الجواب عن الأسئلة
أقول وبالله أستعين:
إني قبل الشروع في الإجابة أرى من المفيد بل الضروري أن أسوق هنا الحديث الوارد في أذان عثمان الأول لأنه سيكون محور الكلام في المسائل الآتية كما سترى ثم إنه لما كان الحديث المذكور فيه زيادات قد لا توجد عند بعض المخرجين للحديث رأيت تتميما للفائدة أن أضيف كل زيادة وقف عليها بجعلها بين حاصرتين معكوفتين [] ثم أبين من أخرج الحديث والزيادات والأئمة في التعليق على الحديث وهاك نصه:
حديث أذان عثمان:
قال الإمام الزهري رحمه الله تعالى: أخبرني
[ ١٧ ]
السائب بن يزيد: أن الأذان [الذي ذكره الله في القرآن] كان أوله حين يجلس الإمام على المنبر [وإذا قامت الصلاة] يوم الجمعة [على باب المسجد] في عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر فلما كان خلافة عثمان وكثر الناس [وتباعدت المنازل] أمر عثمان يوم الجمعة بالأذان الثالث "وفي رواية: الأول وفي أخرى: بأذان ثالث" [على دار [له] في السوق لها الزوراء] فأذن به على الزوراء [قبل خروجه ليعلم الناس أن الجمعة قد حضرت] فثبت الأمر على ذلك [فلم يعب الناس ذلك عليه وقد عابوا عليه حين أتم الصلاة بمنى]
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري ٢/٣١٤ و٣١٦ و٣١٧ وأبو ١/١٧١ والسياق له والنسائي ١/٢٠٧ والترمذي ٢/٣٩٢ وصححه وابن ماجه ١/٢٢٨ والشافعي في الأم ١/١٧٣ وابن الجارود في المنتقى ص ١٤٨ والبيهقي ٢/١٩٢ و٢٠٥ وأحمد ٣/٤٤٩ و٤٥٠ وإسحاق بن راهويه وابن خزيمة في صحيحه ٣/١٣٦/١٧٧٣ والطبراني وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه. والزيادة الأولى: لابن راهويه وابن خزيمة وغيرهما=
[ ١٨ ]
إذا علمت ما تقدم فلنشرع الآن في الجواب فنقول:
_________________
(١) = والثانية: لابن الجارود والبيهقي. والثالثة: لأبي داود والطبراني. والرابعة: لابن حميد وابن المنذر وابن مردويه وذكرها العيني في العمدة ٣/٢٣٣ دون عزو. والخامسة: لابن ماجه وابن خزيمة والزيادة فيها للطبراني. والسادسة: له. والسابعة: وهي الأخيرة لابن حميد وابن المنذر وابن مردويه. وأما الرواية الثانية: بالأذان الأول فهي لأحمد وابن خزيمة. والثالثة: للبخاري والشافعي. وانظر فتح الباري والتلخيص الحبير ونصب الراية والدرر المنثور.
