البعير: هو ذكر الإبل وأنثاه عند دخول السنة الخامسة، ويجمع على أبعرة، وبعران. والبعير من الإبل بمنزلة الإنسان من الناس.
وسمى بعيرا لأنه يبعر: يقال بعر البعير يبعر (بفتح العين فيهما) بعرا (بإسكان العين) .
قال ابن السّكيت: وهو اسم يقع على الذكر والأنثى وهو من الإبل بمنزلة الإنسان من الناس، فالجمل بمنزلة الرجل والناقة بمنزلة المرأة، والقعود بمنزلة الفتى والقلوص بمنزلة الجارية.
وإليك ما جاء بشأنه فى الحديث النبوى الشريف:
[٧٩] عن ابن عمررضي الله عنهما- قال: «بعث النّبىّ ﷺ سرية قبل نجد، فكنت فيها فبلغت سهامنا اثنى عشر بعيرا، ونفّلنا بعيرا «١» بعيرا فرجعنا بثلاثة عشر بعيرا» «٢» .
[٨٠] عن أبى هريرةرضي الله عنه- عن النبى ﷺ قال:
«يحشر النّاس على ثلاث طرائق، راغبين وراهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير وأربعة على بعير وعشرة على بعير، ويحشر بقيّتهم النّار تقيل معهم «٣» حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسى معهم حيث أمسوا» «٤» .
_________________
(١) أى زادهم على سهامهم بعيرا.
(٢) حديث صحيح.. رواه البخارى فى كتاب المغازى- باب السرية التى قبل نجد (٥/ ٢٠٣) .
(٣) تقيل معهم: من القيلولة: وهى نومة نصف النهار، أو الاستراحة فيه وإن لم يكن نوم.
(٤) حديث صحيح.. رواه البخارى فى كتاب الدعوات- باب كيف يحشر الناس (٨/ ١٣٥) .
[ ٨٠ ]
[٨١] عن رافع بن خديجرضي الله عنه- قال: «كنّا نصلّى مع النّبىّﷺ- العصر فننحر جزورا، فتقسم عشر قسم، فنأكل لحما نضيجا قبل أن تغرب الشّمس» «١» .
[٨٢] عن حكيم بن حزامرضي الله عنه- «أنّه أعتق فى الجاهلية مائة رقبة، وحمل على مائة بعير فلمّا أسلم حمل على مائة بعير وأعتق مائة رقبة قال: فسألت رسول الله ﷺ فقلت:
يا رسول الله ﷺ أرأيت أشياء كنت أصنعها فى الجاهليّة، كنت أتحنّث بها «٢» - يعنى أتبرّر بها- قال: فقال رسول الله ﷺ: أسلمت على ما سلف لك من خير» «٣» .
[٨٣] عن أنسرضي الله عنه- قال: «قدم النبىّ ﷺ خيبر، فلما فتح الله عليه الحصن، ذكر له جمال صفية بنت حيىّ بن أخطب، وقد قتل زوجها وكانت عروسا، فاصطفاها رسول الله ﷺ لنفسه، فخرج بها حتى بلغنا سدّ الروحاء حلّت «٤» فبنى بها، ثم صنع حيسا «٥» فى نطع صغير، ثم قال رسول الله ﷺ اذن من حولك، فكانت تلك وليمة رسول الله ﷺ على صفية، ثم خرجنا إلى المدينة.
قال: فرأيت رسول الله ﷺ يحوّى لها وراءه «٦» بعباءة ثم يجلس عند بعيره فيضع ركبته فتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب» «٧» .
_________________
(١) حديث صحيح.. رواه البخارى فى كتاب الشركة فى الطعام (٣/ ١٨٠) .
(٢) أتحنث بها: أى أتقرب بها إلى الله.
(٣) حديث صحيح.. رواه البخارى فى أبواب العتق وفضله- باب عتق المشرك (٣/ ١٩٣) .
(٤) حلت: أى طهرت من حيضها.
(٥) الحيس: هو الطعام المتخذ من التمر والأقط والسمن، وقد يجعل عوض الأقط الدقيق.
(٦) يحوى لها وراءه: التحوية: أن يدير كساء حول سنام البعير ثم يركبه.
(٧) حديث صحيح.. رواه البخارى فى كتاب البيوع- باب هل يسافر بالجارية قبل أن يستبرئها (٣/ ١١٠)، وفى كتاب الجهاد والسير- من غزا بصبى للخدمة (٤/ ٤٣) .
[ ٨١ ]
[٨٤] عن أم الفضل بنت الحارث «أن ناسا اختلفوا عندها يوم عرفة فى صوم النبى ﷺ فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم:
ليس بصائم، فأرسلت إليه بقدح لبن وهو واقف على بعيره فشربه» «١» .
[٨٥] عن ابن عبّاسرضي الله عنهما- قال: «طاف النّبىّ ﷺ فى حجة الوداع على بعير يستلم الرّكن بمحجن «٢»» «٣» .
