وأمَّا الهمزة والميم فأصلٌ واحدٌ، يتفرَّع منه أربعة أبواب، وهى الأَصل، والمرجِع، والجماعة، والدِّين. وهذه الأربعَة متقاربة، وبعد ذلك أصولٌ ثلاثة، وهى القامة، والحِين، والقَصْد. قال الخليل: الأُمّ الواحدُ والجمع أمّهات، وربما قالوا أمٌّ وأمَّات. قال شاعرٌ وجَمَع بين الّلغَتين:
_________________
(١) البيت لحسان بن ثابت يهجو أبا سفيان بن الحارث. انظر اللسان وحواشى الحيوان (٣٦٠: ٤).
(٢) فى الأصل: «الأخت»، تحريف. وأنشده فى اللسان وقال: «قال أبو سعيد السيرافى: فى هذا البيت وجه آخر وهو أن يكون إلا فى معنى نعمة، وهو واحد آلاء اللّه».
[ ١ / ٢١ ]
إذا الأُمَّهات قَبَحْنَ الوجوهَ … فَرَجْتَ الظَّلامَ بأُمَّاتِكا
وقال الرَّاعى:
* أَمَّاتُهُنَّ وطَرْقُهُنَّ فَحِيلا (^١) *
وتقول العَرَب: «لا أمَّ له» فى المدح والذمّ جميعًا. قال أبو عبيدة:
ما كنتِ أُمًّا ولقد أَمَمْتِ أُمُومةً. وفلانةُ تؤمُّ فلانًا أَى تغذوه، أي تكون لهُ أمَّا تغذوه وتربِّيه قال:
نَؤمُّهُم ونأبُوهُمْ جميعًا … كما قُدَّ السُّيورُ من الأَديمِ
أى نكون لهم أُمَّهاتٍ وآباءً. وأنشد:
اطلُبْ أبا نَخْلةَ من يأبُوكا … فكلُّهمْ ينْفِيك عن أبيكا (^٢)
وتقول أُمٌّ وأُمَّةٌ بالهاء. قال:
تَقَبّلتَها من أُمَّةِ لَكَ طَالمَا … تُنُوزِعَ فى الأَسواقِ عنها خِمارُها (^٣)
قال الخليل: كلُّ شئٍ يُضَمُّ إليه ما سواه مما يليه فإنَّ العَرَب تسمِّى ذلك الشئَ أُمًّا. ومن ذلك أُمُّ الرأس وهو الدِّماغ. تقول أممْتُ فلانًا بالسَّيف والعَصا أَمًّا، إذا ضربتَه ضربةً تصل إلى الدِّماغ. والأَميم: المأموم، وهى أيضًا الحجارة التى تُشْدَخ بها الرءُوس؛ قال:
* بالمنْجَنيقاتِ وبالأمائِمِ (^٤) *
_________________
(١) صدره كما فى اللسان (فحل) وجمهرة أشعار العرب ١٧٣. * كانت نجائب منذر ومحرق *.
(٢) الرجز لشريك بن حيان العنبرى يهجو أبا نخيلة. انظر اللسان (٨: ١٨).
(٣) فى اللسان: «تقبلها من أمة ولطالما».
(٤) قبله كما فى اللسان: * ويوم جلينا عن الأهاتم *.
[ ١ / ٢٢ ]
والشَّجةُ الآمَّة: التى تبلغ أُمَّ الدماغ، وهى المأمومة أيضًا. قال:
يحُجُّ مأمُومةً فى قَعْرِها لَجَف … فاستُ الطَّبِيبِ قَذَاها كالمَغَارِيدِ (^١)
قال أبو حاتم: بعيرٌ مأموم، إِذا أُخرِجت من ظهرِه عِظامٌ فذهبَت قَمعَتُه. قال:
* ليس بمأمومٍ ولا أَجَبِّ (^٢) *
قال الخليل: أُمُّ التَّنَائف أَشدُّها وأبعدها. وأُمُّ القُرى: مَكَّة؛ وكلُّ مدِينةٍ هى أُمُّ ما حولها من القُرى، وكذلك أُمُّ رُحْمٍ (^٣). وأُمُّ القُرآن: فاتحة الكتاب. وأُمُّ الكتاب: ما فى اللَّوح المحفوظ. وأُمُّ الرُّمح: لولؤه وما لُفَّ عليه. قال:
وسلبنَ الرُّمْحَ فيه أُمُّهُ … مِنْ يَد العَاصى وما طال الطِّوَلْ (^٤)
وتقول العَرَبُ للمَرأَة التى يُنزَل عليها: أُمُّ مَثْوًى؛ وللرّجُل أبو مَثْوًى.
