الإفتاء من فروض الكفايات التي يجب أن يقوم به طائفة من المسلمين، وإلّا أَثِمَ الجميع؛ لأنّه لا بدّ للمسلمين من وجود مَنْ يُبيّن لهم أحكام دينهم، ويفتيهم فيما يعرض لهم، ويَدُلّهم على ما يحلُّ، وما لا يحلُّ من أمور الشريعة؛ قال الله ﷿: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ (^١)، وقال النبيُّ -ﷺ-: (مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ، أُلْجِمَ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (^٢).
يقول النوويُّ ﵀: «الإفتاء فرض كفاية» (^٣).
ويقول المحلِّيُّ ﵀: «ومن فرضِ الكفاية القيام بإقامة الحُججِ العلميَّة، وحَلُّ المشكلات في الدِّينِ، ودفعُ الشُّبَه، والقيامُ بعُلوم الشَّرع كتفسير وحديث؛ بما يتعلَّق بهما، والفروع الفقهيَّة، بحيث يصلح للقضاء والإفتاء؛ للحاجة إليهما» (^٤).
ويقول السيوطيُّ ﵀ في كتاب آداب الفتيا: «باب وجوب الفتيا على من تأهَّل لذلك » (^٥).
_________________
(١) آل عمران: ١٨٧.
(٢) رواه أحمد في «مسنده» (١٣/ ١٧)، وأبو داود (ح ٣٦٦٠)، والترمذي (ح ٢٦٤٩)، وابن ماجه (ح ٢٦٤)، وإسناده صحيح.
(٣) «المجموع» (١/ ٤٥).
(٤) «شرح المنهاج للمحلي» (٤/ ٢١٥).
(٥) «آداب الفتيا» (ص ٦٨).
[ ١ / ٢٥ ]
ولأنّ القيام بمنصب الإفتاء لا يستطيعه، ولا يُحسِنُه كلُّ أحدٍ؛ إذ لا بدَّ من توافر شروط معيَّنة -سيأتي ذكرها-؛ لذا وجب أن يقوم به من توفّرت فيه تلك الشروط، وكانت لديه القدرة عليه.
وإنّما لم يكن الإفتاء فرض عَيْنٍ؛ لأنَّه يقتضي تحصيل علوم جَمَّة، فلو كُلّفها كلُّ واحد لأفضى إلى تعطيل أعمال الناس ومصالحهم؛ لانصرافهم إلى تحصيل علوم بخصوصها، وانصرافهم عن غيرها من العلوم النافعة، شأنها في ذلك شأن باقي فروض الكفايات (^١).
إذًا الإفتاء فرض كفائيُّ، لكنه يتعيّن أحيانًا على العالم المسؤول، وذلك إذا توافرت شروط معيَّنة، وهي كما يلي:
الأوّل: أن لا يوجد في الناحية غيره ممّن يتمكَّن من الجواب، يقول الإمام النوويُّ: «فإذا استفتي وليس في الناحية غيره تعيَّن عليه الجواب» (^٢).
أما إذا وُجِدَ غيرُه، وكان متمكِّنًا من الجواب؛ فإنه لا يتعيَّن عليه الفتوى حينئذٍ، وله أن يحيل عليه؛ يقول عبد الرحمن بن أبي ليلى: «أدركتُ عشرين ومائةً من الأنصار من أصحاب رسول الله -ﷺ- يُسْأل أحدُهُم عن المسألةِ، فيرُدُّها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، حتى ترجعَ إلى الأوَّل» (^٣).
_________________
(١) «الموسوعة الفقهيّة» (٣٢/ ٢٢).
(٢) «المجموع» (١/ ٤٥).
(٣) رواه ابن سعد في «طبقاته» (٦/ ١١٠) بلفظ: «أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول اللّه -ﷺ-، ما فيهم أحد يسأل عن شيء إلّا أحبّ أن يكفيه صاحبه الفتيا، وإنّهم ها هنا يتوثّبون على الأمور توثّبًا»، وما أثبتاه ذكره النوويّ في «المجموع» (١/ ٤٠).
[ ١ / ٢٦ ]
الثاني: أن يكون عالمًا بما سُئل عنه، وإلّا لم يتعيَّن عليه الجواب؛ لما عليه من المشقّة في تحصيله.
الثالث: ألّا يكون هناك مانع يمنع من تعيُّن الجواب عليه؛ كأن تكون المسألة اجتهاديَّة لا نصَّ فيها للشارع، أو عن أمر لا منفعة فيه للسائل، أو غير ذلك (^١).
وقد يكون الإفتاء حرامًا، وذلك في حقِّ من لم يكن عالمًا بالحكم؛ فلا يجوز له أن يفتي والحالة هذه؛ وإلّا كان متقوِّلًا على الله ﷿ بغير علم، وقد قال الله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (^٢)، فجعل الله ﵎ القول عليه بغير علم من أعظم المحرّمات التي لا تباح بحالٍ، ولهذا حصر التحريم فيها بصيغة الحصر.
وكذا يحرم على المفتي أن يفتي بغير الحقِّ الذي يعلمه، وإلّا فهو كاذب على الله تعالَى عمدًا، وقد قال الله ﷿: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ (^٣).
وقد يكون الإفتاء مكروهًا؛ وذلك إذا كان المفتي في حال غضب شديد، أو وَجَع مُفْرِط، أو هَمٍّ مُقْلِق، أو نعاس غالب، أو شغل قب مُسْتَوْلٍ عليه، أو حال مدافعة الأخبثين، بل متى أحسَّ من نفسه شيئًا من ذلك يخرجه عن حال اعتداله، وكمال تثبُّته وتبيُّنه؛ أمسك عن الفتوى (^٤).
_________________
(١) انظر: «الموافقات» (٤/ ٣١٣)، «الموسوعة الفقهيّة» (٣٢/ ٢٣).
(٢) الأعراف: ٣٣.
(٣) الزمر: ٦٠. وانظر: «إعلام الموقّعين» لابن القيّم (٤/ ١٧٣ - ١٧٤).
(٤) انظر: المصدر السابق (٤/ ٢٢٧).
[ ١ / ٢٧ ]
وقد يكون الإفتاء مستحبًّا؛ وذلك إذا كان المفتي أهلًا للفتيا، وكان في البلد غيره (^١).