[٨٦] عن عبّاد بن تميم: «أن أبا بشير الأنصارىرضي الله عنه أخبره أنه كان مع رسول الله ﷺ فى بعض أسفاره والناس فى مبيتهم فأرسل رسول الله ﷺ رسولا ألايبقينّ فى رقبة بعير قلادة من وتر «٤» أو قلادة إلا قطعت» «٥» .
[٨٧] عن أبى موسىرضي الله عنه- قال: «خرجنا مع النبى ﷺ فى غزاة ونحن ستّة نفر بيننا بعير نعتقبه «٦»، فنقبت أقدامنا «٧» ونقبت قدماى وسقطت أظفارى، وكنا نلف على أرجلنا الخرق فسمّيت غزوة ذات الرّقاع لما كنّا نعصب من الخرق على أرجلنا» «٨» .
[٨٨] عن أبى حميد الساعدى قال: «غزونا مع رسول الله ﷺ
_________________
(١) حديث صحيح.. رواه البخارى فى كتاب الحج- باب الوقوف على الدابة بعرفة (٢/ ١٩٨- ١٩٩)، وفى كتاب الصوم- باب صوم يوم عرفة (٣/ ٥٥)، وفى كتاب المغازى- باب غزوة الفتح فى رمضان (٥/ ١٨٥- ١٨٦)، ومسلم فى كتاب الصيام باب استحباب الفطر للحاج بعرفات يوم عرفة (٣/ ١٤٥- ١٤٦) .
(٢) المحجن: عصا محنية الرأس، والحجن الاعوجاج، والمراد أنه يومئ بعصاه إلى الركن حتى يصيبه.
(٣) حديث صحيح.. رواه البخارى فى كتاب الحج- باب استلام الركن بالمحجن (٢/ ١٨٥)، وباب التكبير عند الركن (٢/ ١٨٦)، وباب المريض يطوف راكبا (٢/ ١٩٠) .
(٤) قال ابن حجر فى الفتح: وتر هى كذلك فى جميع الروايات، وقال ابن الجوزى: ربما صحف من لا علم له بالحديث فقال: وبر، ولكن الداودى جزم بذلك، وقال: وهو ما ينزع عن الجمال يشبه الصوف.
(٥) حديث صحيح.. رواه البخارى فى كتاب الجهاد والسير- باب ما قيل فى الجرس ونحوه فى أعناق الإبل (٤/ ٧١) .
(٦) نعتقبه: أى نتعاقب فى الركوب عليه واحدا بعد الاخر بالتناوب.
(٧) نقبت أقدمنا: أى قرحت وجرحت من الحفاء.
(٨) حديث صحيح.. رواه البخارى فى كتاب المغازى- باب غزوة ذات الرقاع (٥/ ١٤٥)، ومسلم فى كتاب الجهاد والسير- باب غزوة ذات الرقاع (٥/ ٢٠٠) .
[ ٨٢ ]
غزوة تبوك فلما جاء وادى القرى إذا امرأة فى حديقة لها، فقال النبى ﷺ لأصحابه: اخرصوا «١»، وخرص رسول الله ﷺ عشرة أوسق، فقال لها: أحصى ما يخرج منها، فلما أتينا تبوك قال: أما إنها ستهب الليلة ريح شديدة فلا يقومنّ أحد، ومن كان معه بعير فليعقله، فعقلناها، وهبت الريح شديدة، فقام رجل فألقته بجبل طيّئ، وأهدى ملك أيلة «٢» للنبى ﷺ بغلة بيضاء، وكساه بردا، وكتب له ببحرهم، فلما أتى وادى القرى قال للمرأة: كم جاء حديقتك؟ قالت: عشرة أوسق خرص رسول الله ﷺ، فقال النبى ﷺ: إنى متعجل إلى المدينة فمن أرد منكم أن يتعجل معى فليتعجل- فلما قال ابن بكار كلمة معناها أشرف على المدينة- قال: هذه طابة، فلما رأى أحدا قال: هذا جبيل يحبّنا ونحبه، ألا أخبركم بخير دور الأنصار؟ قالوا:
بلى قال: دور بنى النجار، ثم دور بنى عبد الأشهل، ثم دور بنى ساعدة، أو دور بنى الحارث بن الخزرج وفى كل دور الأنصار يعنى خير» «٣» .
[٨٩] عن عمران قال: «كنّا فى سفر مع النّبىّ ﷺ وإنّا أسرينا «٤» حتى كنّا فى اخر اللّيل وقعنا وقعة ولا وقعة أحلى عند المسافر منها، فما أيقظنا إلا حرّ الشّمس، وكان أوّل من استيقظ فلان، ثم فلان، ثم فلان يسميهم أبو رجاء فنسى عوف- ثم عمر بن الخطاب الرابع، وكان
_________________
(١) أى احرزوها، كم يجىء من ثمرها.
(٢) طيئ: مكان كانت تعيش به قبيلة من اليمن، وطيئ هو أبو هذه القبيلة. أيلة: بلدة قديمة بساحل البحر.
(٣) حديث صحيح.. رواه البخارى فى كتاب الزكاة- باب خرص التمر (٢/ ١٥٥)، ومسلم فى كتاب الفضائل- باب معجزات النبى ﷺ (٧/ ٦١) . فى الحديث بيان المعجزة الظاهرة من إخباره ﷺ بالمغيب، وخوف الضرر من القيام وقت الريح.
