الحمد للّه حق حمده، كما ينبغي لجلال وجهه ولعظيم سلطانه، وأصلي وأسلم على من أوتي جوامع الكلم، وأنزل اللّه عليه الكتاب بلسان عربي مبين سيدنا محمد الذي بعثه اللّه بالملة العصماء، والشريعة السمحاء، والمنهاج الواضح، والطريق المستقيم.
وبعد:
فما أوتي عبد خيرا من فقه في الدين، فمن أوتي فقها في الدين فقد حاز الخير، وضرب بسهم في تركة الرسول ﷺ: «من يرد اللّه به خيرا يفقهه في الدين» (^١).
وفي الحديث قال ﷺ: «إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر» (^٢).
وإذا كانت الوسائل لها حكم المقاصد، وما يتوقف عليه الواجب له حكم الوجوب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب كما يقول علماء قواعد الفقه وأصوله، وعليه فنقول: إن ما لا يتم تحصيل الفقه إلا به يأخذ حكم الفقه وفضله.
ولقد عنى بالفقه وأصوله أئمة أعلام، وجهابذة فضلاء أحيوا
_________________
(١) أخرجه أبو داود في الأدب (١٦٨٢)، وأحمد (١٤/ ٣).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٢٢٣).
[ ١ / ٥ ]
الدنيا قرونا، وقادوا الحياة أزمانا، فجدد اللّه على أيديهم ما ترك من هدى، وما درس من سنن، ولم يخل منهم زمن منذ عصر الصحابة، ولن يخلو منهم زمن حتى يأتي أمر اللّه، ولم يخل منهم مكان ولن يخلو على امتداد البسيطة، كما قال علىّ بن أبى طالب ﵁ في حديثه الشهير لكميل بن زياد: «لا تخلو الأرض من قائم للّه بحجّة، إما ظاهرا مشهورا وإما خائفا مغمورا، لئلا تبطل حجج اللّه وبيناته، وكم ذا وأين أولئك؟ أولئك - واللّه - الأقلون عددا، الأعظمون عند اللّه قدرا، يحفظ اللّه بهم سننه وبيناته حتى يودعوها نظراءهم ويزرعوها في قلوب أشباههم».
وقد شمر أولئك الأعلام عن ساعد الجد، ودونوا لنا أحكام الإسلام في مصنفات لا تزال غرّة في جبين الزمن إلى آخر الزمن، ومفخرة الأمة إلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها.
إلا أنهم كأصحاب فن مستقل، وعرف خاص لهم مصطلحاتهم، وعباراتهم التي انفردوا بها عن غيرهم، فانفردوا بعبارات واختصوا بمصطلحات، وكذلك نجد أنهم نبهوا على مقادير، وأوزان، ومكاييل، ومساحات، ومسافات، ونباتات، وحيوان، وملابس وألوان، وأمكنة، وبلاد.
لذا اهتم آخرون منهم بشرح هذه المصطلحات، وتفسير الكلمات الغريبة، وبيان المقادير، والأوزان، والمكاييل، والمساحات، وتحديد وحدات كل ذلك وغيرها في كتب سميت «غريب لغة الفقهاء»، إلا أنهم في عصورهم شرحوا ما ظنوه غريبا، وجئنا من بعدهم، فاستغلق علينا ما كان في رتبة البيان عندهم فاحتاج الأمر إلى شرح المستغلق والغريب، وكذا فقد تغيرت وحدات الموازين، والمكاييل، والمساحات وغيرها من زمنهم إلى زماننا.
وأيضا فهذه المصنفات في الغالب مذهبية يشرح كل كتاب
[ ١ / ٦ ]
غريب كتاب مذهبي شهير، ك «المصباح المنير» يشرح غريب فتح العزيز للرافعي الشافعي، و«النظم المستعذب» يشرح غريب كتاب المهذب للشيرازي الشافعي، و«غرر المقالة» يشرح غريب ألفاظ الرسالة لابن أبى زيد القيرواني المالكي، و«المطلع» يشرح غريب ألفاظ المقنع للإمام ابن قدامة الحنبلي، و«أنيس الفقهاء»، و«دستور العلماء» كلاهما يشرح الغريب من ألفاظ الحنفية، وهذا على سبيل المثال وبعض هذه الكتب يجمع ما يتعلق بالفقه وغير الفقه من المنطق، والحكمة، والصوفية ومصطلحات المحدثين وغير ذلك، والكثير منها غير شامل إذ تخلو من كثير من الألفاظ والمصطلحات، أو توجز إيجازا شديدا في شرحها، وقد ينصب الاهتمام بالمعنى اللغوي دون الاصطلاحي، أو العكس.
ثمَّ ترتيب الكثير منها على كتب الفقه وأبوابه مما يجعلك تبحث عن الكلمة فلا تجدها، وقد تكون في غير مظانّها.