جرى ابن فارس على طريقة فاذَّةٍ بين مؤلفى المعاجم، فى وضع معجميه: المجمل والمقاييس. فهو لم يرتِّب موادهما على أوائل الحروف وتقليباتها كما صنع ابن دريد فى الجمهرة، ولم يطردها على أبواب أواخر الكلمات، كما ابتدع الجوهرى في الصحاح، وكما فعل ابن منظور والفيروز ابادىّ في معجميها، ولم ينَسُقْها على أوائل الحروف فقط كما صنع الزمخشرى في أساس البلاغة، والفيومى في المصباح المنير.
ولكنه سلك طريقًا خاصَّا به، لم يفطن إليه أحد من العلماء ولا نَبَّه عليه. وكنت قد ظننت أنه لم يلتزم نظامًا في إيراد المواد على أوائل الحروفِ وأنه ساقها في أبوابها هملًا على غير نظام. ولكنى بتتبُّع المجمل والمقاييس ألفَيْته يلتزم النظامَ الدقيق التالى:
١ - فهو قد قسم مواد اللغة أوَّلًا إلى كتب، تبدأ بكتاب الهمزة وتنتهى بكتاب الياء.
[ المقدمة / ٤٢ ]
٢ - ثم قسم كل كتاب إلى أبواب ثلاثة أولها باب الثنائى المضاعف والمطابق، وثانيها أبواب الثلاثى الأصول من المواد، وثالثها بابُ ما جاء على أكثر من ثلاثة أحرفٍ أصلية.
٣ - والأمر الدقيق في هذا التقسيم أن كل قسم من القسمين الأوَّلين قد التُزم فيه ترتيب خاص، هو ألا يبدأ بعد الحرفِ الأوَّل إلا بالذى يليه، ولذا جاء بابُ المضاعف في كتاب الهمزة، وباب الثلاثى مما أوله همزة وباء مرتبًا ترتيبًا طبيعيًا على نسق حروفِ الهجاء.
ولكن في «باب الهمزة والتاء وما يثلثهما» يتوقع القارئ أن يأتى المؤلف بالمواد على هذا الترتيب: (أتب، أتل، أتم، أتن، أته، أتو، أتى)، ولكن الباء في (أتب) لا تلى التاء بل تسبقها، ولذلك أخرها في الترتيب إلى آخر الباب فجعلها بعد مادة (أتى).
وفي باب التاء من المضاعف يذكر أوَّلًا (تخ) ثم (تر) إلى أن تنتهى الحروف، ثم يرجع إلى التاء والباء (تب)، لأن أقرب ما بلى التاء من الحروفِ في المواد المستعملة هو الخاء.
وفي أبواب الثلاثى من التاء لا يذكر أولًا التاء والهمزة وما يثلثهما، بل يؤخر هذا إلى أواخر الأبواب، ويبدأ بباب التاء والجيم وما يثلثهما، ثم باب التاء والحاء وما يثلثهما، وهكذا إلى أن ينتهى من الحروف، ثم يرجع أدراجه ويستأنف الترتيب من باب التاء والهمزة وما يثلتهما. وذلك لأن أقرب ما يلى التاء من الحروفِ في المواد المستعملة هو الجيم. وتجد أيضًا أن الحرفَ الثالث يراعى
[ المقدمة / ٤٣ ]
فيه هذا الترتيب، ففى باب التاء والواو وما يثلثهما يبدأ ب (توى) ثم (توب) ثم (توت) إلى آخره، وذلك لأن أقرب الحروفِ التى تلى الواو هو الياء.
وفي باب الثاء من المضاعف لا يبدأ بالثَّاء والهمزة ثم بالثَّاء والباء، بل يرجئ ذلك إلى أواخر الأبواب، ويبدأ بالثَّاء والجيم (ثج)، ثم بالثَّاء والراء (ثر) إلى أن تنتهى الحروف، ثم يستَأنف الترتيب بالثَّاء والهمزة (ثأ) ثم بالثَّاء والبَاء (ثب).
وفي أبواب الثلاثى من الثَّاء لا يبدأ بالثَّاء والهمزة وما يثلثهما ثم يعقّب بالثَّاء والباء وما يثلثهما، بل يدع ذلك إلى أواخر الأبواب؛ فيبدأ بالثَّاء والجيم وما يثلثهما إلى أن تنتهى الحروف، ثم يرجع إلى الأبواب التى تركها. وتجد أيضًا أن الحرف الثَّالث يراعى فيه الترتيب. ففى باب الثَّاء واللام وما يثلثهما يكون هذا الترتيب (ثلم، ثلب، ثلث ثلج) … الخ.
وفي باب الجيم من المضاعف يبدأ بالجيم والحاء (جح) إلى أن تنتهى الحروف (جو) ثم ينسقُ بعد ذلك (جأ، جب).
وفي أبواب الثلاثى من الجيم يبدأ بباب الجيم والحاء وما يثلثهما إلى أن تنتهى الحروف، ثم يذكر باب الجيم والهمزة وما يثلثهما، ثم باب الجيم والباء، ثم الجيم والثَّاء، مع مراعاة الترتيب في الحرف الثَّالث، ففى الجيم والنون وما يثلثهما يبدأ أوَّلًا ب (جنه) ثم (جنى) ويعود بعد ذلك إلى (جنأ، جنب، جنث) الخ.
هذا هو الترتيب الذي التزمه ابن فارس في كتابيه «المجمل» و«المقاييس».
وهو بِدْع كما ترى.
[ المقدمة / ٤٤ ]