(٤) أسرينا: أى سرنا ليلا.
[ ٨٣ ]
النبى ﷺ إذا نام لم يوقظ حتى يكون هو يستيقظ، لأنّا لا ندرى ما يحدث له فى نومه، فلما استيقظ عمر ورأى ما أصاب النّاس وكان- رجلا جليدا «١» - فكبّر ورفع صوته بالتّكبير فما زال يكبّر ويرفع صوته بالتكبير حتى استيقظ بصوته النبى ﷺ فلما استيقظ شكوا إليه الّذى أصابهم قال: «لا ضير «٢» - أو لا يضير- ارتحلوا»، فارتحل فسار غير بعيد، ثم نزل فدعا بالوضوء، فتوضأ، ونودى بالصّلاة فصلى بالنّاس، فلما انفتل من صلاته إذ هو برجل معتزل لم يصل مع القوم قال: ما منعك يا فلان أن تصلى مع القوم؟ قال: أصابتنى جنابة ولا ماء
قال: عليك بالصّعيد فإنه يكفيك، ثم سار النبى ﷺ فاشتكى إليه الناس من العطش فنزل فدعا فلانا- كان يسميه أبو رجاء نسيه عوف- ودعا عليّا فقال: اذهبا فابتغيا الماء، فانطلقا فتلقيا امرأة بين مزادتين «٣» أو سطيحتين من ماء على بعير لها فقالا لها: أين الماء؟ قالت: عهدى بالماء أمس هذه الساعة ونفرنا «٤» خلوفا «٥» قالا لها: انطلقى إذا. قالت: إلى أين؟ قالا: إلى رسول الله ﷺ. قالت: الذى يقال له: الصّابئ. قالا:
هو الذى تعنين فانطلقى. فجاا بها إلى النبى ﷺ وحدثاه الحديث قال:
فاستنزلوها عن بعيرها، ودعا النّبىّ ﷺ بإناء ففرغ فيه من أفواه المزادتين أو السطيحتين، وأوكأ أفواههما وأطلق العزالى ونودى فى الناس: اسقوا واستقوا، فسقى من شاء، واستقى من شاء وكان اخر ذاك أن أعطى الذى أصابته الجنابة إناء من ماء قال: اذهب فأفرغه عليك، وهى قائمة تنظر
_________________
(١) رجلا جليدا: هو من الجلادة بمعنى الصلابة.
(٢) لا ضير: أى لا ضرر.
(٣) مزادتين: المزادة قربة كبيرة وتسمى السطيحة.
(٤) النفر: هو ما دون العشرة.
(٥) خلوف: جمع خالف، وقال ابن فارس: الخالف المستقى.
[ ٨٤ ]
ما يفعل بمائها، وايم الله لقد أقلع عنها وإنه ليخيل إلينا أنها أشد ملأة منها حين ابتدأ فيها. فقال النبى ﷺ اجمعوا لها.. فجمعوا لها من بين عجوة ودقيقة وسويقة حتى جمعوا لها طعاما فجعلوها فى ثوب وحملوها على بعيرها ووضعوا الثوب بين يديها، قال لها: تعلمين ما رزئنا من مائك شيئا ولكن الله هو الذى أسقانا، فأتت أهلها وقد احتبست عنهم قالوا:
ما حبسك يا فلانة؟ قالت: العجب لقينى، رجلان فذهبا بى إلى هذا الذى يقال له: الصّابئ ففعل كذا وكذا، فو الله إنه لأسحر النّاس من بين هذه وهذه- وقالت بإصبعها الوسطى والسبابة- فرفعتهما إلى السماء- تعنى السماء والأرض- أو إنه لرسول الله حقا، فكان المسلمون بعد ذلك يغيرون على من حولها من المشركين ولا يصيبون الصّرم «١» الذى هى منه، فقالت يوما لقومها. ما أرى أن هؤلاء القوم يدعونكم عمدا فهل لكم فى الإسلام، فأطاعوها فدخلوا فى الإسلام» «٢» .
[٩٠] عن عائشة زوج النبى ﷺ قالت: «خرجنا مع رسول الله ﷺ فى بعض أسفاره «٣»، حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لى، فأقام رسول الله ﷺ على التماسه «٤»، وأقام النّاس معه وليسوا على ماء، فأتى النّاس إلى أبى بكر الصديق فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة، أقامت برسول الله ﷺ والناس، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء.
فجاء أبو بكر ورسول الله ﷺ واضع رأسه على فخذى قد نام،
_________________
(١) الصّرم: الجماعة ينزلون بإبلهم ناحية على الماء.
(٢) حديث صحيح.. رواه البخارى فى كتاب التيمم- باب الصعيد الطيب وضوء المسلم يكفيه من الماء (١/ ٩٣- ٩٥)، وفى كتاب الأنبياء- باب علامات النبوة فى الإسلام (٤/ ٢٣٢- ٢٣٣) .
(٣) قيل: كان ذلك فى غزوة بنى المصطلق.
(٤) أى لأجل طلبه والبحث عنه.
