فهو شاعر يقول الشعر ويرقّ فيه، حتى لَينم شعره عن ظَرفه وحسن تأتِّيه في الصنعة على طريقة شعراء دهره. وهو ملحٌّ في التهكم والسخرية، لا ينسى السخرية في الغزل فيقول (^١):
مرت بنا هيفاءُ مقدودةٌ … تُركيَّةٌ تُنمَى لتركىِّ
ترنو بطرف فاتن فاتر … كأنه حُجّة نحوىّ
فيجعل من حجة النحوي في ضعفها على ما يراه، شبها لطرف صاحبته الفاتن الفاتر. وهو يستعملها في تصوير حظوظ العلماء والأدباء إذ يقول:
وصاحبٍ لى أتانى يستشير وقد … أرادَ في جنَبات الأرض مُضطرَبَا (^٢)
قلتُ اطَّلِبْ أيَّ شئ شئتَ واسْعَ ورِد … منه المَواردَ إلاَّ العلمَ والأدبا
_________________
(١) ياقوت، والثعالبى، وابن خلكان، واليافعى، وابن العماد في شذرات الذهب.
(٢) ياقوت والثعالبى.
[ المقدمة / ١١ ]
وهو يتبرم بهمَذان والعيشِ فيها، فيرسم حياته فيها على هذَا النحو الساخر البديع:
سقى همذانَ الغيثُ لستُ بقائل … سوى ذا وفي الأحشاء نار تَضرّمُ (^١)
وما لى لا أُصفِى الدُّعاءَ لبلدةٍ … أفدتُ بها نسيانَ ما كنتُ أَعلم
نَسِيت الذي أحسنتُه غير أننى … مَدِينٌ وما في جوف بيتىَ درهم
وهو صاحبُ حملة ما جنة على من يزهدون فِي الدِّينار والدِّرهم، ويطلبون المجد في العلم والعقل، أنشد البِيرونى له (^٢):
قد قال فيما مضى حكيم … ما المرء إلا بأصغريه
فقلت قول امرئ لبيبٍ … ما المرء إِلا بدرهميه
من لم يكن مَعْهُ درهماه … لم تلتفت عِرسُه إِليه
وكان من ذُلِّهِ حقِيرا … تبول سنَّورُه عليه
ولابن فارس التفات عجيب إلى السنور، وقد سجل في غير هذا الموضع من شعره أنه كان يصطفى لنفسه هرة تلازمه، وتنفى عنه هموم قلبه ووساوس النفس:
وقالوا كيف أنت فقلت خيرٌ … تُقَضَّى حاجةٌ وتفوت حاجُ
إِذا ازدحمت همومُ القلب قلنا … عَسى يوما يكون لها انفراجُ
نديمى هِرّتى وسرور قلبى … دفاتر لى ومعشوقى السراج (^٣)
وهو بصير ذو خبرة بطبائع الناس، واستئسارهم للمال، وخضوعهم له:
إذا كنت في حاجة مرسِلا … وأنت بها كَلِفٌ مغرمُ
_________________
(١) ياقوت، والثعالبى، وابن خلكان، وابن العماد.
(٢) الآثار الباقية ص ٣٣٨ وياقوت.
(٣) يتيمة الدهر، ودمية القصر، ونزهة الألباء، والمنتظم، وياقوت، وابن خلكان، واليافعى، وابن العماد.
[ المقدمة / ١٢ ]
فأَرسِلْ حكيما ولا توصِهِ … وذاك الحكيم هو الدرهم (^١)
ويقول:
عتبتُ عليه حين ساء صنيعه … وآليت لا أمسيتُ طَوع يديه
فلما خَبَرت الناس خُبر مجرِّب … ولم أر خيرًا منه عدت إِليه (^٢)
ويقول أيضا:
يا ليت لى ألف دينارٍ موجَّهةً … وأن حظىَ منها حظُّ فَلاّسِ (^٣)
قالوا فما لَكَ منها، قلت تخدمُنى … لها ومنَ أجلها الحمقى من الناس (^٢)
ويستعمل التهكم في أمور أخرى إذ يقول لمن يتكاسل في طِلاب العلم:
إذا كان يؤذيك حر المصيف … ويُبْس الخريف وبردُ الشتا
ويلهيك حُسنُ زمان الربيع … فأخذك للعلم قل لى متى (^٤)
ولمن يقدِّر لأمر الدُّنيا، ويَجْرى القضاءُ بخلاف ما قدَّر:
تَلَبَّسْ لباسَ الرضا بالقضا … وخلِّ الأمورَ لمن يَملِكُ
تقدِّرُ أنت وجارِى القضا … ءِ مما تقدِّرُه يَضحكُ (^٥)
وروى له الثعالبى في خاص الخاص ١٥٣:
اسمع مقالة ناصح … جمع النصيحة والمقه
إياك واحذر أن تكو … ن من الثقات على ثقه