١١٢ - مَن يَأْتِي إلَى قَبْرِ نَبِيِّ أَو صَالِحٍ أو مَن يَعْتَقِدُ فِيهِ أَنَّهُ قَبْرُ نَبِيِّ أَو رَجُلٍ صَالِحٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَيَسْأَلُهُ وَيَسْتَنْجِدُهُ فَهَذَا عَلَى ثَلَاثِ دَرَجَاتٍ:
إحْدَاهَا: أَنْ يَسْأَلَهُ حَاجَتَهُ، مِثْلُ أَنْ يَسْأَلَهُ أَنْ يُزِيلَ مَرَضَهُ أَو مَرَضَ دَوَابِّهِ، أَو يَقْضِيَ دَيْنَهُ .. وَنَحْو ذَلِكَ مِمَّا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلَّا اللهُ عزَّوجلَّ: فَهَذَا شِرْكٌ صَرِيحٌ يَجِبُ أَنْ يُسْتَتَابَ صَاحِبُهُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ.
وَإِن قَالَ: أَنَا أَسْألُهُ لِكَوْنِهِ أَقْرَبَ إلَى اللهِ مِنِّي لِيَشْفَعَ لِي فِي هَذ الْأمُورِ لِأنِّي أَتَوَسَّلُ إلَى اللهِ بِهِ كَمَا يُتَوَسَّلُ إلَى السُّلْطَانِ بِخَوَاصِّهِ وَأَعْوَانِهِ: فَهَذَا مِن أَفْعَالِ الْمُشْرِكِينَ وَالنَّصَارَى، فَإِنَّهُم يَزْعُمُونَ أَنَّهُم يَتَّخِذُونَ أَحْبَارَهُم وَرُهْبَانَهُم شُفَعَاءَ، يَسْتَشْفِعُونَ بِهِم فِي مَطَالِبِهِمْ، وَكَذَلِكَ أَخْبَرَ اللهُ عَن الْمُشْرِكِينَ أَنَّهُم قَالُوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣].
الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ أَلَّا تَطْلُبَ مِنْهُ الْفِعْلَ وَلَا تَدْعُوَهُ، وَلَكِنْ تَطْلُبُ أَنْ يَدْعُوَ لَك، كَمَا تَقُولُ لِلْحَيِّ: اُدْعُ لِى، وَكَمَا كَانَ الصَّحَابَةُ -رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِم- يَطْلُبُونَ مِن النَّبِيِّ -ﷺ- الدُّعَاءَ، فَهَذَا مَشْرُوعٌ فِي الْحَيِّ، وَأَمَّا الْمَيِّتُ مِن الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَغَيْرِهِمْ فَلَمْ يُشْرَعْ لنَا أنْ نَقُولَ: اُدْعُ لَنَا، وَلَا اسْأَلْ لَنَا رَبَّك، وَلَمْ يَفْعَلْ هَذَا أَحَدٌ مِن الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَلَا أَمَرَ بِهِ أحَدٌ مِن الْأَئِمَّةِ، وَلَا وَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ؛ بَل الَّذِي ثَبَتَ فِي الصَّحِيح أَنَّهُم لَمَّا أَجْدَبُوا زَمَنَ عُمَرَ -﵁- اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ إنَّا كُنَّا إذَا أَجْدَبْنَا نتَوَسَّلُ إلَيْك بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِيَنَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إلَيْك بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا فَيُسْقَوْنَ.
وَلَمْ يَجِيئُوا إلَى قَبْرِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَائِلِينَ: يَا رَسُولَ اللهِ اُدْعُ اللهَ لَنَا وَاسْتَسْقِ لَنَا وَنَحْنُ نَشْكُو إلَيْك مِمَّا أَصَابَنَا وَنَحْو ذَلِكَ، لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ أَحَدٌ مِن الصَّحَابَةِ قَطُّ؛ بَل هُوَ بِدْعَةٌ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ (^١).
_________________
(١) أي: أنه مما أحدث وليس لأن حكمَه بدعة لا يصل إلى الشرك؛ بل هو من الشرك، كما قرره في عدة مواضع، كما سيأتي بحول الله.
