أما الاستفتاء فكذلك حكمه الوجوب في حقِّ العامِّي الذي نزل به أمرٌ أو حادثة لا يعلم حكمها، فإنه يجب عليه أن يستفتي عنها من يثق به من العلماء؛ لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (^٢)، ولأنّه يجب عليه العمل حسب حكم الشرع، ولا يتأتّى له ذلك إلّا بسؤال العلماء، ولأنّه لو عمل دون علم فقد يقع في الحرام، أو يترك في العبادة ما لا بد منه (^٣).
يقول الغزاليُّ ﵀: «العامِّيُّ يجب عليه الاستفتاء واتّباع العلماء» (^٤).
وقال أيضًا: «إنّ الإجماع منعقد على أن العامِّيَّ مكلَّف بالأحكام، وتكليفه طلب رتبة الاجتهاد محال؛ لأنّه يؤدّي إلى أن ينقطع الحرث والنسل، وتتعطّل الحِرَفُ والصنائع، ويؤدّي إلى خراب الدنيا لو اشتغل الناس بجملتهم بطلب العلم، وذلك يردُّ العلماء إلى طلب المعايش، ويؤدّي إلى اندراس العلم، بل إلى إهلاك العلماء وخراب العالم، وإذا استحال هذا لم يبق إلّا سؤال العلماء» (^٥).
ويقول النوويُّ ﵀: «فصل في آداب المستفتي وصفته وأحكامه ثمّ قال: ويجب عليه الاستفتاء إذا نزلت به حادثة، يجب عليه علم حكمها، فإن لم
_________________
(١) انظر: «شرح الكوكب» المنير لابن النجّار (٤/ ٥٨٣).
(٢) الأنبياء: ٧.
(٣) انظر: «الموسوعة الفقهيّة» (٣٢/ ٤٦).
(٤) «المستصفى» (ص ٣٧٢).
(٥) المصدر السابق.
[ ١ / ٢٨ ]
يجد ببلده من يستفتيه؛ وجب عليه الرحيل إلى من يفتيه، وإن بعدت داره، وقد رحل خلائق من السلف في المسألة الواحدة الليالي والأيام» (^١).
ويقول الشاطبيُّ ﵀: «إن المقلِّد إذا عرضت له مسألة دينيَّة؛ فلا يسعه في الدِّين إلّا السؤال عنها على الجملة» (^٢).
وجاء في إعانة الطالبين للدِّمياطيّ ﵀: «يجب على المستفتي عند حدوث مسألة أن يستفتي من عُرِفَ علمُه وعدالتُه » (^٣).
فإذا لم يجد من يفتيه لا في بلده ولا في غيره؛ فإنه يسقط عنه التكليف بالعمل إذا لم يكن له به علم، لا من اجتهاد معتبر، ولا من تقليد، ولا يثبت في حقّه حكم؛ لا إيجاب ولا تحريم، ولا غير ذلك؛ لأنّ شرط التكليف عند الأصوليّين العلم بالمكلَّف به، وهذا غير عالم بالفرض؛ فلا ينتهض سببه على حال، إذ لو كُلِّفَ بالعمل والحالة هذه؛ لكان تكليفًا بما لا يُطاق، وهو منتفٍ في هذه الشريعة والحمد لله، فيكون حاله كحال من لم تبلغه الدعوة (^٤).
لكن ذهب ابن القيّم ﵀ إلى أنّه في هذه الحالة يجب عليه أن يتّقيَ الله ما استطاع، ويتحرّى الحقَّ بجهده ومعرفة مثله. ثمّ ذكر كلامًا نفيسًا؛ حيث قال: «وقد نصب الله تعالى على الحقِّ أمارات كثيرة، ولم يسوِّ الله ﷾ بين ما يحبّه وبين ما يسخطه من كلِّ وجه بحيث لا يتميّز هذا من هذا، ولا بدّ أن تكون الفِطَرُ السليمة مائلة إلى الحقِّ مُؤْثِرة له، ولا بدّ أن يقوم لها عليه بعض الأمارات
_________________
(١) («المجموع» (١/ ٥٤).
(٢) «الموافقات» (٤/ ٢٦١).
(٣) «إعانة الطالبين» (٤/ ٢١٩).
(٤) انظر: «المجموع» (١/ ٥٨)، «الموافقات» (٤/ ٢٩١).
[ ١ / ٢٩ ]
المرجِّحة ولو بمنام أو بإلهام، فإن قُدّر ارتفاع ذلك كلّه، وعدمت في حقّه جميع الأمارات؛ فهنا يسقط التكليف عنه في حكم هذه النازلة، ويصير بالنسبة إليها كمن لم تبلغه الدعوة، وإن كان مكلَّفًا بالنسبة إلى غيره والله أعلم» (^١).
_________________
(١) «إعلام الموقّعين عن رب العالمين» (٤/ ٢٤٠).
[ ١ / ٣٠ ]