نظرت في المعاجم الفقهية الحديثة فوجدتها غير مستوعبة، ولا وافية في عرضها لمعانى الألفاظ التي ذكرتها، ويتصرف الكاتب في عبارات الفقهاء وتعريفاتهم بما يفسد المعنى أحيانا، ثمَّ لا يرشد إلى المصدر أو المرجع الذي استقى منه المعنى، ثمَّ إن كثيرا من ألفاظ الكتاب والسنة التي لها تعلق مباشر بالفقه وأصوله، واستعملها الفقهاء والأصوليون لا تجدها في كتب الغريب، والذي في كتب الغريب متناثر، وغير متوافر لدى الكثيرين من طلبة العلم، وفي كتب التفسير، وغريب القرآن، وشرح كتب السنة، وغريب الحديث معان قل أن توجد في غيرها وليست تحت يد المهتمين، لذا أوليت أيضا هذه الكتب نظرا، أقرأ، وأنتقى وأستل منها ما لا غنى لدارس الفقه عنه، فجمعت الشوارد من الكتب النوادر التي عنيت بالغريب لغة، وقرآنا، وفقها، وحديثا وأصولا، بما لا تجده مجموعا في مكان واحد.
[ ١ / ٧ ]
وعرضت لاختلافهم في المعنى الاصطلاحي ولو لفظيّا ليفيدنا في ذلك سعة علم الفقهاء باللغة فيعبرون عن المعنى الواحد بعبارات متعددة على غاية الإيجاز مما يتعذر على غيرهم فعله - وهذه تعريفاتهم ناطقة بما أقول - ولربما يكون تغير اللفظ منبها على نكتة خفية، واحتراز لم يتضح لنا، فنقلنا العبارة كما هي لينظر فيها الراسخون حتى يوقفونا على ما تحتوي عليه من درر وكنوز - وتجد هذا المعنى واضحا في بعض ما نورده من شرح وإيضاح لبعض التعاريف -.
ومن عجيب ما رأيت لفقهائنا أن المصطلح يكون له من المعاني اللغوية ما يزيد على العشرة، ثمَّ يؤتى بالمعنى الاصطلاحي فتجد له صلة ومساسا بكل معنى من هذه المعاني اللغوية، فانظر كيف انتزعت من كل معنى من المعاني اللغوية ما يصلح أن يكون وثيق الصلة بالمعنى الاصطلاحي، كمصطلح السنة مثلا، انظر إلى المعاني اللغوية له، ثمَّ انظر المعنى الاصطلاحي تجد له صلة ومساسا بجميع المعاني اللغوية.
وقد يتحد المعنى اللغوي لكثير من الألفاظ كالقصد الذي هو معنى الحج، وهو معنى التيمم، وهو معنى النية أيضا، فلما ذا خصت زيارة الكعبة لأداء النسك بأركان وشروط مخصوصة بالحج أو العمرة، وخص استعمال التراب بدلا عن الماء بكيفية مخصوصة بالتيمم، والتوجه بالقلب للّه تعالى بالنية.
وقد يفيد التعدد في ذكر التعاريف في معرفة الأطوار التي مر بها المصطلح كمصطلح الفقه مثلا.
ولما كان من المتعذر نقل كل التعاريف، كان لا بد من التخير منها فأختار أسهلها، وأشملها وأقلها ألفاظا، ولا أعدل عن تعريف إلى غيره من المراجع التي تحت يدي إلا لأمر رأيته.
ولا أعقد مقارنة بين التعاريف المتعددة في المذهب الواحد
[ ١ / ٨ ]
أو المذاهب المتعددة إلا إذا احتاج الأمر ذلك، لعدم التطويل، ولضيق الوقت والجهد عن توفية هذا الأمر، إذ هو باب واسع ودقيق نلجه إذا أسعد الحال - إن شاء اللّه -.
ولدفع توهم أننى ذكرت ألفاظا بعيدة الصلة عن الألفاظ الفقهية ضممت إلى المصادر اللغوية بعض المراجع الفقهية وذلك لأعلم أنها من الألفاظ الدائرة على ألسنة الفقهاء أيضا، وأنها لم تذكر لمجرد كونها لفظا غريبا يحتاج إلى إيضاح، كأن أذكر من المراجع المطلع على أبواب: «المقنع»، أو «المغرب للمطرزي»، أو «تحرير التنبيه» للنووي، أو «غرر المقالة» مثلا إذ عنايتها بلغة الفقهاء وغريب كتب الفقه.
وقد أضع شرحا وتوضيحا لبعض التعاريف، أو لبعض المفردات فيها إن رأيت حاجة إلى ذلك تيسيرا على الباحث وتوفيرا لوقته ولربما يكون المرجع بعيدا عن متناوله.