[ ٨٥ ]
فقال: حبست رسول الله ﷺ والناس وليسوا على ماء، وليس معهم ماء.
فقالت عائشة: فعاتبنى أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول.. وجعل يطعننى «١» بيده فى خاصرتى فلا يمنعنى من التحرك إلا مكان رسول الله ﷺ على فخذى، فقام رسول الله ﷺ حين أصبح على غير ماء، فأنزل الله اية التيمم، فتيمموا فقال أسيد بن الحضير: ما هى بأول بركتكم يا ال أبى بكر. قالت: فبعثنا البعير الذى كنت عليه فأصبنا العقد تحته» «٢» .
[٩١] عن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا خرج أقرع بين نسائه، فطارت القرعة على عائشة وحفصة فخرجتا معه جميعا، وكان رسول الله ﷺ إذا كان اللّيل سار مع عائشة يتحدث معها، فقالت حفصة لعائشة: ألا تركبين الليلة بعيرى وأركب بعيرك، فتنظرين وأنظر؟
قالت: بلى، فركبت عائشة على بعير حفصة وركبت حفصة على بعير عائشة، فجاء رسول الله ﷺ إلى جمل عائشة وعليه حفصة فسلم ثم سار معها حتى نزلوا فافتقدته عائشة فغارت، فلما نزلوا. جعلت تجعل رجلها بين الإذخر وتقول: يا رب سلط علىّ عقربا أو حية تلدغنى، رسولك لا أستطيع أن أقول له شيئا» «٣» .
[٩٢] عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ لامرأة من الأنصار [سماها ابن عباس] «ما منعك أن تحجى معنا؟ قالت: لم يكن لنا إلا
_________________
(١) يطعننى: أى يضربنى.
(٢) حديث صحيح.. رواه البخارى فى كتاب التيمم (٩٢، ١)، وفى أبواب فضائل أصحاب النبى ﷺ باب مناقب المهاجرين (٥/ ٩)، وفى كتاب التفسير- باب تفسير سورة المائدة (٦/ ٦٣- ٦٤)، ومسلم فى كتاب الحج- باب تقليد الهدى وإشعاره عند الإحرام (٤/ ٥٧- ٥٨) .
(٣) حديث صحيح.. رواه مسلم فى كتاب فضائل الصحابة- باب فضل عائشة ﵂ (٧/ ١٣٨) . فى الحديث ما يدل على صحة الإقراع فى القسم بين الزوجات، وفى الأموال، وفى العتق ونحو ذلك.
[ ٨٦ ]
ناضحان «١» فحج أبو ولدها وابنها على ناضح، وترك لنا ناضحا ننضح عليه، قال: فإذا جاء رمضان فاعتمرى فإن عمرة فيه تعدل حجة «٢»» «٣» .
[٩٣] عن ابن عباسرضي الله عنهما- عن النبى ﷺ «خر رجل من بعيره فوقص «٤» فمات- فقال: اغسلوه بماء وسدر «٥» وكفنوه فى ثوبيه ولا تخمروا رأسه «٦» فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبيا» «٧» .
[٩٤] عن عقبة بن سالم قال: «كان ابن عمررضي الله عنهما- إذا قيل له: الإحرام من البيداء قال: البيداء «٨» التى تكذبون فيها على رسول الله ﷺ ما أهلّ رسول الله ﷺ إلا من عند الشّجر حين قام به بعيره» «٩» .
[٩٥] عن أبى أمامة الباهلىّ، قال: خطبنا رسول الله ﷺ فكان أكبر خطبته حديثا حدّثناه عن الدّجّال، وحذّرناه فكان من قوله أن قال رسول الله ﷺ: «وإنّ أيّامه أربعون سنة. السّنة كنصف السّنة، والسّنة كالشّهر، والشّهر كالجمعة، واخر أيّامه كالشّررة «١٠»، يصبح أحدكم على باب المدينة، فلا يبلغ بابها الاخر حتّى يمسى» فقيل له:
_________________
(١) أى بعيران نستقى بهما.
(٢) قوله (فإن عمرة فيه تعدل حجة) أى تقوم مقامها فى الثواب، لأنها لا تعدلها فى كل شىء فإنه لو كان عليه حجة فاعتمر فى رمضان لا تجزئه عن الحجة.
(٣) حديث صحيح.. رواه مسلم فى كتاب الحج- باب فضل العمرة فى رمضان (٤/ ٦١) .
(٤) فوقص: الوقص كسر العنق.
(٥) السّدر: شجر النبق وأوراقه تقوم مقام الصابون.
(٦) لا تخمروا رأسه: أى لا تغطوا رأسه.
(٧) حديث صحيح.. رواه مسلم فى كتاب الحج- باب ما يفعل بالمحرم إذا مات (٤/ ٢٣) .
(٨) قال العلماء: البيداء هى الشرف الذى قدام ذى الحليفة إلى جهة مكة، وهى بقرب ذى الحليفة، وسميت بيداء لأنه ليس فيها بناء ولا أثر، وكل مفازة تسمى بيداء، ومن أسمائها الصحراء.