[ ١٩ ]
الجواب عن الفقرة الأولى
١ - لا نرى الاقتداء بما فعله عثمان ﵁ على الإطلاق ودون قيد فقد علمنا مما تقدم أنه إنما زاد الأذان الأول لعلة معقولة وهي كثرة الناس وتباعد منازلهم عن المسجد النبوي فمن صرف النظر عن هذه العلة وتمسك بأذان عثمان مطلقا لا يكون مقتديا به ﵁ بل هو مخالف لعثمان أن يزيد على سنته ﵊ وسنة الخليفتين من بعده
متى يشرع الأذان العثماني
فإذن إنما يكون الاقتداء به ﵁ حقا عندما يتحقق السبب الذي من أجله زاد عثمان الأذان الأول وهو "كثرة الناس وتباعد منازلهم عن المسجد" كما تقدم
وأما ما جاء في السؤال من إضافة علة أخرى إلى الكثرة وهي ما أفاده بقوله: "وانغمسوا في طلب
[ ٢٠ ]
المعاش" فهذه الزيادة لا أصل لها فلا يجوز أن يبني عليها أي حكم إلا بعد إثباتها ودون ذلك خرط القتاد
وهذا السبب لا يكاد يتحقق في عصرنا هذا إلا نادرا وذلك في مثل بلدة كبيرة تغص بالناس على رحبها كما كان الحال في المدينة المنورة ليس فيها إلا مسجد واحد يجمع الناس فيه وقد بعدت لكثرة منازلهم عنه فلا يبلغهم صوت المؤذن الذي يؤذن على باب المسجد وأما بلدة فيها جوامع كثيرة كمدينة دمشق مثلا لا يكاد المرء يمشي فيها إلا خطوات حتى يسمع الأذان للجمعة من على المنارات وقد وضع على بعضها أو كثير منها الآلات المكبرة للأصوات فحصل بذلك المقصود الذي من أجله زاد عثمان الأذان ألا وهو إعلام الناس: أن صلاة الجمعة قد حضرت كما نص عليه في الحديث المتقدم: وهو ما نقله القرطبي في تفسيره "١٨/١٠٠" عن الماوردي:
فأما الأذان الأول فمحدث فعله عثمان ليتأهب الناس لحضور الخطبة عند اتساع المدينة وكثرة أهلها
[ ٢١ ]
وإذا كان الأمر كذلك فالأخذ حينئذ بأذان عثمان من قبيل تحصيل حاصل وهذا لا يجوز لا سيما في مثل هذا الموضع الذي فيه التزيد على شريعة رسول الله ﷺ دون سبب مبرر وكأنه لذلك كان علي بن أبي طالب ﵁ وهو بالكوفة يقتصر على السنة ولا يأخذ بزيادة عثمان كما في "القرطبي "
وقال ابن عمر:
"إنما كان النبي ﷺ إذا صعد المنبر أذن بلال فإذا فرغ النبي ﷺ من خطبته أقام الصلاة والأذان الول بدعة".
رواه أبو طاهر المخلص في "فوائده" "ورقة ٢٢٩/١ - ٢"
والخلاصة: أننا نرى أن يكتفى بالأذان المحمدي وأن يكون عند خروج الإمام وصعوده على المنبر لزوال السبب المبرر لزيادة عثمان واتباعا لسنة النبي ﷺ وهو القائل:
[ ٢٢ ]
"فمن رغب عن سنتي فليس مني ١" متفق عليه
وبنحو ما ذكرنا قال الإمام الشافعي ففي كتابه "الأم" "١/١٧٢ - ١٧٣" ما نصه:
وأحب أن يكون الأذان يوم الجمعة حين يدخل الإمام المسجد ويجلس على المنبر فإذا فعل أخذ المؤذن في الأذان فإذا فرغ قام فخطب لا يزيد عليه
ثم ذكر حديث السائب المتقدم ثم قال:
_________________
(١) ١ ونقل الشيخ عبد الحي الكتاني في التراتيب الإدارية ١/٨٠ – ٨١ عن كتاب إنارة البصائر في مناقب الشيخ ابن ناصر وحزبه الهداة الأكابر ما نصه: كان – يعني الشيخ سيدي محمد بن ناصر – يقتصر يوم الجمعة على مؤذن واحد وأذان واحد غير الإقامة أسوة برسول الله ﷺ إذ لم يكن في زمنه ولا في زمن أبي بكر ﵁ على ما هو الأشهر وصدر من خلافة عثمان وكان لا يؤذن في زمنه ﵊ إلا مؤذن واحد هذا هو الصحيح والمعتمد كما في فتح الباري والأبي اهـ. ولقد ذكر الحافظ ٢/٣٢٧ أن العمل بهذه السنة استمر في المغرب حتى زمنه أعني ابن حجر أي القرن الثامن.