وأضع في الكثير الغالب الفروق اللغوية والاصطلاحية للمفردات المتقاربة معنى كالسرقة، والخيانة، والغصب، والنبش، أو الألفاظ المتضادة والمتعاكسة كالغضب ضد الرضا، وكأجزاء الزمن، وأطوار الإنسان، وبعض الحيوان وغير ذلك من الفوائد، وقد أوثر تعريف المتقدمين لسهولته وقلة ألفاظه، وقد أوثر تعريف المتأخرين كالمناوى، والأنصاري، والبعلى، والشنقيطى مثلا لتحريره لتعريف المذهب ولدقته وكثرة القيود فيه، والقدماء لم يكونوا يهتمون بالتعاريف اهتمام المتأخرين، وقد أجمع بينهما كما في تعريف الفقه مثلا للحاجة إلى ذلك، إذ لتعريف الفقه أطوار لا تبدو إلا بذكر عدد من التعاريف للفقه مختلفة قدما وحداثة كتعريف الإمام أبي حنيفة، وتعريف من أتى بعده.
وقد تكون اللفظة أو المصطلح أشهر في حالة الإفراد فيذكر
[ ١ / ٩ ]
مفردا مرتبا على هذه الحال، وقد يكون أشهر في حال الجمع، أو التثنية فأذكرها بترتيبها في هذه الحالة.
وقد تذكر في أكثر من موضع - وهذا نادر - ليتيسر على الباحث إذا بحث عنها في أي من هذه الحالات وجدها دون عناء إذ عمادي في هذا كله تيسير البحث وتوفير الوقت والجهد دون ما عناء يلحق الباحث.
وأوردت من الشواهد القرآنية والحديثية، وأقوال العرب شعرا، ونثرا، وأمثالا ما يثبت المعنى في ذهن المتعلم ويؤكده لديه، ويفتح له بابا للدخول على اللغة الفذة لغة القرآن الكريم ويوقفه على أسرارها، وعزوت معاني كل مادة إلى مصادرها التي استلت منها، وكثيرا ما كانت صياغة المادة وعرضها يوحى بمصدرها كأن يقال: قال ابن الأثير، قال الماوردي، قال الفيومي، ثمَّ أذكر المصادر فأقول انظر: «النهاية، والحاوي، والمصباح المنير»، فيعلم كل معنى ذكرته وكل نقل أوردته لمن وفى أى كتبه، أو أقول:
قال الحنفية، قال المالكية، قال الشافعية، قال الحنابلة، ثمَّ تذكر المصادر بعد ذلك فيكون ذكر المصدر منبها على المذهب إذ تذكر تعاريف كل مذهب من كتبه لا من كتب غيره، كأن يذكر «المجموع» للنووي فيعلم أن هذا هو مصدر الشافعية في التعريف الذي أوردته منسوبا إليهم، وكذا «شرح فتح القدير» مرجع تعريف الحنفية، و«الشرح الصغير» للشيخ الدردير مرجع تعريف المالكية، و«المغني» لابن قدامة مثلا مرجع تعريف الحنابلة وهذه أمثلة يقاس عليها ما عداها من الأقوال والمصادر والمراجع.
ورتبت الألفاظ والمصطلحات ترتيبا ألفا بائيّا دون تجريد المادة إلا من مثل الألف، واللام، وأب، وأم ليتيسر على الباحث الوصول إليها، واقتديت في ذلك بكثير من كتب ومعاجم وموسوعات قديمة وحديثة ك «التوقيف على مهمات التعاريف» للمناوى، و«الموسوعة الفقهية (الكويتية) إصدار وزارة الأوقاف الكويتية وغيرها.
[ ١ / ١٠ ]
وأبادر بالاعتذار عما يكون قد بدر من خلل، أو اعترى من نقص، ورحم اللّه من رأى خللا فسدّه، أو نقصا فأكمله، أو غلطا فصححه، فإنما نظل عمرنا نتعلم، وحسبي أننى نقبت وبحثت، وتخيرت وانتقيت، وجمعت ورتبت، وأتيت بمعان من بطون كتب لا يظن بها هذه المعاني، ثمَّ نظمت في سلك بديع، فكونت عقدا جميلا يقر عين الباحث ويسر الناظر، على أن أكون قد قدمت ما ينفع الناس، ويثقل ميزاني في آخرتي.
ورحم اللّه امرأ استقى معنى فنسبه إلى مصدره، فإن من بركة العلم نسبته إلى قائله.
وأنا لا أرى بأسا أن أذعن للصواب، وأقر بالخطإ وأصلحه من ناصح أمين بشرط العلم والإنصاف.
اللهم إني أتوجه به إليك، وأقصد به وجهك، وأبرأ من حولي وقوتي إلى حولك وقوتك فإنه لا حول ولا قوة إلا بك، وأعترف بعجزي وتقصيري فاغفر زلتى، وأقل عثرتي، وأجب دعوتي، وعلمني ما لم أكن أعلم مما ينفعني وينفع الناس به معى.
وصلّى اللّه وسلّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد للّه رب العالمين.
وكتبه الفقير إلى عفو ربه
د/ محمود عبد الرحمن عبد المنعم
مدرّس أصول الفقه بكلّيّة الشّريعة والقانون
جامعة الأزهر - القاهرة
في ٢٢ من شهر رمضان المبارك سنة ١٤١٩ هـ
٩ يناير سنة ١٩٩٩ م
[ ١ / ١١ ]