(٩) حديث صحيح.. رواه مسلم فى كتاب الحج- باب أمر أهل المدينة بالإحرام من عند مسجد ذى الحليفة (٤/ ٨- ٩) .
(١٠) الشررة: واحدة الشرر وهو ما يتطاير من النار.
[ ٨٧ ]
يا رسول الله! كيف نصلّى فى تلك الأيّام القصار؟ قال: «تقدرون فيها الصّلاة، كما تقدرونها فى هذه الأيّام الطّوال ثمّ صلّوا»، قال رسول الله ﷺ: «فيكون عيسى ابن مريم﵇- فى أمّتى حكما «١» عدلا، وإماما مقسطا. يدقّ الصّليب «٢»، ويذبح الخنزير «٣»، ويضع الجزية «٤»، ويترك الصّدقة «٥»، فلا يسعى على شاة ولا بعير، وترفع الشّحناء والتّباغض، وتنزع حمة كلّ ذات حمة، حتّى يدخل الوليد يده فى فى الحيّة، فلا تضرّه، وتفرّ الوليدة الأسد، فلا يضرّها، ويكون الذّئب فى الغنم كأنّه كلبها، وتملأ الأرض من السّلم كما يملأ الإناء من الماء وتكون الكلمة واحدة، فلا يعبد إلّا الله وتضع الحرب أوزارها، وتسلب قريش ملكها، وتكون الأرض كفاثور «٦» الفضّة، تنبت نباتها بعهد ادم، حتّى يجتمع النّفر على القطف «٧» من العنب فيشبعهم، ويجتمع النّفر على الرّمّانة فتشبعهم، ويكون الثّور بكذا وكذا من الّمال، وتكون الفرس بالدّريهمات، قالوا: يا رسول الله، وما يرخص الفرس؟ قال: لا تركب لحرب أبدا، قيل له فما يغلى الثّور؟ قال:
تحرث الأرض كلّها، وإنّ قبل خروج الدّجّال ثلاث سنوات شداد، يصيب النّاس فيها جوع شديد، يأمر الله السّماء فى السّنة الأولى أن تحبس ثلث مطرها، ويأمر الأرض فتحبس ثلث نباتها، ثمّ يأمر السّماء
_________________
(١) أى حاكما بين الناس.
(٢) يدق الصليب: أى يكسره بحيث لا يبقى من جنس الصليب شىء.
(٣) أى يحرم أكل الخنزير.
(٤) ويضع الجزية: أى لا يقبلها من أحد من الكفرة، بل يدعوهم إلى الإسلام.
(٥) ويترك الصدقة: أى الزكاة، لكثرة الأموال.
(٦) كفاثور: الفاثور الخوان، وقيل هو طست من ذهب أو فضة.
(٧) القطف: العنقود، وهو اسم لكل ما يقطف.
[ ٨٨ ]
فى الثّانية فتحبس ثلثى مطرها، ويأمر الأرض فتحبس ثلثى نباتها، ثمّ يأمر الله السّماء فى السّنة الثّالثة فتحبس مطرها والأرض، فتحبس نباتها كلّه، فلا تنبت خضراء فلا تبقى ذات ظلف إلّا هلكت إلّا ما شاء الله. قيل: فما يعيش النّاس فى ذلك الزّمان؟ قال: التّهليل والتّكبير والتّسبيح والتّحميد، ويجرى ذلك عليهم مجرى الطّعام» «١» .
[٩٦] عن أبى وائل قال: قال الصّبىّ بن معبد: «كنت رجلا أعرابيّا، نصرانيّا، فأسلمت، فأتيت رجلا من عشيرتى يقال له: هذيم ابن ثرملة فقلت له: يا هناه، إنّى حريص على الجهاد، وإنّى وجدت الحجّ والعمرة مكتوبين علىّ، فكيف لى بأن أجمعهما؟ قال: اجمعهما واذبح ما استيسر من الهدى، فأهللت بهما معا، فلمّا أتيت العذيب لقينى سلمان بن ربيعة وزيد بن صوحان وأنا أهلّ بهما جميعا، فقال أحدهما للاخر: ما هذا بأفقه من بعيره، قال: فكأنّما ألقى علىّ جبل حتّى أتيت عمر بن الخطّاب، فقلت له: يا أمير المؤمنين إنّى كنت رجلا أعرابيا نصرانيّا، وإنّى أسلمت، وأنا حريص على الجهاد وإنّى وجدت الحجّ والعمرة مكتوبين علىّ، فأتيت رجلا من قومى فقال لى: اجمعهما واذبح ما استيسر من الهدى، وإنّى أهللت بهما معا، فقال لى عمررضي الله عنه- هديت لسنّة نبيّك ﷺ» «٢» .
[٩٧] عن جابر قال: أرسلنى نبىّ الله ﷺ إلى بنى المصطلق،
_________________
(١) حديث ضعيف.. رواه ابن ماجه، كتاب الفتن، باب فتنة الدجال وخروج عيسى ﵇: (٤٠٧٧) وفيه إسماعيل بن رافع، قال الحافظ فى التقريب (١/ ٦٩) ضعيف الحفظ.