قال ابن الأعرابىّ: أمَّ مِرْزَم الشَّمال، قال:
إِذا هو أَمسَى بالحِلَاءَة شاتيًا … تُقَشِّرُ أَعْلَى أَنفِهِ أُمُّ مِرزَمِ (^٥)
_________________
(١) البيت لعذار بن درة الطائى، كما فى اللسان (٢٢٥: ١١): وانظر منه مادة (غرد) وحواشى الحيوان (٤٢٥: ٣). والمخصص (١٨٢: ١٣).
(٢) انظر إنشاده فى اللسان (٢٩٩: ١٤).
(٣) أم رحم، بضم الراء، من أسماء مكة، كما فى معجم البلدان. وانظر للأمهات والأبناء كنايات الجرجانى ٨٥ - ٩٥.
(٤) فى اللسان: «وسلبنا».
(٥) الحلاءة، بالفتح والكسر: موضع شديد البرد، كما فى معجم البلدان. والبيت لصخر الغى الهذلى يهجو أبا المثلم. انظر المعجم واللسان (١٣٢: ١٦). وسيأتى فى (رزم).
[ ١ / ٢٣ ]
وأم كلْبَةٍ الحمَّى. ففيه
قول النبى ﷺ لزيدِ الخيل:
«أَبْرَحَ فَتًى إِنْ نجا مِنْ أُمِّ كَلْبة». وكذلك أُمُّ مِلْدَم (^١). وأُمُّ النُّجوم السَّماءَ. قال تأبَّط شرًّا:
يرى الوَحْشَةَ الأُنْسَ الأَنيسَ ويهتدِى … بجيث اهتدت أُمُّ النُّجومِ الشَّوابِكِ
أخبرنا أبو بكرٍ بن السُّنِّى (^٢)، أخبرنا الحسين بن مسبّح، عن أَبى حنيفة قال: أُمُّ النجوم المجرّة، لأَنَّه ليس مِنْ السماء بقعَةٌ أَكثرَ عدَدَ كواكبَ منها. قال تأبَّط شرًّا. وقَدْ ذكَرنا البَيت. وقال ذو الرُّمَّة:
بُشعثٍ يَشُجُّون الفَلَا فِى رؤوسِه … إِذا حَوَّلَت أُمُّ النُّجومِ الشَّوابِكِ
حوَّلت يريدُ أَنَّها تنحرِف. وأُمُّ كفاتٍ: الأَرض. وأُمُّ القُراد، فى مؤخّر الرُّسغ فوق الخُفِّ، وهى التى تجتمع فيها القِرْدان كالسّكُرُّجة.
قال أبو النَّجم:
* للأَرض مِنْ أُمِّ القُرادِ الأَطحلِ (^٣) *
_________________
(١) فى الأصل: «أم مدرم» تحريف. وفى اللسان: «أم ملدم كنية الحمى. والعرب تقول: قالت الحمى: أنا أم ملدم، آكل اللحم وأمص الدم». وفى ثمار القلوب ٢٠٦: «قال أصحاب الاشتقاق: هى مأخوذة من الدم، وهو ضرب الوجه حتى يحمر». ويقال أيضًا «أم ملذم» بالذال المعجمة. انظر المزهر (٥١٥: ١ - ٥١٦) والمخصص (١٨٨: ١٣).
