على أن ابن فارس في كتابِه هذا «المقاييس»، قد بلغ الغاية في الحذق باللغة، وتكنُّه أسرارها، وفهم أصولها؛ إذ يردُّ مفرداتِ كلِّ مادة من مواد اللغة إلى أصولها المعنوية المشتركة فلا يكاد يخطئه التوفيق. وقد انفرد من بين اللغويين بهذا التأليف، لم يسبقه أحدٌ ولم يخلُفْه أحَد. وأرى أن صاحبَ الفضل في الإيحاء إليه بهذه الفكرة العبقرية هو الإمام الجليل أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد (^١)؛ إذ حاول في كتاب «الاشتقاق» أن يرد أسماء قبائل العرب وعمائرها، وأفخاذها وبطونها، وأسماء ساداتها وثُنيانها، وشعرائها وفرسانها وحكامها، إلى أصول لغوية اشتُقَّت منها هذه الأسماء. ويقول ابن دريد في مقدِّمة الاشتقاق: «ولم نتَعدَّ ذلك إلى اشتقاق أسماء صنوف النامى من نبات الأرض نجمِها وشجرِها وأعشابها ولا إلى الجماد من صخرها ومَدَرها وحَزْنها وسهلها؛ لأنا إن رُمْنا ذلك احتجنا إلى اشتقاق الأصول التى تشتق منها. وهذا ما لا نهاية له».
ومما هو بالذكر جدير، أن ابن فارسٍ كان يتأسّى بابن دريد في حياته العلمية والأدبية والتأليفية، وهو بلا ريب قد اطَّلع على هذه الإشارة من ابن دريد،
_________________
(١) ولد ابن دريد بالبصرة سنة ٢٢٣ وتوفى بعمان سنة ٣٢١.
[ المقدمة / ٢٣ ]
فحاول أن يقوم بما عجز عنه ابن دريد أو نكص عنه، فألَّف كتابه هذا المقاييسَ، يطرُد فيه قاعدة الاشتقاق فيما صحَّ لديه من كلام العرب.