(٢) حديث صحيح أخرجه أبو داود فى كتاب المناسك- باب فى الإقران، حديث (١٧٩٩)، وابن ماجه فى كتاب المناسك- باب من قرن الحج والعمرة، حديث (٢٩٧٠)، وأحمد فى مسنده (٤/ ١٩٦) .
[ ٨٩ ]
فأتيته وهو يصلّى على بعيره، فكلّمته فقال لى بيده هكذا، ثمّ كلّمته فقال لى بيده هكذا، وأنا أسمعه يقرأ، ويومئ برأسه، فلمّا فرغ قال:
«ما فعلت فى الّذى أرسلتك؟ فإنّه لم يمنعنى أن أكلّمك إلّا أنّى كنت أصلّى» «١» .
[٩٨] عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جدّه قال: «فقال رسول الله ﷺ: «ردّوا عليهم نساءهم وأبناءهم فمن مسك بشىء من هذا الفئ فإنّ له به علينا ستّ فرائض من أوّل شىء، يفيئه الله علينا» ثمّ دنا- يعنى النّبى ﷺ- من بعير، فأخذ وبرة من سنامه، ثمّ قال:
«يا أيّها النّاس إنّه ليس لى من هذا الفىء «٢» شيء، ولا هذا-» ورفع أصبعيه- إلّا الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدّوا الخياط والمخيط» فقام رجل فى يده كبّة من شعر، فقال: أخذت هذه لأصلح بها برذعة لى، فقال رسول الله ﷺ «أمّا ما كان لى ولبنى عبد المطّلب فهو لك» فقال: أمّا إذ بلغت ما أرى فلا أرب لى فيها «٣»، ونبذها «٤» .
[٩٩] عن عائشةرضي الله عنها- قالت: «ما ترك رسول الله ﷺ دينارا ولا درهما ولا شاة ولا بعيرا، ولا أوصى بشىء» «٥» .
[١٠٠] عن جابر بن عبد الله قال: أقفلنا مع النبى ﷺ من غزوة
_________________
(١) حديث صحيح.. رواه أبو داود فى كتاب الصلاة- باب رد السلام فى الصلاة، حديث [٩٢٦] . فائدة: فى الحديث جواز رد السلام بالإشارة وأنه لا تبطل الصلاة بالإشارة ونحوها من الحركات اليسيرة، وأنه ينبغى لمن سلم عليه ومنعه من رد السلام مانع أن يتعذر إلى المسلم ويذكر له ذلك المانع.
(٢) الفىء: ما أخذ من الكفار بغير الحرب كالجزية والخراج.
(٣) فلا أرب: أى فلا حاجة، ونبذها: أى ألقاها.
(٤) حديث حسن رواه أبو داود فى كتاب الجهاد- باب فى فداء الأسير بالمال، حديث (٢٦٩٤)، والنسائى فى كتاب الهبة- باب هبة المشاع (١/ ٢٦٤)، وأحمد فى مسنده (٢/ ١٨٤)، (٤/ ٥١) .
(٥) حديث صحيح.. رواه مسلم، كتاب الوصية- باب ترك الوصية لمن ليس له شىء يوصى فيه (٥/ ٧٥) .
[ ٩٠ ]
فتعجلت على بعير لى قطوف «١» فلحقنى راكب من خلفى، فنخس بعيرى بعنزة «٢» كانت معه فانطلق بعيرى كأجود ما أنت راء من الإبل فالتفت فإذا النبى ﷺ فقال: «ما يعجلك؟» قلت: كنت حديث عهد بعرس. قال: «بكرا أم ثيبا؟» قلت: ثيب. قال: «فهلا بكرا تلاعبها وتلاعبك؟» قال: فلما ذهبنا لندخل قال: «أمهلوا حتى تدخلوا ليلا- أى عشاء- لكى تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة «٣»» «٤» .
[١٠١] عن سعيد بن يسار أنه قال: «كنت أسير مع ابن عمر بطريق مكة، قال سعيد فلما خشيت الصّبح نزلت فأوترت ثم أدركته فقال لى ابن عمر: أين كنت؟ فقلت له: خشيت الفجر فنزلت فأوترت، فقال عبد الله: أليس لك فى رسول الله ﷺ أسوة؟ فقلت:
بلى والله، قال: إنّ رسول الله ﷺ كان يوتر على البعير» «٥» .
[١٠٢] فى سنن أبى داود والنّسائى وابن ماجه عن عبد الله بن عمرو رضى الله تعالى عنهما-: أن النبى ﷺ قال: «إذا تزوج أحدكم امرأة، أو اشترى جارية، أو غلاما أو دابة فليأخذ بناصيتها وليقل:
_________________
(١) قطوف: أى بطىء المشى.
(٢) عنزة: هى عصا نحو نصف الرّمح فى أسفلها سن مدبب.
(٣) الاستحداد: استعمال الحديدة فى شعر العانة، وهو إزالته بالموسى، والمغيبة: هى التى غاب عنها زوجها.
