرارِيِّ نُجومِ السَّماءِ، ولعَمرُ الله! إنَّ هذه بعدُ لَخُطَّةٌ أعطى صاحبُ الشَّريعةِ للمُتَّصف بها من الشَّرفِ والأجر قِسطَه، إذا وفَّى عملَه شرطَه، وأتقَن وعيَه وضبطَه، فقال ﵇ في الحديثِ الصَّحيحِ: «نَضَّر الله امرَأً سمِعَ مقالَتي فوَعَاها، فأدَّاها كما سمِعَها، فرُبَّ حامِلِ فقهٍ ليس بفقيهٍ، ورُبَّ حامِلِ فقهٍ إلى مَن هو أفْقَهُ منه».
وقد كان فيمَن تقدَّم مَن هو بهذه السَّبيلِ منَ الاقتصار على أداء ما سمِع وروَى، وتبليغ ما ضبَط ووعَى، دون التَّكلُّم فيما لم يُحِط به علمًا، أو التَّسوُّر على تبديل لفظٍ أو تأويل معنًى، وهي رُتبَةُ أكثر الرُّواة والمَشايخِ، وأمَّا الإتقانُ والمَعرفةُ ففي الأعلامِ والأئمَّةِ، لكنَّهم كانوا فيما تقدَّم كَثرَةً وجملَة.
وتسَاهَل النَّاسُ بعدُ في الأخذِ والأداءِ حتَّى أوْسَعوه اختلالًا، ولم يألوه خَبالًا، فتجِدُ الشَّيخَ المَسموعَ بشأنه وثَنائِه، المتكلَّفَ شاقَّ الرِّحلة للقائه، تنتظِم به المَحافل، ويتناوبُ الأخذَ عنه ما بين عالمٍ وجاهلٍ، وحضورُه كعَدَمِه؛ إذ لا يحفَظ حديثَه، ويُتقِن أداءَه وتحمُّله، ولا يُمسِك أصلَه فيعرِف خطَأه وخَللَه، بل يمسِكُ كتابَه سِواه، ممَّن لعلَّه لا يُوثَق بما يقوله ولا ما يراه، وربَّما كان مع الشَّيخِ مَن يتحدَّث معه، أو غدا مُستَثقِلًا نومًا، أو مفكِّرًا في شؤُونه حتَّى لا يعقل ما سَمِعه، ولعلَّ الكتابَ المقرُوءَ عليه لم يَقرَأه قطُّ، ولا علِم ما فيه إلَّا في نوبته تلك، وإنَّما وَجَد سماعه عليه في حال صِغَره بخطِّ أبيه أو غَيرِه، أو ناوَله بعضُ مُتساهِلي الشُّيوخ ضبائرَ كتُبٍ وودائع أسْفار، لا يعلَم سوى ألقابها، أو أتته إجازةٌ فيه من بلدٍ سَحيقٍ بما لا يعرف وهو طِفل أو حَبَلُ حَبَلةٍ لم يُولَد بعدُ ولم يُنطَف، ثمَّ يُستعار للشَّيخِ كتابُ بعضِ من عُرِف سماعُه من شيُوخه أو يشتريه من السُّوق، ويَكتفي بأن يجِدَ عليه أثرَ دعوى بمُقابَلته وتَصحِيحِه.
ثمَّ ترَى الرَّاحلَ لهذا الشَّأنِ، الهاجرَ فيه حبيبَ الأهلِ ومألوفَ الأوطانِ، قد سلَك من التَّساهل
[ ١ / ٥٢ ]
طبقَةً مِن عدَم ضَبطه لكتابه، وتشاغُلِه أثناءَ السَّماعِ بمُحادَثة جَليسِه، أو غير ذلك من أسبابه، وأكثرُهم يحضُر بغير كتابٍ، أو يشتَغِل بنَسْخِ غَيرِه، أو تراه مُنجَدلًا يغِطُّ في نَومِه، قد قنِعا معًا في الأخذ والتَّبليغ بسماع هينمةٍ لا يفهمان معنى خطابها، ولا يقفان على حقيقة خَطئها من صَوابها، ولا يُكَلَّمان إلَّا من وراء حِجابها، ورُبَّما حضَر المجلسَ الصَّبيُّ الَّذي لم يفهَم بعدُ عامَّة كلام أمِّه، ولا استَقلَّ بالميزِ والكَلامِ لما يَعنِيه من أمْرِه، فيَعتَقِدون سماعَه سماعًا، لاسيِّما إذا وفَّى أربَعَة أعوامٍ من عُمرِه، ويحتجُّون في ذلك بحَديثِ محمُود بنِ الرَّبيعِ، وقَولِه: «عقَلْتُ من النَّبيِّ ﷺ مجَّةً مجَّها في وَجهِي وأنا ابنُ أربَعِ سنِينَ»، ورُوِيَ: «وأنا ابنُ خمسِ سنِينَ».
