لا يساورنى الريب أن «المقاييس» مِنْ أواخرِ مُؤلفاتِ ابن فارِس، فإن هذَا النضج اللغوى الذي يتَجلّى فيه، مِنْ دلائل ذلك، كما أن خمول ذكْرِ هذَا الكتَاب بين العُلماء والمؤلفين، مِنْ أدلة ذلك. ولو أنه أتيح له أن يحيا طويلًا فى زمان مُؤلفه لاستَولى على بعْضِ الشهرة الَّتى نالها صنوهُ «المجمل».
وأستَطيع أن أذهب أيضًا إلى أنه ألَّف «المقاييس» بعدَ تأليفه «المجمل»، فإن الناظرَ في الكِتابين يلمس القوة في الأول، ويجِد أن ابن فارسٍ في المجمل إذا حاول الكلام في الاشتِقاق فإنما يحاوله في ضعف والتواء، فهو في مادة (جن) مِنَ المجمل يقول: «وسميت الجن لأنها تتَّقى ولا ترَى. وهذا حَسَنٌ». فهو يعجبه أن يهتدى إلى اشتقاق كلمة واحدة من مادة واحدة، وليس يكون هذا شأنَ رجلٍ يكون قد وضع من قبلُ كتابًا فيه آلاف من ضروب الاشتقاق، بل هو كلام رجل لم يكن قد أوغل من قبل في هذا الفن.
وهو في المجمل يترك بعض مسائل اللغة على علاتها، على حين ينقدها في المقاييس.
نقدًا شديدًا. ففى المجمل: ويقال الأترور الغلام الصغير في قوله:
* مِنْ عامِلِ الشرطةِ والأترور *
[ المقدمة / ٤١ ]
وفي المقاييس: «وكذلك قولهم إن الأترور الغلام الصعير. ولولا وجداننا ذلك في كتبهم لكان الإعراض عنه أصوب. وكيف يصح شئ يكون شاهده مثل هذا الشعر:
أعوذ باللّه وبالأمير … من عامل الشرطة والأترور»
على أنى لو أمعنت في الموازنة بين المجمل والمقاييس لأعضد هذا الرأى، لاقتضانى ذلك أن أكتب كثيرًا. ولكن يستطيع القارئ بالنظر في الكتابين أن يذهب معى هذا المذهب.