٢٥٠ - النَّاسُ -الَّذِينَ ضَلُّوا فِي الْقَدَرِ- عَلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ:
أ - قَوْمٌ آمنُوا بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، وَكَذَّبُوا بِالْقَدَرِ، وَزَعَمُوا أَنَّ مِن الْحَوَادِثِ مَا لَا يَخْلُقُهُ اللهُ كَالْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ.
ب - وَقَوْمٌ آمَنُوا بالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ وَوَافَقُوا أهْلَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَلَى أَنَّهُ مَا شَاءَ اللهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَأَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَرَبُّهُ وَمَلِيكهُ، لَكِنْ عَارَضُوا هَذَا بِالْأمْرِ وَالنَّهْيِ، وَسَمَّوْا هَذَا حَقِيقَةً، وَجَعَلُوا ذَلِكَ مُعَارضٌ لِلشرِيعَةِ.
وَفِيهِمْ مَن يَقُولُ: إنَّ مُشَاهَدَةَ الْقَدَرِ تَنْفِي الْمَلَامَ وَالْعِقَابَ، وَإِنَّ الْعَارِفَ يَسْتَوِي عِنْدَهُ هَذَا وَهَذَا.
وَهُم فِي ذَلِكَ مُتَنَاقِضُونَ مُخَالِفُونَ لِلشَّرْعِ وَالْعَقْلِ وَالذَّوْقِ وَالْوَجْدِ، فَإِنَّهُم
_________________
(١) رواه أبو داود (٣١١٦)، وأحمد (٢٢٠٣٤)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود.
[ ١ / ١٩٨ ]
لَا يُسَوُّونَ بَيْنَ مَن أَحْسَنَ إلَيْهِم وَبَيْنَ مَن ظَلَمَهُمْ، وَلَا يُسَوُّونَ بَيْنَ الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ، وَالْقَادِرِ وَالْعَاجِزِ، وَلَا بَيْنَ الطَّيِّبِ وَالْخَبِيثِ، وَلَا بَيْنَ الْعَادِلِ وَالظَّالِمِ؛ بَل يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمَا، وَيُفَرِّقُونَ أَيْضًا بِمُوجِبِ أَهْوَائِهِمْ وَأَغْرَاضِهِمْ لَا بِمُوجِبِ الْأمْرِ وَالنَّهْيِ، وَلَا يَقِفُونَ لَا مَعَ الْقَدَرِ وَلَا مَعَ الْأَمْرِ؛ بَل كَمَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: أَنْتَ عِنْدَ الطَّاعَةِ قَدَرِيٌّ، وَعِنْدَ الْمَعْصِيَةِ جَبْرِيٌّ؛ أَيُّ: مَذْهَبٍ يُوَافِقُ هَوَاك تَمَذْهَبْت بِهِ.
يَقُولُ: أَنْتَ إذَا أَطَعْتَ جَعَلْتَ نَفْسك خَالِقًا لِطَاعَتِك، فَتَنْسَى نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْك إنْ جَعَلَك مُطِيعًا لَهُ، وَإِذَا عَصَيْتَ لَمْ تَعْتَرِفْ بِأَنَّك فَعَلْت الذَّنْبَ؛ بَل تَجْعَلُ نَفْسَك بِمَنْزِلَةِ الْمَجْبُورِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ مُرَادِهِ، أَو الْمُحَرَّكِ الَّذِي لَا إرَادَةَ لَهُ وَلَا قُدْرَةَ وَلَا عِلْمَ، وَكِلَاهُمَا خَطَأٌ.
ج - وَالصِّنْفُ الثَّالِثُ مِن الضَّالِّينَ فِي الْقَدَرِ: مَن خَاصَمَ الرَّبَّ فِي جَمْعِهِ بَيْنَ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ -كَمَا يَذْكُرُونَ ذَلِكَ عَلَى لِسَانِ إبْلِيسَ-، وَهَؤُلَاءِ خُصَمَاءُ اللهِ وَأَعْدَاؤُهُ.
وَأَمَّا أَهْلُ الْإِيمَانِ: فَئومِنونَ بِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ، وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَيَفْعَلُونَ الْمَأْمُورَ وَيَتْرُكُونَ الْمَحْظُورَ، وَيَصْبِرُونَ عَلَى الْمَقْدُورِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٠]؛ فَالتَّقْوَى تَتَنَاوَلُ فِعْلَ الْمَأْمُورِ وَتَرْكَ الْمَحْظُورِ، وَالصَّبْرُ يَتَضَمَّنُ الصَّبْرَ عَلَى الْمَقْدُورِ.
وَهَؤُلَاءِ إذَا أَصَابَتْهُم مُصِيبَةٌ فِي الْأَرْضِ أَو فِي أَنْفُسِهِمْ عَلِمُوا أَنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ، وَأَنَّ مَا أَصَابَهُم لَمْ يَكُن لِيُخْطِئَهُمْ، وَمَا أَخْطَاهُم لَمْ يَكُن لِيُصِيبَهُمْ، فَسَلَّمُوا الْأَمْرَ للّهِ وَصَبَرُوا عَلَى مَا ابْتَلَاهُم بِهِ.