(٢) هو أبو بكر أحمد بن محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن أسباط السنى الحافظ الدينورى يروى عن ابن أبى عروبة والنسائى، وروى عنه أبو بكر بن شاذان. انظر أنساب السمعانى ٣١٥. وحفيده روح بن محمد بن أحمد يروى عن ابن فارس، كما فى الأنساب.
(٣) انظر الحيوان (٤٤٤: ٥) حيث أنشد البيت؛ وفسر أم القراد بأنه يقال للواحدة الكبيرة من القردان.
[ ١ / ٢٤ ]
وأُمُّ الصَّدَى هى أُمُّ الدِّماغ. وأم عُوَيفٍ: دويْبَّةٌ منَقَّطة إِذا رأَت الإنسان قامت على ذَنبها ونشرت أَجنحتها، يُضرَبُ بها المثلُ فى الجبْن.
قال:
يا أُمَّ عَوفٍ نَشِّرى بُردَيْك … إنَّ الأَميرَ واقفَ عليكْ
ويقال هى الجرَادة (^١). وأُمُّ حُمارِسٍ (^٢) دويْبَّة سوداءِ كثيرة القوائِم.
وأُم صَبُّور: الأَمرُ الملتبِس، ويقال هى الهضَبَة التى ليس لها منفذ (^٣). وأُمُّ غَيْلان: شجرَةٌ كثيرة الشَّوك (^٤). وأُمُّ الُّلهيم: اَلمنِيَّة. وأُمُّ حُبَيْنٍ: دابّة.
وأمُّ الطَّريق مُعظَمه. وأُمُّ وَحْشٍ: المفازة، وكذلك أُمُّ الظِّباء. قال:
وهانت على أُمِّ الظباء بحاجتى … إِذا أَرسلت تربّا عليه سَحُوق (^٥)
وأُمُّ صَبَّار الحَرَّة (^٦). قال النَّابغة:
تُدافِعُ النَّاسَ عَنَّا حينَ نَركَبُهَا … مَنْ المَظالم تُدعَى أُمَّ صَبَّارِ
وأُمُّ عامرٍ وأم الطريق: الضَّبع. قال يعقوب: أمُّ أوعالٍ: هضْبة بعينها قال:
* وأمَّ أَوعالٍ كَهَا أَوْ أَقْرَبا * (^٧)
_________________
(١) انظر الحيوان.
(٢) وقعت فى المخصص (١٨٩: ١٣) بالشين المعجمة. وانظر المرهر.
(٣) فى المخصص: «هى هضبته لا منفذ فيها».
(٤) فى اللسان (٢٧: ١٤): «شجر السمر».
(٥) فى المخصص (١٨٥: ١٣): «وهان … يومًا عليك سحوق».
(٦) فى الأصل: «الحسرة» تحريف. وانظر المخصص (١٨٥: ١٣).
(٧) انظر الخزانة (٢٧٧: ٤) والمخصص (١٨٥: ١٣) واللسان (٢٨٥: ١٤) وهو من أرجوزة للعجاج فى ديوانه ٧٤. وقبله: * خلى الذنابات شمالا كثبا *.
[ ١ / ٢٥ ]
وأُمُّ الكفّ: اليدِ. قال:
* ليس له فى أُمِّ كفٍّ إِصبَعُ *
وأُمُّ البَيض: النَّعامة. قال أَبو دُؤاد:
وأَتانَا يَسْعَى تفرُّشَ أمِّ ال … بيض … (^١).
وأمُّ عامرٍ: المفازة (^٢). وأمُّ كليبٍ (^٣): شجيرة لها نَور أصفر. وأَمُّ عِرْيَط:
العقربُ. وأمُّ الندَّامة: العَجَلة. وأمّ قَشْعَمٍ، وأمُّ خَشَّاف، وأمّ الرَّقوبِ، وأمُّ الرَّقِم (^٤)، وأمُّ أرَيق، وأمّ رُبَيْق، وأمُّ جُنْدَبٍ، وأمّ البَلِيل، وأمّ الرُّبيس (^٥)، وأمُّ حَبَوْ كَرَى، وأمّ أدراصٍ، وأمُّ نَآدٍ، كلها كُنَى الدَّاهية. * وأمّ فَرْوة: النَّعجة. وأمُّ سُوَيْد وأمّ عِزْم: سافلة الإنسان.