(٤) حديث صحيح رواه البخارى فى النكاح- باب الثيبات (٧/ ٦)، ومسلم فى الرضاع- باب استحباب نكاح البكر (٦/ ٦٥٤) . فى الحديث استعمال مكارم الأخلاق، والشفقة على المسلمين، والاحتراز من تتبع العورات، واجتلاب ما يقتضى دوام الصحبة.
(٥) حديث صحيح.. رواه مسلم فى كتاب الصلاة- باب جواز صلاة النافلة على الدابة فى السفر حيث توجهت (٢/ ١٤٩) . فائدة: فى الحديث جواز التنفل على الراحلة فى السفر حيث توجهت، وهذا جائز بإجماع المسلمين، وشرطه ألا يكون سفر معصية، وفيه دليل على أن المكتوبة لا تجوز إلى غير القبلة ولا على الدابة، وهذا مجمع عليه إلا فى شدة الخوف.
[ ٩١ ]
اللهم إنى أسألك خيره وخير ما جبل عليه، وأعوذ بك من شره وشر ما جبل عليه، وإذا اشترى بعيرا فليأخذ بذروة سنامه، وليدع بالبركة وليقل مثل ذلك» «١» .
[١٠٣] قال ابن الأثير: خرج خلاد بن رافع وأخوه- رضى الله تعالى عنهما- إلى بدر على بعير أعجف، فلما انتهيا إلى قرب الروحاء برك البعير. قال: فقلنا: اللهمّ لك علينا إن انتهينا إلى بدر أن ننحره.
فرانا النبى ﷺ فقال: «ما بالكما؟» فأخبرناه فنزل النبى ﷺ، فتوضأ، ثم بزق فى وضوئه، ثم أمرها ففتحا فم البعير، فصبّ فى جوفه، ثم على رأسه، ثم على عنقه، ثم على غاربه، ثم على سنامه، ثم على عجزه، ثم على ذنبه. ثم قال النبى ﷺ: «اللهم احمل رفاعة وخلّادا» فقمنا نرحل، فأدركنا أول الركب، فلما انتهينا إلى بدر نحرناه، وتصدقنا بلحمه «٢» .
[١٠٤] روى أبو القاسم الطبرانى فى «كتاب الدعوات» عن زيد بن ثابت- رضى الله تعالى عنه- قال: غزونا مع رسول الله ﷺ حتى إذا كنا فى مجمع طرق المدينة، فبصرنا بأعرابى اخذ بخطام بعير حتى وقف على رسول الله ﷺ ونحن حوله، فقال: السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته، فرد النبى ﷺ السلام، وقال: «كيف أصبحت؟» فجاء رجل كأنه حرسىّ فقال: يا رسول الله: هذا الأعرابى سرق بعيرى هنا، فرغا البعير وحنّ ساعة، فأنصت له النبى ﷺ يسمع رغاءه وحنينه!
_________________
(١) حديث صحيح.. أخرجه أبو داود (٢١٦٠)، والنسائى فى اليوم والليلة (٢٤٠، ٢٦٣)، وابن ماجه (١٩١٨، ٢٢٥٢) .
(٢) حديث ضعيف.. أخرجه أبو نعيم فى «معرفة الصحابة»، وأبو موسى المدينى، وابن منده فى «الصحابة» كما فى «أسد الغابة» لابن الأثير (٢/ ١٤١)، ومظان هذه الكتب الأحاديث الضعيفة، والله أعلم.
[ ٩٢ ]
فلما هدأ البعير أقبل النبى ﷺ على الحرسىّ وقال: «انصرف عنه؛ فإن البعير يشهد أنك كاذب» فانصرف الحرسىّ، وأقبل النبى ﷺ على الأعرابى وقال: «أى شىء قلت حين جئتنى؟» فقال: بأبى أنت وأمى يا رسول الله، قلت:
اللهم صلّ على محمد حتى لا تبقى صلاة!
اللهم وبارك على محمد حتى لا تبقى بركة!
اللهم وسلم على محمد حتى لا يبقى سلام!
اللهم وارحم محمدا حتى لا تبقى رحمة!
فقال النبى ﷺ: «إن الله ﵎ أبداها لى، والبعير ينطق بقدرته، وإن الملائكة قد سدوا أفق السماء» «١» .
[١٠٥] عن أبى حميد الساعدى أن النبى ﷺ استعمل رجلا من الأزد يقال له ابن اللّتبيّة، قال ابن السراج: ابن الأتبيّة، على الصدقة، فجاء فقال: هذا لكم وهذا أهدى لى.. فقام النبى ﷺ على المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال: «ما بال العامل نبعثه فيجىء فيقول: هذا لكم وهذا أهدى لى، ألا جلس فى بيت أمّه، أو أبيه، فينظر أيهدى له أم لا؟ لا يأتى أحدكم بشىء من ذلك إلا جاء يوم القيامة إن كان بعيرا فله رغاء، أو بقرة فلها خوار، أو شاة تيعر» .. ثم رفع يديه حتى رأينا غفرة إبطيه، ثم قال: «اللهم هل بلّغت، اللهم هل بلّغت» «٢» .
