قبل أن يهتم العلم الحديث بالحيوان، ويخصص له الدراسات المستقلة- كان القران الكريم قد سبق بالدعوة إلى دراسته، وتوجيه النظر إلى ملاحظته، ومتابعته، ومراقبته، وتأمل حياته، للوقوف على بعض أسرار معيشته، وما يتاح للإنسان من بدائع حياته.
وإلى جانب هذا دعا الرسول الكريم إلى الرفق بالحيوان وحمايته من ظلم الإنسان، والشفقة عليه، وإطعامه متوعّدا من يعذبه أو يحبسه دون إطعام بعذاب النار.
ولا عجب؛ فإن الرفق- بصفة عامة- مبدأ إسلامى، وحسبنا فى هذا الصدد ما رواه البخارى ومسلم من حديث عائشةرضي الله عنها-:
«إن الله رفيق يحبّ الرفق فى الأمر كله» «١» .
_________________
(١) صحيح: البخارى فى صحيحه باب الاستئذان (٢٢)، ومسلم كتاب البر (٤٧) .
[ ٥ ]
وفى رواية مسلم: «إن الله رفيق يحبّ الرّفق، ويعطى على الرفق ما لا يعطى على العنف، وما لا يعطى على سواه» .
وروى مسلم بسنده: «إن الرفق لا يكون فى شىء إلّا زانه، ولا ينزع من شىء إلا شانه» «١» .
والأحاديث فى ذلك كثيرة كلها تنص على أن الرفق مبدأ إسلامى، يا بنى عليه التشريع الإسلامىّ قواعده وأصوله.
وإذا كانت أول «جمعية للرفق بالحيوان» قد تأسست فى انجلترا عام ١٨٢٤ م، فإن الإسلام قد سبق ذلك بقرون، فضلا عن اختلاف النظرتين إلى الحيوان؛ فنظرة تلك الجمعيات تقوم على أسس أخلاقية، وقواعد إنسانية عامة، ولا تقوم على أسس تشريعية، وليس لها خلفية فقهية تنظم مسائلها، وترتب عليها الثواب لفاعلها، والعقاب لمخالفها كما فعلت الشريعة الإسلامية.
وحسبك أن تفتح كتابا من كتب الفقه الإسلامى لتجد الفقهاء قد تناولوا فى «باب الطهارة»:
(سؤر ما يؤكل لحمه- سؤر البغل والحمار وجوارح الطير- سؤر الهرة- سؤر الكلب والخنزير) .
ونراهم بعد هذا تناولوا فى «باب النجاسة»:
(الميتة- الدم- لحم الخنزير- بول وروث ما لا يؤكل لحمه- الجلّالة- الكلب- تطهير جلد الميتة) .
ونراهم فى «باب الزكاة» يتحدثون عن «زكاة الحيوان» ويفردون لكل صنف بابا على حدة، ويحدّدون نصاب كلّ نوع منها سواء فى ذلك الأنعام وغيرها: فقد تضمنت كتب الفقه:
(زكاة الإبل- زكاة البقر- زكاة الغنم- زكاة غير الأنعام) .
_________________
(١) صحيح: مسلم كتاب البر (٢٥٩٤)، وأحمد (٦/ ١٢٥) .
[ ٦ ]
ونراهم فى الحج يفردون بابا للهدى يتناولون فيه:
(الأفضل فيه- ما يجزئ فى الهدى- متى تجب البدنة- شروط الهدى- مكان الذبح- استحباب نحر الإبل- وذبح غيرها) .
وفى «باب الحدود» نراهم يتحدثون عن: إتيان البهيمة.
وفى «باب الجنايات» نراهم يتناولون:
(ضمان صاحب الدابة- ضمان القائد والراكب والسائق- الدابة الموقوفة- ضمان ما أتلفته المواشى- ضمان ما أتلفته الطيور- ضمان ما أصابه الكلب أو الهر) .
وفى «باب الإجارة» نراهم يتناولون: استئجار الدواب.
وفى «باب الأطعمة» نراهم يتناولون: المحلل من الحيوان البحرى، والمحلل من الحيوان البرى، وما نص الشارع على حرمته، والمسكوت عنه، وإباحة كل ما حرم عند الاضطرار والزكاة الشرعية (الذبح)، وما يجب فيها، وذبائح أهل الكتاب، وما يكره فيها.
ثم يفردون بابا للصيد يتناولون فيه:
(الصيد الحرام- شروط الصائد- الصيد بالسلاح الجارح وبالحيوان- شروط الصيد بالسلاح- شروط الصيد بالجوارح- إدراك الصيد حيّا- وجوده ميّتا بعد إصابته) .
ويفردون بابا للأضحية يتناولون فيه:
(حكمتها- مم تكون- ما لا يجوز أن يضحى به- وقت الذبح- كفاية أضحية واحدة عن البيت الواحد- توزيع لحم الأضحية) .
وإلى جانب الأضحية يفردون بابا للعقيقة.
وفى «باب المسابقة» نراهم يتحدثون عن:
(حرمة إيذاء الحيوان- التحرش بين البهائم) .
[ ٧ ]
وفى «باب النفقة» نراهم يتحدثون عن نفقة الحيوان، كما تحدثوا عن نفقة الأقرباء سواء بسواء.
ولا يكاد يخلو باب من أبواب الفقه الإسلامى من ذكر أحكام الحيوان لأهميته فى الحياة، ونفعه للإنسان، وتعاونه معه فى عمارة الكون، واستمرار الحياة، ومن هنا كان الحيوان ملء السمع والبصر فى كثير من مجالات التشريع الإسلامى.
ومما يشير إلى اهتمام القران بعالم الحيوان أنه أطلق أسماء بعض أصنافه على بعض سوره الشريفة، فأولى سور القران بعد فاتحة القران هى «سورة البقرة» .
وهناك «سورة الأنعام» و«سورة النحل» و«سورة النمل» و«سورة العنكبوت» و«سورة العاديات» و«سورة الفيل» .
وقد تكرر ذكر الدابة فى ايات القران الكريم، وذكرت الحيوانات بأسماء أصنافها، وتكرر ذكر الطير عشرين مرة فى القران الكريم، وذكر بعض أنواع من الطير مثل: الغراب والهدهد.
وذكر من الحشرات: النمل، والذباب، والجراد، والثعبان، والعنكبوت، والقمل، والضفادع، والحية، والنحل.
ولقد ذكر القران الكريم اللحم الطرى الذى يوجد فى البحار، وهو السمك، ومن أنواعه الحوت الذى ذكره خمس مرات.
وإن دلّ هذا على شىء فإنما يدل على ما للحيوان من أهمية فى حياة الإنسان الذى نزل من أجل هدايته القران!.