وَأَمَّا إذَا جَاءَ أَمْرٌ اللّهِ فَإِنَّهُم يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ، وَيُسَابِقُونَ إلَى الطَّاعَاتِ، وَيَدْعُونَ رَبَّهُم رَغَبًا وَرَهَبًا، وَيَجْتَنِبُونَ مَحَارِمَهُ، وَيَحْفَظُونَ حُدُودَهُ، وَيَسْتَغْفِرُونَ اللّهَ وَيَتُوبُونَ إلَيْهِ مِن تَقْصِيرِهِمْ فِيمَا أَمَرَ، وَتَعَدِّيهِمْ لِحُدُودِهِ؛ عِلْمًا
[ ١ / ١٩٩ ]
مِنْهُم بِأَنَّ التَّوْبَةَ فَرْضٌ عَلَى الْعِبَادِ دَائِمًا، وَاقْتِدَاءً بِنَبِيِّهِمْ حَيْثُ يَقُولُ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: "أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إلَى رَبِّكُمْ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللّهَ وَأَتُوبُ إلَيْهِ في الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ" (^١). [٢/ ٣٠٠ - ٣٠٤، ٣٢٨]
٢٥١ - الرضى نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: الرضى بِفِعْلِ مَا أُمِرَ بِهِ وَتَرْكِ مَا نُهِيَ عَنْهُ.
وَيَتَنَاوَلُ مَا أَبَاحَهُ اللّهُ مِن غَيْرِ تَعَدٍّ إلَى الْمَحْظُورِ كَمَا قَالَ: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢].
وَهَذَا الرضى وَاجِبٌ.
وَالنَّوْعُ الثَّانِي: الرضى بِالْمَصَائِبِ: كَالْفَقْرِ وَالْمَرَضِ وَالذُّلِّ، فَهَذَا الرضى مُسْتَحَبٌّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَقَد قِيلَ: إنَّهُ وَاجِبٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ الصَّبْرُ. [١٠/ ٦٨٢]
٢٥٢ - الرضى بِالْقَضَاءِ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ:
أَحَدُهَا: الرضى بِالطَّاعَاتِ، فَهَذَا طَاعَةٌ مَأْمُورٌ بِهَا.
وَالثَّانِي: الرضى بِالْمَصَائِبِ، فَهَذَا مَأمُورٌ بِهِ: إمَّا مُسْتَحَبٌّ وَإِمَّا وَاجِبٌ.
وَالثَّالِثُ: الْكُفْرُ وَالْفُسُوقُ وَالْعِصْيَانُ، فَهَذَا لَا يُؤْمَرُ بِالرضى بِهِ بَل يُؤْمَرُ بِبُغْضِهِ وَسَخَطِهِ فَإِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّهُ وَلَا يَرْضَاهُ.
وَهُوَ وَإِنْ خَلَقَهُ لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِن الْحِكْمَةِ فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَخْلُقَ مَا لَا يُحِبّهُ لِإِفْضَائِهِ إلَى الْحِكْمَةِ الَّتِي يُحِبُّهَا كَمَا خَلَقَ الشَّيَاطِينَ. فَنَحْنُ رَاضُونَ عَن اللّهِ فِي أَنْ يَخْلُقَ مَا يَشَاءُ، وَهُوَ مَحْمُودٌ عَلَى ذَلِكَ.
وَامَّا نَفْسُ هَذَا الْفِعْلِ الْمَذْمُومِ وَفَاعِلُهُ فَلَا نَرْضَى بِهِ وَلَا نَحْمَدُهُ.
وَفَرْقٌ بَيْنَ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ وَمَا يُرَادُ لِإِفْضَائِهِ إلَى الْمَحْبُوبِ مَعَ كَوْنِهِ مُبْغِضًا
_________________
(١) رواه أحمد (١٧٨٤٧).
[ ١ / ٢٠٠ ]
مِن جِهَةٍ أُخْرَى؛ فَإِنَّ الْأَمْرَ الْوَاحِدَ يُرَادُ مِن وَجْهٍ وَيُكرَهُ مِن وَجْهٍ آخَرَ. كَالْمَرِيضِ الَّذِي يَتَنَاوَلُ الدَّوَاءَ الْكَرِيهَ؛ فَإِنَّهُ يُبْغِضُ الدَّوَاءَ وَيَكْرَهُهُ وَهُوَ مَعَ هَذَا يُرِيدُ اسْتِعْمَالَهُ لِإِفْضَائِهِ إلَى الْمَحْبُوبِ لَا لِأَنَّهُ فِي نَفْسِهِ مَحْبُوبٌ. [١٠/ ٤٨٢ - ٤٨٣]
* * *