وأمُّ جابر: إِيادٌ (^٦). وأمُّ شَمْلَة: الشَّمال الباردةُ. وأُمُّ غِرْس: الرَّكية (^٧).
_________________
(١) البيت لأبى دواد الإيادى كما فى اللسان (٢٢١: ٧) والحيوان (٣٦٥: ٤). وتمامه. «شدًا وقد تعالى النهار». والتفرش: أن يفتح الطائر جناحيه حين العدو.
(٢) الذى فى اللسان (٢٩٨: ١٤) أن أم عامر «المقبرة».
(٣) فى اللسان (٢٢٠: ٢) والمخصص (١٩١: ١٣): «أم كلب».
(٤) بفتح فكسر كما فى اللسان (رقم)، وضبطت فى المخصص بالتحريك وبفتح فكسر وبالفتح ضبط قلم فيهما.
(٥) كذا فى اللسان بضبط القلم. وفى المخصص (١٨٧: ١٣) بفتح الراء وكسر الباء.
(٦) فى المخصص (١٨٩: ١٣): «أم جابر إياد، وقيل بنو أسد. وقيل إنما سموا بذلك لأنهم زراعون» وفى اللسان (٢٩٨: ١٤) أن أم جابر كنية للخبز وللسنبلة أيضا.
(٧) فى المزهر (٥١٧: ١): «وأم غرس ركية». وفى المرصع لابن الأثير أنها ركية لعبد اللّه بن قرة.
[ ١ / ٢٦ ]
وأمُّ خُرْمانَ: طريق (^١). وأم الهشيمة: شجرةٌ عظيمة مِنْ يابس الشَّجَر.
قال الفرزدق يصفُ قِدْرًا:
إذا أطْعِمَتْ أمَّ الهشيمة أرْزَمَتْ … كما أرزَمَتْ أمُّ الحُوَارِ المجلَّدِ (^٢)
وأمُّ الطَّعام: البَطْنِ. قال
ربَّيتُه وهو مثلُ الفرخ أعْظَمُهُ … أمُّ الطَّعَامِ تَرَى في جِلْدِهِ زَغَبَا (^٣)
قال الخليل: الأمَّة الدِّين، قال اللّه تعالى: ﴿إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾. وحكى أبو زيدٍ: لا أمَّة له، أى لا دينَ له. و
قال النبى ﵌ فى زيدِ بن عمرو بن نُفَيْل: «يُبْعَثُ أمَّةً وحْدَهُ».
وكذلك كلُّ مَنْ كان على دينٍ حقٍّ مخالفٍ لسائر الأَديان فهو أمَّة. وكلُّ قومٍ نُسبوا إِلى شئٍ وأُضيفوا إليه فهم أمَّة، وكلُّ جِيل من النَّاس أمَّةٌ على حِدَة. و
فى الحديث: «لولا أَنَّ هذه الكلابَ أمَّةٌ من الأمم لَأَمَرْتُ بقتلها، ولكن اقتُلُوا منها كلَّ أَسوَدَ بَهيم». فأمَّا قوله تعالى: ﴿كانَ اَلنّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ فقيل كانوا كفّارًا ﴿فَبَعَثَ اَللّهُ اَلنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾. وقيل: بل كان جميعُ مَنْ مع نوحٍ ﵇ فى السفينة مؤمنًا ثمَّ تفرقوا. وقيل: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ أى إمامًا يُهتدَى به، وهو سبب الاجتماع. وقد تكون الأمَّة جماعة العلماءِ، كقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ﴾
_________________
(١) فى المخصص: «ملتقى طريق حاج البصرة وحاج الكوفة».
(٢) انظر ديوانه ص ١٦٧.
(٣) البيت لامرأة من بنى هزان يقال لها أم ثواب. انظر الحماسة (٣١٦: ١) والكامل ١٣٦ - ١٣٧ ليبسك.