وليس في عَقلِه هذه المجَّةَ على عَقلِه لكلِّ شيءٍ حُجَّة، ثمَّ إذا أُكمِل سماعُ الكتاب على الشَّيخِ كتَب سماعَ هذا الصَّبيَّ في أصلِه، أو كتَبه له الشَّيخُ في كتابِ أبيه أو غيرِه؛ ليَشهد له ذلك بصحَّة السَّماع في مُستأنَف عُمرِه، وأكثرُ سماعاتِ النَّاس في عَصرِنا وكثيرٍ من الزَّمان قبلَه بهذا السَّبيل.
ولهذا ما حدَّثنا الشَّيخُ الفقيه أبو محمَّدٍ عبدُ الرَّحمن بنُ عتَّابٍ بلَفظِه ﵀ وغيرُه عن الفقيه أبي عبدِ الله أبيه؛ أنَّه كان يقول: لا غنى في السَّماع عن الإجازة؛ لهذه العِلَل والمُسامَحة المُستَجازةِ.
وحدَّثنا أحمدُ بنُ محمَّدٍ الشَّيخُ الصَّالحُ عن الحافظِ أبي ذرٍّ الهرويِّ إجازةً، قال: حدَّثنا الوليدُ بنُ بَكرٍ المالكيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمَّدٍ أبو سَهلٍ العطَّارُ بالإسكَندَرِية، قال: كان أحمدُ بنُ مُيسَّر يقول: الإجازةُ عندي على وَجهِها خيرٌ وأقوى في النَّقولِ من السَّماعِ الرَّديءِ.
وهبْكَ صحَّ هذا كلُّه في مُراعاة صِدق الخبر، أين تحرِّي المرويِّ وتَعيِين المخبَر؟! لا جرمَ -بحسَب هذا الخلَل، وتظاهر هذه العِلل- ما كثُر في المُصنَّفات والكتُب التَّغيِيرُ والفسادُ، وشمَل ذلك في كثير من المتونِ والإسناد، وشاع التَّحريفُ وذاع التَّصحيفُ، وتعدَّى ذلك منثورَ الرِّوايات إلى مجمُوعها، وعمَّ أصولَ الدَّواوين مع فرُوعها، حتَّى اعتَنى صُبابةُ أهلِ الإتقان والعِلم-وقليلٌ ما هم- بإقامة أوَدِها ومُعاناة رمَدِها، فلم يستمرَّ على الكافَّة تغييرُها جملةً لما أخبَر ﵇ عن عدُول
[ ١ / ٥٣ ]
خلَفِ هذه الأمَّة، وتكلَّم الأكياسُ والنُّقَّاد من الرُّواة في ذلك بمِقدار ما أوتُوه، فمن بين غالٍ ومُقصِّرٍ، ومَشكورٍ عَليمٍ ومُتكلِّفٍ هَجومٍ، فمِنهُم من جسَر على إصلاحِ ما خالَف الصَّوابَ عنده، وغيَّر الرِّواية بمُنتهَى عِلمه، وقَدْر إدْراكِه، وربَّما كان غَلَطُهُ في ذلك أشدَّ من استِدْراكِه؛ لأنَّه متى فُتِح هذا البابُ لم يوثَقْ بعدُ بتَحمُّل روايةٍ، ولا أُنِس إلى الاعتداد بسَماعٍ، مع أنَّه قد لا يُسَلَّم له ما رآه، ولا يُوافَق على ما أتاه؛ إذ فوْقَ كلِّ ذي عِلمٍ عَليمٌ.
ولهذا سدَّ المحقِّقون بابَ الحديثِ على المعنى، وشدَّدوا فيه، وهو الحقُّ الَّذي أعتَقِده ولا أمتَرِيه؛ إذ بابُ الاحتمالِ مَفتوحٌ، والكلامُ للتَّأويلِ مُعَرَّض، وأفهامُ النَّاس مختَلِفة، والرَّأيُ ليس في صَدرٍ واحدٍ، والمرءُ يُفتَن بكَلامِه ونَظرِه، والمغترُّ يعتَقِد الكمالَ في نَفسِه، فإذا فُتِح هذا البابُ، وأُورِدَت الأخبارُ على ما يَنفهِم للرَّاوي منها لم يتحقَّق أصلُ المَشرُوع، ولم يكن الثَّاني بالحكم على كلام الأوَّل بأولى من كلام الثَّالث على كلام الثَّاني، فيتدرَّج التَّأويل، وتتناسَخُ الأقاويل، وكفى بالحجَّة على دَفعِ هذا الرَّأي العليل دعاؤُه ﵇ في الحديثِ المَشهورِ المتقدِّم لمن أدَّى ما سَمِعه كما سَمِعه بعد أن شرَط عليه حِفظَه ووَعْيَه.
ففي الحديثِ حجَّةٌ وكِفايةٌ وغُنيَةٌ في الفُصول الَّتي خُضْنا فيها آنفًا من صحة الرِّواية لغير الفقيه، واشتراطِ الوَعيِ والحفظِ في السَّماعِ والأداءِ كما سَمِع، وصحَّةِ النَّقلِ وتَسليمِ التَّأويلِ لأهل الفقه والمَعرِفةِ، وإبانة العِلَّة في مَنعِ نَقلِ الخبرِ على المعنى لأهل العلمِ وغيرِهم، بتنبيهه على
[ ١ / ٥٤ ]