[١٠٦] وعن تميم الدارى- رضى الله تعالى عنه- قال: كنا
_________________
(١) حديث ضعيف.. أخرجه الطبرانى فى «الدعاء» برقم (١٠٥٤)، وفى سنده هارون بن يحيى الحاطبى، قال العقيلى: «مدنى، لا يتابع على حديثه»، انظر: «لسان الميزان» (٦/ ١٨٣) .
(٢) رواه أبو داود فى سننه، كتاب الخراج والإمارة، باب: فى هدايا العمال.
[ ٩٣ ]
جلوسا مع رسول الله ﷺ إذ أقبل علينا بعير يعدو حتى وقف على هامة رسول الله ﷺ ورغا. فقال رسول الله ﷺ: «أيها البعير اسكن. فإن تك صادقا فلك صدقك، وإن تك كاذبا فعليك كذبك، مع أن الله قد أمن عائذنا، وليس بخائف لائذنا» .
فقلنا: يا رسول الله؛ ما يقول هذا البعير؟ فقال ﷺ: «هذا بعير قد هم أهله بنحره وأكل لحمه، فهرب منهم واستغاث بنبيكم» .
فبينما نحن كذلك إذا أقبل أصحابه يتعادون، فلما نظر إليهم البعير عاد إلى هامة رسول الله ﷺ فلاذ بها. فقالوا: يا رسول الله؟ هذا بعيرنا هرب منذ ثلاثة أيام فلم نلقه إلا بين يديك. فقال النبى ﷺ: «أما إنه يشكو إلىّ ويبث الشكاية» .
فقالوا: يا رسول الله، ما يقول؟ قال: يقول: «إنه ربّى فى أمنكم أحوالا، وكنتم تحملون عليه فى الصيف إلى موضع الكلأ، فإذا كان الشتاء حملتم عليه إلى موضع الدفء. فلما كبر استفحلتموه، فرزقكم الله تعالى منه إبلا سائمة، فلما أدركته هذه السنة الخصبة هممتم بنحره وأكل لحمه» فقالوا: يا رسول الله؛ قد والله كان ذلك! فقال ﵊: «ما هذا جزاء المملوك الصالح من مواليه» فقالوا: يا رسول الله، فإنا لا نبيعه ولا ننحره، فقال النبى: «كذبتم، فقد استغاث بكم فلم تغيثوه وأنا أولى بالرحمة منكم، فإن الله تعالى قد نزع الرحمة من قلوب المنافقين وأسكنها فى قلوب المؤمنين» .
فاشتراه ﵊ منهم بمئة درهم وقال: «أيها البعير
[ ٩٤ ]
انطلق فأنت حر لوجه الله» .
قال: فرغا البعير على هامة رسول الله ﷺ فقال ﵊ «امين» ثم رغا الثانية، فقال: «امين»، ثم رغا الثالثة، فقال:
«امين»، ثم رغا الرابعة، فبكى ﵊، فقلنا: يا رسول الله: ما يقول هذا البعير؟ قال النبى ﷺ: «قال: جزاك الله أيها النبى عن الإسلام والقران خيرا، فقلت: امين، ثم قال: سكن الله رعب أمتك إلى يوم القيامة كما سكنت رعبى، فقلت: امين، ثم قال: حقن الله دماء أمتك من أعدائها كما حقنت دمى، فقلت: امين، ثم قال:
لا جعل الله بأسها بينها فبكيت، فإن هذه الخصال سألتها ربى فأعطانيها، ومنعنى هذه، وأخبرنى جبريل ﵇ عن الله ﷿ أن فناء أمتى بالسيف جرى القلم بما هو كائن» «١» .
[١٠٧] عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قلت: يا أبا محمد، إنا بأرض لسنا نجد بها الدينار والدرهم، وإنما أموالنا المواشى، فنحن نتبايعها بيننا، فنبتاع البقرة بالشاة نظرة إلى أجل، والبعير بالبقرات، والفرس بالأباعر كل ذلك إلى أجل فهل علينا فى ذلك من بأس؟
فقال: على الخبير سقطت.. أمرنى رسول الله ﷺ أن أبعث جيشا على إبل كانت عندى، قال: فحملت الناس عليها حتى نفدت الإبل، وبقيت بقية من الناس، قال: فقلت لرسول الله ﷺ: يا رسول الله، الإبل قد نفدت، وقد بقيت بقية من الناس لا ظهر لهم، فقال لى رسول
_________________
(١) حديث ضعيف جدّا: أخرجه أبو محمد عبد الله بن حامد الفقيه فى «دلائل النبوة» وأبو طاهر السلفى كما قال الناجى فى «عجالة الإملاء» (ق ١٨٠) . وفى سنده سعيد بن زياد، متروك، وابنه سلامة مجهول.
[ ٩٥ ]
الله ﷺ: «ابتع علينا إبلا بقلائص من إبل الصدقة إلى محلها حتى ننفذ هذا البعث» . قال: فكنت أبتاع البعير بالقلوصين والثلاث من إبل الصدقة إلى محلها حتى نفذت ذلك البعث. قال: فلما حلت الصدقة أدّاها رسول الله ﷺ «١» .
_________________
(١) رواه أحمد فى مسنده (٢/ ٢١٦) .
[ ٩٦ ]