يختلف العلماءُ المفتون في رُتَبِهِم تَبعًا لاختلاف درجاتهم في الاجتهاد، وقد قسّم العلماء رُتب المفتين إلى أقسام متعدّدة؛ يمكن إجمالها فيما يلي:
المرتبة الأُولَى: المفتي المجتهد المستقلّ:
وهو الذي بلغ مرتبةً في العلم استقلَّ فيها بإدراك الأحكام الشرعيَّة من أدلّتها العامّة والخاصّة، من غير تقليد لأحد، أو تقيُّد بمذهب أحد؛ فهو يستنبط الأحكام الشرعيّة من مصادرها الأصليّة وَفْق نظره وتحقيقه واجتهاده هو، من غير أن يكون تابعًا لمن سبقه من العلماء والمجتهدين (^١).
يقول ابن القيِّم ﵀: «العالِمُ بكتاب الله وسُنَّة رسوله وأقوال الصحابة؛ فهو المجتهد في أحكام النوازل، يقصد فيها موافقة الأدلّة الشرعيّة حيث كانت، ولا ينافي اجتهاده تقليده لغيره أحيانًا؛ فلا تجد أحدًا من الأئمّة إلّا وهو مقلِّدٌ من هو أعلم منه في بعض الأحكام» (^٢).
ويقول السيوطيُّ ﵀: «هو الذي استقلَّ بقواعده لنفسه، يبني عليها الفقه خارجًا عن قواعد المذهب المقرَّرة» (^٣).
_________________
(١) انظر: «أدب المفتي والمستفتي» لابن الصلاح (ص ٢١)، «تهذيب الفروق» لمحمّد بن علي (٢/ ١١٦)، «صفة الفتوى والمفتي والمستفتي» لابن حمدان (ص ١٦)، «الاجتهاد ومدى حاجتنا إليه في هذا العصر» لمحمّد سيّد موسى (ص ٣٥٧).
(٢) «إعلام الموقّعين عن رب العالمين» (٤/ ٢٣٢).
(٣) «الردُّ على من أخلد إلى الأرض وجهل أنّ الاجتهاد في كلّ عصر فرض» (ص ٣٩).
[ ١ / ٣٩ ]
المرتبة الثانية: المفتي المجتهد المُطْلَق المنتسب إلى مذهب إمامٍ:
وهو المفتي الذي ينتسب إلى مذهب إمامٍ من الأئمّة المجتهدين، إلَّا أنَّه لا يكون مقلِّدًا له في أحكام المذهب ولا في دليله؛ ولكن يطلب معرفة الأحكام بطريق إمامه، ويسلك مسلكه في طريقة الاجتهاد (^١). ويُلقَّب بـ: «مجتهد التخريج» (^٢).
فالمفتي هنا وإن كان يتبع إمامَ مذهبِه من حيث الأصول التي يبني عليها استدلاله واستنباطه، إلّا أنه يستقلُّ عنه فيما يؤدّيه إليه اجتهاده في الأحكام التفصيليّة والفروع الفقهيّة؛ لما له من القدرة على التخريج والاستنباط، وإلحاق الفروع بالأصول التي قرّرها إمامه (^٣).
قال السيوطيُّ ﵀: «وأما المجتهد المُطْلَق غير المستقلِّ؛ فهو الذي وُجِدَت فيه شروط الاجتهاد التي اتَّصف بها المجتهد المستقلّ، ثمّ لم يبتكر لنفسه قواعد، بل سلك طريقة إمامٍ من أئمّة المذاهب في الاجتهاد، فهذا مُطْلَقٌ منتسبٌ لا مستقلٌ ولا مقيَّدٌ» (^٤).
المرتبة الثالثة: المفتي المُقيَّد في مذهب من انتسب إليه:
وهو الفقيه المجتهد الذي أتقن مذهب إمامه، واستقلَّ بتقريره بالدليل،
_________________
(١) انظر: «المجموع» للنووي (١/ ٤٣)، «صفة الفتوى والمفتي والمستفتي» (ص ١٧)، «إعلام الموقّعين» (٤/ ٢٣٢)، «تهذيب الفروق» (٢/ ١١٧).
(٢) انظر: «الردّ على من أخلد إلى الأرض» (ص ٤١).
(٣) انظر: «الاجتهاد ومدى حاجتنا إليه في هذا العصر» (ص ٣٥٧ - ٣٥٨)، «منهجيّة الفتوى في المدرسة المالكية الأندلسية» لدريد الزواوي (ص ٣٥).
(٤) «الردّ على من أخلد إلى الأرض» (ص ٣٩).
[ ١ / ٤٠ ]
وحفظ فتاويه وأقواله، إلّا أنّه لا يتعدَّى ما قرَّره إمامُه من أصول وقواعد، مع قدرته على التحرير والتقرير والترجيح بينها، إلّا أنّه ليس له مَلَكَة الاستنباط من أصول إمامه أو التخريج على أقواله (^١). ويُلقب بـ: «مجتهد التَّرجيح» (^٢).
