وقد بلغ من حبه للغة وعشقه لها، أن ألَّف فيها ضروبًا من التأليف، وكان يستحث عزيمة معاصريه من الفقهاء أن ينهضوا بتعرُّف اللغة والتبحر فيها، وألف لهم فنًا من الإلغاز سماه «فتيا فقيه العرب»، يضع لهم مسائل الفقه ونحوَها فى معرض اللغة. ولعل الإمام الشافعى أول من عرف بهذا الضرب من المعاياة اللغوية الفقهية (^٢).
قال السيوطى، عند الكلام على فتيا فقيه العرب: «وقد ألف فيه ابن فارس تأليفًا لطيفًا في كراسة، سماه بهذا الاسم. رأيته قديمًا وليس هو عندى الآن».
وقد أجمع المترجمون لابن فارس على أن الحريرى في المقامة الثانية والثلاثين (الطَّيْبيَّة) قد اقتبس من ابن فارسٍ ذلك الأسلوب، فى وضع المسائل الفقهية بمعرض اللغة.
ويصوِّر لنا القفطى في إنباه الرواة صدق دعوته للغة بقوله: «وإذا وجد فقيهًا، أو متكلمًا، أو نحويًا، كان يأمر أصحابه بسؤالهم إياه، ويناظره في مسائل
_________________
(١) انظر المقاييس (جعم ٤٦١ س ١٠ - ١١، ٤٦٢ س ١ - ٢) و(حلز س ١ - ٢) وص ٤٦٤ س ٥ - ٦.
(٢) انظر نماذج شتى من فتياه في نهاية الجزء الأول من مزهر السيوطى. على أن من أقدم من ألف في فن الإلغاز اللغوى، ابن دريد، وكتابه «الملاحن» قد طبع في القاهرة ١٣٤٧ بالمطبعة السلفية.
[ المقدمة / ٢٢ ]
من جنس العلم الذي يتعاطاه، فإن وجده بارعًا جَدِلًا جَرَّه في المجادلة إلى اللغة فيغلبه بها. وكان يحثُّ الفقهاء دائمًا على معرفة اللغة، ويلقى عليهم مسائل ذكرها فى كتاب سماه فتيا فقيه العرب، ويخجلهم بذلك؛ ليكون خجلهم داعيًا إلى حفظ اللغة. ويقول: من قصر علمه فى اللغة وغولط غلط».