والبعوض على خلقة الفيل- كما ذكر الدّميرى- إلا أنه أكثر منه أعضاء، فإن للفيل أربع أرجل وخرطوما، وذنبا، وله مع هذه الأعضاء رجلان زائدتان، وأربعة أجنحة.
وخرطوم الفيل مصمت، وخرطومه مجوّف نافذ للجوف، فإذا طعن به جسد الإنسان استقى الدم وقذف به إلى جوفه، فهو له كالبلعوم والحلقوم؛ ولذلك اشتد عضّها وقويت على خرق الجلود الغلاظ، قال الراجز:
مثل السّفاة «١» دائما طنينها ركّب فى خرطومها سكينها
ومما ألهمه الله تعالى أنه إذا جلس على عضو من أعضاء الإنسان لا يزال يتوخى بخرطومه المسامّ التى يخرج منها العرق لأنها أرق بشرة من جلد الإنسان؛ فإذا وجدها وضع خرطومه فيها.
وفيه من الشّره أن يمصّ الدم إلى أن ينشق ويموت، أو إلى أن يعجز عن الطيران، فيكون ذلك سبب هلاكه.
ومن عجيب أمره أنه ربما قتل البعير، وغيره من ذوات الأربع؛ فيبقى طريحا فى الصحراء.
وكان بعض الجبابرة من الملوك بالعراق يعذّب بالبعوض، فيأخذ من يريد قتله فيخرجه مجردا إلى مكان تحيط به الأشجار الكثيفة الملتفة ويتركه فيها مكتوفا فيقتل فى أسرع وقت، وأقرب زمان! وما ألطف ما قال بعضهم:
_________________
(١) السّفاة: التراب يذهب مع الريح.
[ ٩٧ ]
لا تحقرنّ صغيرا فى عداوته إن البعوضة تدمى مقلة «١» الأسد
ويقول العلم: إن البعوض من الحشرات صغيرة الحجم، جهازها الفموى يضم قناتين أولاهما- لمص دم ضحاياها، والثانية: لكى تحقنها فى الوقت ذاته بسائل مهيج تفرزه الغدد اللعابية.
ويعيش البعوض فى الماء الراكد، وينقل الأمراض للإنسان كالحمى الصفراء، والملاريا، وحمى الأيام الثلاثة. وصغاره «دعاميص» وواحدها: «دعموص» .
وبعض أنواع البعوض يمتص دم الطيور، وبعضها يمص دم الضفيدعات، وأما ألد أعدائها فهو الإنسان والعصافير والأسماك.
وقد عجب الكفار والمنافقون عندما ضرب الله مثلا مّا بعوضة فما فوقها.
وفاتهم أن الله رب الصغير والكبير، وخالق البعوضة والفيل، والمعجزة فى البعوضة هى ذاتها المعجزة فى الفيل! إنها معجزة الحياة.. معجزة السر المغلق.
فها هى ذى ألوان من الحشرات منتشرة فى الأرض!
وها هو ذا الإنسان ينتشر فى الأرض!
وكلاهما يجتمع على طعام واحد، وإذن لا بد من تعارض منافع، ومن صراع!
ومن الحشرات ما يتخذ الإنسان طعاما!
أليست البعوضة تستقى من دمه؟!
ألا يشاركها فى التطفل القمل والبق والبرغوث؟!
ويجود الإنسان بدمه- على طهارة وبراءة- ولكن هذه الحشرات قد تحمل إليه الأمراض بما تحمل من مكروبات!
فسبحان الله الخالق المصور.