[ ١ / ٢٧ ]
﴿مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى اَلْخَيْرِ﴾ وقال الخليل: الأمَّة القَامَة، تقول العَرَب إنَّ فلانًا لَطويل الأُمَّة، وهم طِوال الأمَم، قال الأعشى:
وإِنَّ مُعاويةَ الأكرَمِينَ … حِسان الوُجوهِ طِوالُ الامَمْ
قال الكسائىّ: أمَّة الرجل بَدَنه ووجْهه. قال ابن الأعرابىّ: الامّة الطاعة، والرَّجلُ العالم. قال أَبو زيد: يقال إنّه لحسَنُ أمَّة الوجْه، يغزُون السّنَة (^١). ولا أمَّة لبنى فلانٍ، أى ليس لهم وجه يقصِدون إليه لكنهم يخْبِطون خَبْط عَشْواءَ. قال اللِّحيانىّ: ما أَحسن أمَّته أَى خَلْقه. قال أبو عُبيد: الأمّيّ فى اللغةِ المنسوبُ إلى ما عليه جِبِلة الناس لا يكتُب، فهو [فى] أَنّه لا يكتُبُ على ما وُلِدَ عليه. قال: وأَمَّا قول النَّابغة:
* وهَلْ يأْثَمْنَ ذو أمَّةٍ وهو طائِعُ * (^٢)
فمن رفَعه أراد سنّة ملكة، ومن جعله مكسورًا جعَله دِينًا من الائتمام، كقولك ائتم بفلان إِمَّةً. والامة فى قوله تعالى: ﴿وَاِدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أَى بعد حين. والإِمام: كلُّ من اقتُدِى به وقُدِّم فى الأمور. والنبىُّ ﷺ إمام الأئمة، والخليفة إِمام الرَّعية، والقرآن إِمام المسلمين. قال الخليل: الإمَّة النِّعمة. قال الأعشى:
_________________
(١) بغزون، أى يقصدون. وسنة الوجه: صورته.
(٢) صدره كما فى خمسة دواو بن العرب ٥٣: * حلفت ولم أترك لنفسك ربة *.
[ ١ / ٢٨ ]
* وأصابَ غزؤكَ إِمَّةً فأزالها (^١) *
قال ويقال للخَيطِ الذى يقوَّمُ عليه البِناءُ إِمام. قال الخليل: الأمام القدَّام، يقول صدرُك أَمامُك، رَفَعَ لأنَّه جعَله اسماء. ويقول أخوك أمامك نصب لأنه فى حال الصفة، يعنى به ما بين يديه. وأَمَّا قول لَبيد:
فغَدَتْ كِلَا الفَرْجَيْنِ تَحْسَبُ أَنَّه … مَوْلَى المخافةِ خَلْفُهَا وَأَمامُها
فإِنه ردَّ الخلف والأمام على الفرجين، كقولك كلا جانبيك مولى المخافة يمينك وشِمالُك، أَى صاحبها ووليُّهَا. قال أَبو زيد: امض يَمامِى فى معنى اِمض أَمامى. ويقال: يمامِى وَيمامتى (^٢). قال:
* فقُلْ جابَتِى لَبَّيكَ واسمَعْ يمامتى (^٣) *
وقال الأصمعىُّ: «أَمَامَها لقِيتْ أَمَةٌ عملَهَا» أَى حيثما توجَّهَتْ وجدَت عملًا. ويقولون: «أَمامك ترى أَثَرَك» أَى ترى ما قدَّمْت. قال أَبو عبيدة:
ومن أَمثالهم:
رُوَيْدَ تَبَيَّنْ مَا أمَامَةُ مِنْ هندِ *
(^٤)
_________________
(١) صدره كما فى الديوان ٢٧ واللسان (٢٨٩: ١٤): * ولقد جررت إلى الغنى ذا فاقة *.
(٢) فى الأصل. «فى معنى امض أمامتى وأمامى ويمامتى»، ووجهته بناء على ما فى اللسان (يمم).
(٣) الجابة: الجواب. وفى الأصل: «جانبى» صوابه فى اللسان. وعجزه. * وألين فراشى إن كبرت ومطعمى *.