[ ٢٣ ]
"وقد كان عطاء ينكر أن يكون عثمان أحدثه ويقول: أحدثه معاوية١ وأيهما كان فالأمر الذي كان على عهد رسول الله ﷺ أحب إلي فإن أذن جماعة من المؤذنين والإمام على المنبر وأذن كما يؤذن قبل أذان المؤذنين إذا جلس الإمام على المنبر كرهت ذلك له ولا يفسد شيء منه صلاته".
وكذلك نقول في المسجد الوارد ذكره في السؤال: إنه ينبغي أن يجري فيه على سنة النبي ﷺ لا على سنة عثمان وذلك لأمرين:
الأمر الول: أن الأذان فيه لا يسمع من سكان البيوت لبعدها كما جاء في السؤال بل ولا يسمع حتى من المارة في الطريق الذي يلي الثكنة من الناحية الشرقية والجنوبية فالأخذ حينئذ بأذان عثمان لا يحصل الغاية
_________________
(١) ١ قلت: لا وجه لهذا الإنكار فقد تواردت الروايات أن عثمان هو الذي زاده فهو المعتمد كما قال الحافظ ٢/٣٢٣٨ ولو لم يكن فيه إلا حديث السائب لكفى وأما إحداث معاوية إياه فمما لا أعرف له إسنادا.
[ ٢٤ ]
التي أراها به عثمان في الشرع ينزه عنه المسلم
الأمر الثاني: أن الذين يأتون إلى هذا المسجد إنما يقصدونه قصدا ولو من مسافات شاسعة فهؤلاء ولو فرض أنهم سمعوا الأذان - فليس هو الذي يجلبهم ويجعلهم يدركون الخطبة والصلاة فإنه - لبعد المسافة بينهم وبين المسجد - لا بد لهم من أن يخرجوا قبل الأذان بمدة تختلف باختلاف المسافة طولا وقصرا حتى يدركوا الصلاة شأنهم في ذلك شأنهم في صلاة العيدين في المصلى أو المسجد التي لا يشرع لها أذان ولا إعلام بدخول الوقت
نعم لا نرى مانعا من هذا الأذان العثماني إذا جعل عند باب الثكنة الخارجي لأنه يسمع المارة على الجادة ويعلمهم أن في الثكنة مسجدا تقام فيه الصلاة فيؤمونه ويصلون فيه كما قد يسمع من يكون في البيوت القريبة من الجادة١ ولكن ينبغي أن لا يفصل
_________________
(١) ١ ونحو هذا ما جاء في تاريخ مكة للفاكهي قال=
[ ٢٥ ]
بين الأذانين إلا بوقت قليل لأن السنة الشروع في الخطبة أول الزوال بعد الأذان كما يشير إلى ذلك قوله في الحديث السابق: "أن الأذان كان أوله حين يجلس الإمام على المنبر وإذا قامت الصلاة" أي قام سببها وهو الزوال وفي أحاديث أخرى أصرح من هذا سيأتي ذكرها عند الجواب عن الفقرة الرابعة إن شاء الله تعالى
ولا يفوتني أن أقول: إن هذا الذي ذهبنا إليه إنما هو إذا لم يذع الأذان عند باب المسجد بالمذياع أو مكبر الصوت وإلا نرى جوازه لأنه حينئذ تحصيل حاصل كما سبق بيانه
_________________
(١) ص ١١ وكان أهل مكة فيما مضى من الزمان لا يؤذنون على رؤوس الجبال وإنما كان الأذان في المسجد الحرام وحده فكان الناس تفوتهم الصلاة من كان منهم في فجاج مكة وغائبا عن المسجد حتى كان في زمن أمير المؤمنين هارون فقدم عبد الله بن مالك وغيره من نظرائه مكة ففاتته الصلاة ولم يسمع الأذان فأمر أن تتخذ على رؤوس الجال منارات تشرف على فجاج مكة وشعابها يؤذن فيها = للصلاة وأجرى على المؤذنين في ذلك أرزاقا ثم قطع ذلك عنهم فترك ذلك بعدهم.
[ ٢٦ ]