[ ١ / ٨٠ ]
وَذَلِكَ أَنَّ فِي الْمُوَطَّأِ وَغَيْرِهِ عَنْهُ قَالَ -ﷺ-: "اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ، اشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ" (^١).
وَمِن أَعْظَمِ الشِّرْكِ: أَنْ يَسْتَغِيثَ الرَّجُلُ بِمَيِّتٍ أَو غَائِبٍ وَيَسْتَغِيثَ بِهِ عِنْدَ الْمَصَائِبِ، يَقُولُ: يَا سَيِّدِي فُلَانٌ؛ كَأَنَّهُ يَطْلُبُ مِنْهُ إزَالَةَ ضُرِّهِ أَو جَلْبَ نَفْعِهِ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنْ يَقُول: اللَّهُمَّ بِجَاهِ فُلَانٍ عِنْدَك أَو بِبَرَكَةِ فُلَانٍ أَو بِحُرْمَةِ فُلَانٍ عِنْدَك: افْعَلْ بِي كَذَا وَكَذَا، فَهَذَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِن النَّاسِ، لَكِنْ لَمْ يُنْقَلْ عَن أَحَدٍ مِن الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَسَلَفِ الْأُمَّةِ أَنَّهُم كَانُوا يَدْعُونَ بِمِثْل هَذَا الدُّعَاءِ، وَلَمْ يَبْلُغْنِي عَن أَحَدٍ مِن الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ مَا أحْكِيهِ، إلَّا مَا رَأَيْت فِي فَتَاوَى الْفَقِيهِ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فَإِنَّهُ أَفْتَى: أَنَّهُ لَا يَجُوز لِأَحَد أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ إلَّا لِلنَّبِيِّ -ﷺ- إنْ صَحَّ الْحَدِيثُ فِي النَّبِيِّ -ﷺ- وَمَعْنَى الِاسْتِفْتَاءِ: قَد رَوَى النَّسَائِي وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- عَلَّمَ بَعْضَ أَصْحَابِهِ أَنْ يَدْعُوَ فَيَقُولَ: "اللَّهُمَّ: إنِّي أَسْأَلُك وَأتوَسَّلُ إلَيْك بِنَبِيِّك نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، يَا مُحَمَّدُ: يَا رَسُولَ اللهِ إنِّي أتوَسَّلُ بِك إلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي لِيَقْضِيَهَا لِي، اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ" (^٢).
_________________
(١) صححه الألباني في تخريج المشكاة (٧١٥).
(٢) رواه ابن ماجه (١٣٨٥)، والترمذي (٣٥٧٨)، وا لإمام أحمد (١٧٢٤٠) وفيه: "وَتُشَفِّعُيني فِيهِ، وَتُشَفِّعُهُ فِيَّ"، وصححه الترمذي والألباني في صحيح الجامع الصغير (١٢٧٩). قال شيخ الإسلام: فَهَذَا طَلَبَ مِن النَبِيِّ -ﷺ-، وَأَمَرَهُ أَنْ يَسْأَلَ اللهَ أنْ يَقْبَلَ شَفَاعَةَ النَبِيِّ لَهُ فِي تَوَجُّهِهِ بِنَبِيِّهِ إلَى اللهِ، هُوَ كَتَوَسُّلِ غَيْرِهِ مِن الصَّحَابَةِ بِهِ إلَى اللهِ، فَإِن هَذَا التَّوَجُّهَ وَالتَّوَسُّلَ هُوَ تَوَجُّهٌ وَتَوَسُّلٌ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ. اهـ. (٢٧/ ١٣٢ - ١٣٣). وقال الألباني ﵀: قوله في دعائه: "اللَّهُمَّ فشفعه في"؛ أي: اقبل شفاعته -ﷺ-؛ أي: دعاءه فيّ "وشفعني فيه"؛ أي: اقبل شفاعتي؛ أي: دعائي في قبول دعائه -ﷺ- فيّ، فموضوع الحديث كله يدور حول الدعاء كما يتضح للقارئ الكريم بهذا الشرح الموجز، فلا علاقة للحديث بالتوسل المبتدع، ولهذا أنكره الامام أبو حنيفة فقال: أكره أن يسأل الله إلا بالله، كما في "الدر المختار" وغيره من كتب الحنفية. اهـ. سلسلة الأحاديث الصحيحة والضعيفة (١/ ٧٧).
