الفصل الثامن: في مواضعات كتاب الرسائل
أما كتاب الرسائل فإن كل ما تقدم في هذا الباب مما يستعملونه وأنا أذكر في هذا الفصل ما هو خاص لهم دون طبقات الكتاب في نقد الكلام ووصف نعوته وعيوبه.
التسجيع: معروف لا يحتاج إلى إيراد مثال فيه.
الترصيع: أن يكون الكلام مسجعًا متوازن المباني والأجزاء التي ليست بأواخر الفصول مثل قول أبي علي البصير: حتى عاد تعريضك تصريحًا وتمريضك تصحيحًا.
التضريس: هو ضد الترصيع وهو ألا تراعى توازن الألفاظ ولا تشابه مقاطعها. مثل كلام العامة.
الاشتقاق هو الذي يسمى في الشعر: المجانسة وهو مثل قول القائل: لا ترى الجاهل إلا مفرطًا وكقول بعضهم: إن هذا الكلام صدر عن صدر صدر وطبع طبع وقريحة قريحة وجوارح جريحة.
المضارعة: أن يكون شبيهًا بالإشتقاق ولا يكونه كما قال بعضهم: ما خصصتني ولكن خسستني.
[ ٩٦ ]
والتبديل: كقول بعضهم في دعائه: اللهم أغنني بالفقر إليك ولا تفقرني بالاستغناء عنك.
المكافأة: شبيهة بالتبديل إلا أنها في المعنى وإن لم تتفق الألفاظ كما قال المنصور في خطبته عند قتله أبا مسلم: يا أيها الناس لا تخرجوا من عز الطاعة إلى ذل المعصية وهذا في الشعر يسمى: المطابقة.
الاستعارة كقولك: خمدت نار الفتنة ووضعت الحرب أوزارها وألقى الحق جرانه. وصحة المقابلات: أن تراعى الأضداد أو الأشكال فتقابل كل منها بنظير.
المقابلات على ثلاثة أوجه.
من جهة الممعنى وهي:
الإضافة كالأب والابن.
والمضادة كالأبيض والأسود والوجود والعدم والأعمى والبصير.
فأما من جهة اللفظ فالنفي والإثبات كقولك: زيد جالس وزيد ليس بجالس.
وفساد المقابلات مثل أن تقول: لم يأتني من الناس أسود ولا أسمر ولا خير ولا سارق والصواب أن تقول لم يأتيني أبيض ولا أسود ولا خير ولا شرير.
وجودة التفسير: أن تفسر ما قدمته على ما يقتضيه الكلام المتقدم.
وفساد التفسير مثل: ما كتب بعض الكتاب: ومن كان لأمير المؤمنين مثل ما أنت له في الذب عن ثغوره والمسارعة إلى ما ندبك إليه من صغير وخطب وكبير كان جديرًا بنصح أمير المؤمنين في أعماله والاجتهاد في تثمير أمواله.
[ ٩٧ ]
فليس ما قدمه من الحال مما سبيله أن يفسر بما فسره به لأن ذلك الشرط لا يوجب ما أتبعه إياه.
التتميم: أن يؤتى بجميع المعاني التي تتم بها جودة الكلام كقول عمر بن الخطاب ﵁ في صفة الوالي: يجب أن يكون معه شدة في غير عنف ولين في غير ضعف.
وجودة التقسيم: أن تستوفي الأقسام كلها.
وفساده يكون: إما بتكرير المعاني كما كتب بعضهم: فكرت مرة في عزلك وأخرى في صرفك وتقليد غيرك.
وأما مدخول الأقسام بعضها من بعض كما كتب الآخر: فمن جريح مضرج بدمائه وهارب لا يلتفت إلى ورائه وقد يكون الجريح هاربًا والهارب جريحًا.
وإما بإخلال كما كتب بعض رؤساء الكتاب إلى عامله: إنك لا تخلو من هربك من صارفك من أن تكون قدمت إساءة خفت منها أو خنت في عملك خيانة رهبت تكشيفه إياك عنها فإن كنت أسأت إليه فأول راضٍ سنة من يسيرها وإن كنت خنت خيانة فلابد من مطالبتك بها.