(٤) هو عجز لبيت لعارق الطائى كما فى الحماسة (١٩٨: ٢) واللسان (٣٠: ١٤) ومعجم البلدان (١٠٥: ١) وصدره: * أيوعدنى والرمل بينى وبينه * وقد فسرت الأمامة بأنها الثلاثمائة من الإبل، والهند بأنها المائة.
[ ١ / ٢٩ ]
يقول: تثّبتْ فى الأَمر ولا تَعْجَل يتبيَّنْ لك. قال الخليل: الأَمَم الشئ اليسير الحقير، تقول فعلت شيئًا ما هو بأَمَمٍ ولا دُونٍ. والأمم: الشئ القريب المتناوَل. قال:
كوفِيَّةٌ نازحٌ مَحَلَّتُهَا … لا أَمَمٌ دارُها ولا صَقَبُ (^١)
قال أبو حاتم: قال أَبو زيد: يقال أَمَمٌ أَى [صغيرٌ و(^٢)] عظيم، من الأضداد. وقال ابن قميئة فى الصغير:
يا لَهْفَ نفسِى على الشَّباب ولم … أَفقِدْ به إذْ فَقَدْتُه أمَمَا (^٣)
قال الخليل: الأمَم: القصد. قال يونس: هذا أَمْرٌ مأمُومٌ يأخذْ * به الناس. قال أَبو عمرو: رجل مِئَمٌّ أَى يَؤُمُّ البلادَ بغير دليل. قال:
* احذَرْنَ جوَّاب الفلا مِئمَّا *
وقال اللّه تعالى: ﴿وَلَا آمِّينَ اَلْبَيْتَ اَلْحَرامَ﴾ جمع آمٍّ يؤمُّون بيتَ اللّه أَى يقصِدونه. قال الخليل: التيمُّم يجرى مجرى التوخّى، يقال له تيَمَّمْ أَمرًا حسَنا وتيمَّموا أَطيب ما عندكم تَصدَّقوا به (^٤). والتيمُّم بالصَّعيد من هذا المعنى، أَى توخَّوْا أَطيبَه وأَنظَفَه وتعمّدوه. فصار التيمُّم فى أفواه العامة فعلًا للتمسُّح بالصعيد، حتى يقولوا قد تَيمَّم فلان بالتُّراب. وقال اللّه تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ أى تعمَّدوا. قال:
_________________
(١) البيت لابن قيس الرقيات فى ديوانه ٧٦.
(٢) تكملة يقتضيها السياق.
(٣) أى لم أفقد به شيئًا صغيرًا، انظر الأضداد لابن الأنبارى ١٠٦.
(٤) فى الأصل: «وتيمم أطيب ما عندكم فصدقوا به»، تحريف.
[ ١ / ٣٠ ]
إِنْ تكُ خيِلى قد أُصيب صميمُها … فعمدًا على عَيْنٍ تيمَّمْتُ مالِكا (^١)
وتقول يمّمتُ فلانًا بسهمى ورُمحى، أى توخَّيته دونَ مَنْ سِواه؛ قال:
يمَّمتُه الرُّمحَ شزْرًا ثم قلتُ له … هذه المرُوَّةُ لا لِعْبُ الزَّحاليقِ (^٢)
ومن قال فى هذا المعنى أمّمته فقد أخطأ لأنه قال «شزْرًا» ولا يكون الشَّزْر إلاّ من ناحية، وهو لم يقصد به أمامه. قال الكسائىّ: الامامة الثمانون من الإبل (^٣). قال:
فمَنَّ وأعطانِى الجزيلَ وزادَنى … أُمَامَةَ يحدُوها إلىَّ حداتُها (^٤)
والأمّ: الرَّئيس، يقال هو أُمُّهم. قال الشّنْفَرى:
وأمُّ عِيالٍ قد شَهدتُ تَقُوتُهم … إذا أطعمَتهم أحْتَرَتْ وأَقلَّتِ (^٥)
أراد بأمّ العيال رئيسَهم الذى كان يقوم بأمرهم، ويقال إِنّه كان تأبَّط شرًّا.