يقول ابن حمدان ﵀: «الحالة الثالثة: أن لا يبلغ رُتبة أئمّة المذاهب أصحاب الوجوه والطُّرُق، غير أنّه فقيه النفس، حافظ لمذهب إمامه، عارف بأدلّته، قائم بتقريره ونصرته؛ يُصوِّر، ويُجوِّز، ويُمهِّد، ويُقرِّر، ويُزيِّف، ويُرجِّح، لكنّه قَصُر عن درجة أولئك، إمّا لكونه لم يبلغ في حفظ المذهب مبلغهم، وإمّا لكونه غير متبحِّر في أصول الفقه ونحوه، على أنّه لا يخلو مثله في ضمن ما يحفظه من الفقه ويعرفه من أدلّته عن أطراف من قواعد أصول الفقه ونحوه، وإمّا لكونه مقصِّرًا في غير ذلك من العلوم التي هي أدوات للاجتهاد الحاصل لأصحاب الوجوه والطُّرُق» (^٣).
المرتبة الرابعة: المفتي الذي تفقَّه في مذهب إمامه:
وهو الذي حفظ فتاوى مذهب إمامه وفروعه، مع فهمه لها ولضوابطها وتخريجات أصحابه، وقدرته على الرجوع إلى مصادره، إلّا أنّه ليس له مَلَكَة في تقرير أدلّة المذهب، وتحرير أقيسته، فهو يُقلِّد إمامه تقليدًا محضًا من جميع الوجوه (^٤). ويُلقَّب بـ: «مجتهد الفتيا (^٥)».
_________________
(١) انظر: «المجموع» (١/ ٤٤)، «إعلام الموقّعين» (٤/ ٢٣٣)، «تهذيب الفروق» (٢/ ١١٨).
(٢) انظر: «الردّ على من أخلد إلى الأرض» (ص ٤١).
(٣) «صفة الفتوى والمفتي والمستفتي» (ص ٢٢).
(٤) انظر: «أدب المفتي والمستفتي» (ص ٣٦)، «إعلام الموقّعين» (٤/ ٢٣٤).
(٥) انظر: «الرد على من أخلد إلى الأرض» (ص ٤١).
[ ١ / ٤١ ]
يقول ابن القيِّم: «النوع الرابع: طائفة تفقَّهت في مذاهب من انتسبت إليه، وحفظت فتاويه وفروعه، وأقرّت على أنفسها بالتقليد المحض من جميع الوجوه؛ فإن ذكروا الكتاب والسنَّة يومًا في مسألة؛ فعلى وجه التبرُّك والفضيلة، لا على وجه الاحتجاج والعمل » (^١).
المرتبة الخامسة: المفتي المجتهد في باب معيَّن أو مسألة معيَّنة:
ذهب جمهور العلماء (^٢) إلى أنَّ المفتي يجوز أن يكون مجتهدًا في باب معيَّن من أبواب الفقه، أو مسألة من مسائله، وهو ما يسمى بـ «الاجتهاد الجزئي»؛
_________________
(١) «إعلام الموقّعين» (٤/ ٢٣٤). - تنبيه: يقول ابن الصلاح ﵀: «من عددناه من المفتين المقلِّدين ليسوا مفتين حقيقةً، لكن لمّا قاموا مقامهم، وأدَّوا عنهم عُدُّوا معهم، وسبيلهم أن يقولوا مثلًا: مذهب الشافعي كذا، أو نحو هذا، ومن ترك منهم الإضافة؛ فهو اكتفاء بالمعلوم من الحال عن التصريح به، ولا بأس بذلك» «أدب المفتي والمستفتي» (ص ٣٣).
(٢) وذهبت طائفة من العلماء إلى المنع من تَجَزُّئ الاجتهاد، وعليه فإنّ من أتقن بابًا معيَّنًا من أبواب الفقه أو مسألة من مسائله؛ فإنه ليس له التصدر للفتيا فيما أتقنه. وهو منقول عن الإمام أبي حنيفة. وذهبت طائفة ثالثة إلى التفريق بين المجتهد في باب الميراث وغيره من أبواب الفقه؛ فيجيزون أن يختصّ المجتهد بالاجتهاد في باب المواريث دون غيره من أبواب الفقه. وهو مذهب ابن الصبّاغ من الشافعية. انظر هذه المذاهب في: «المستصفى» للغزالي (٢/ ٣٨٩)، «المحصول» للرازي (٦/ ٢٥ - ٢٦)، «الإحكام» للآمدي (٤/ ١٩٩)، «المجموع» (١/ ٧١)، «كشف الأسرار» (٤/ ١٧)، «إعلام الموقّعين» (٤/ ٢١٦، ٢١٧)، «الإنصاف» للمرداوي (١٢/ ٢٦٥)، «إرشاد الفحول» للشوكاني (٢/ ٢١٦ - ٢١٧)، «الاجتهاد ومدى حاجتنا إليه في هذ ا العصر» (ص ٣٧٦) وما بعدها، «تجزّؤ الاجتهاد» لعبداللّه الحمّاد (ص ١٣ - ١٥).
[ ١ / ٤٢ ]
ذلك أنَّ المجتهد بلغ هذه الرتبة لما حصل له من العلم بالحكم الشرعيّ بدليله؛ فوصف الاجتهاد -المصطلح عليه- يتحقَّق للمجتهد إذا اجتمعت له أدوات العلم بالحكم الشرعي بدليله في جميع أبواب الفقه ومسائله، وهذا الوصف متحقِّق في المجتهد الجزئي، إلّا أنه ضاق نشاطه عن الاجتهاد في غير ما اجتهد فيه من أبواب ومسائل الفقه الأخرى (^١).
_________________
(١) انظر: «الاجتهاد ومدى حاجتنا إليه في هذا العصر» (ص ٣٧٦، ٣٧٧).
[ ١ / ٤٣ ]