فكتب هذا العامل تحت هذا التوقيع: قد بقي من الأقسام ما لم تذكره وهو إني خفت ظلمه إياي بالبعد منك وتكثيره علي بالباطل عندك ووجدت الهرب إلى حيث يمكنني فيه دفع ما يتخرصه أنفي للظنة عني والبعد عمن لا يؤمن ظلمه إيامي أولى بالإحتياط لنفسي.
فوقع الكاتب تحت ذلك: قد أصبت فصر إلينا آمنًا ظلمة عالمًا بأن ما يصح عليك فلا بد من مطالبتك به.
وأما الإخلال في غير التفسير فكما كتب بعضهم: إن المعروف إذا زجا كان أفضل منه إذا أكثر وأبطأ.
[ ٩٨ ]
وكان يجب أن يقول: إذا قل وزجا.
وعكس الإخلال من عيوب الكلام أن يؤتى فيه بزيادة لفظة تفسد المعنى كما قال قائل: والأمر والنهي لو ذقتهما طيبان.
فقوله: لو ذقتهما فصل يوهم أنه لو لم يذقهما لما كانا طيبين.
ومن نعوت الكلام: المبالغة وهو أن يعبر عن معنى بما لو إقتصر عليه لكان كافيًا ثم يؤكد ذلك بما نريده حسنًا وجودة كما قال بعضهم يصف قومًا: لهم جود كرام إتسعت أحوالها وبأس ليوث تتبعها أشبالها وهمم ملوك انفسحت آمالها وفخر صميم شرفت أعمامها وأخوالها.
فكل فصل من هذه الفصول فيه مبالغة وتأكيد.
ومن نعوت المبالغة: الأرداف وهو أن يدل على معنى بردف يردفه بما لا يخصه نفسه كما يقال: فلان لا تخمد ناره أي يكثر الإطعام.
وأبلغ من هذا: فلان كثير الرماد.
ومن نعوتها: التمثيل وهو كما يقال: قلب له ظهر المجن إذا خالف.
ومن عيوب الكلام: المعاظلة والتعقيد وهو مداخلة بعضه في بعض حتى لا يفهم إلا بكد الخاطر وتكرار السماع أو النظر يقال: تعاظلت الجرادتان إذا تلازمتا في السفاد وكذلك تعاظل الكلب والكلبة وهو مما لا يحتاج فيه إلى إيراد مثال لاشتهاره ولا شهادة.
ومن عيوبه: التكرير وهو إعادة الألفاظ وحروف الصلات والأدوات في مواضع متقاربة وفي مقاطع الفصول.
ومن عيوبه: الإنتقال وهو أن يقدم ألفاظًا تقتضي جوابًا فلا يأتي في جوابها بتلك الألفاظ بأعيانها بل ينقلها إلى ألفاظ آخر فيغير معناها كما
[ ٩٩ ]
كتب بعضهم: فإن من إقترف ذنبًا عامدًا أو اكتسب جرما قاصدا لزمه جناه وحاق به ما توخاه.
وكان الأحسن أن يقول: لزمه ما إقترفه وحاق به ما إكتسبه.
وليس هذا من التكرير المذموم الذي تقدم ذكره.
وجوه البلاغة ثلاثة:
المساواة وهي أن تكون الألفاظ كالقوالب للمعاني لا تفضلها ولا تقصر عنها.
والإشارة وهي أن تدل بلفظ قليل على معانٍ كثيرة.
والإشباع وهو أن تدل على معنى واحد بألفاظ مترادفة.
ومن الألفاظ المستعملة في ديوان الرسائل: الإنشاء وهو عمل نسخة يعملها الكاتب فتعرض على صاحب الديوان ليزيد فيها أو ينقص منها أو يقرها على حالها ويأمر بتحريرها.
والتحرير كأنه الإعتاق وهو نقل الكتاب من سواد النسخة إلى بياض نقي.
والثبت: أن تنسخ الكتب بأعيانها وجوامعها ونكتها.
والأوارة: ما يثبت في آخر الكتاب من نسخة عمل أو كتاب آخر وارد أو صادر.
الأسكدار: مدرج يكتب فيه جوامع الكتب المنفذة للختم وقد ذكرنا اشتقاقه قبل هذا في ذكرنا الأسكدار الذي يشتمل على عدد الكتب والخرائط وأسماء أربابها فحسب.
التاريخ: ما روي كلمة فارسية أصلها: ماء رزو فأعربت وهذا اشتقاق بعيد إلا أن الروايةجاءت به.
[ ١٠٠ ]