[ ١ / ٨١ ]
فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ قَد اسْتَدَلَّ بِهِ طَائِفَةٌ عَلَى جَوَازِ التَّوَسُّلِ بِالنَّبِيِّ -ﷺ- فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَمَاتِهِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَيْسَ فِي هَذَا جَوَازُ التَّوَسُّلِ بِهِ بَعْدَ مَمَاتِهِ وَفِي مَغِيبِهِ؛ بَل إنَّمَا فِيهِ التَّوَسُّلُ فِي حَيَاتِهِ بِحُضُورِهِ، كمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ -﵁- اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إنَّا كُنَّا إذَا أَجْدَبْنَا نَتَوَسَّلُ إلَيْك بِنَبِيِّنا فَتَسْقِيَنَا، وَإِنَّا نتَوَسَّلُ إلَيْك بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا فَيُسْقَوْنَ (^١).
وَقَد بَيَّنَ عُمَرُ بْن الْخَطَّابِ -﵁- أَنَّهُم كَانُوا يَتَوَسَّلُونَ بِهِ فِي حَيَاتِهِ فَيُسْقَوْنَ، وَذَلِكَ التَّوَسُّلُ بِهِ أَنَّهُم كَانُوا يَسْأَلُونَهُ أَنْ يَدْعُوَ اللهَ لَهُم فَيَدْعُو لَهُم ويدْعُونَ مَعَهُ وَيَتَوَسَّلُونَ بِشَفَاعَتِهِ وَدُعَائِهِ (^٢).
وَأَمَّا الرَّجُلُ إذَا أَصَابَتْهُ نَائِبَةٌ أَو خَافَ شَيْئًا فَاسْتَغَاثَ بِشَيْخِهِ يَطْلُبُ تَثْبِيتَ قَلْبِهِ مِن ذَلِكَ الْوَاقِعِ: فَهَذَا مِن الشِّرْكِ، وَهُوَ مِن جِنْسِ دِين النَّصَارَى.
فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: أَنَا أَدْعُو الشَّيْخَ لِيَكُونَ شَفِيعًا لِي: فَهُوَ مِن جِنْسِ دُعَاءِ النَّصَارَى لِمَرْيَمَ وَالْأَحْبَارِ وَالرّهْبَانِ، وَالْمُؤْمِنُ يَرْجُو رَبَّهُ ويخَافُهُ وَيَدْعُوهُ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ، وَحَقُّ شَيْخِهِ أَنْ يَدْعُوَ لَهُ ويتَرَحَّمَ عَلَيْهِ.
فَإِنْ زَعَمَ أَحَدٌ أَنَّ حَاجَتَهُ قُضِيَتْ بِمِثْل ذَلِكَ، وَأَنَّهُ مُثِّلَ لَهُ شَيْخُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ: فَعُبَّادُ الْكَوَاكِبِ وَالْأَصْنَامِ وَنَحْوُهُم مِن أَهْلِ الشِّرْكِ يَجْرِي لَهُم مِثْلُ هَذَا كَمَا قَد تَوَاتَرَ ذَلِكَ عَمَّن مَضَى مِن الْمُشْرِكِينَ وَعَن الْمُشْرِكِينَ فِي هَذَا الزَّمَانِ، فَلَوْلَا ذَلِكَ مَا عُبِدَت الْأَصْنَامُ وَنَحْوُهَا، قَالَ الْخَلِيلُ ﵇: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ
_________________
(١) رواه البخاري (٣٧١٠).
(٢) وقال ﵀: تَوَسَّلُوا إلَيْهِ بِمَا شَرَعَهُ مِن الْوَسَائِلِ وَهِيَ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَة وَدُعَاءُ الْمُؤمِنِينَ، كَمَا يَتوَسَّلُ الْعَبْدُ إلَى اللهِ بِالْإِيمَانِ بِنَبِيِّهِ وَبِمَحَبَّتِهِ وَمُوَالَاتِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَالسَّلَامِ، وَكَمَا يَتَوَسَّلُونَ فِي حَيَاتِهِ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ، كَذَلِكَ يَتَوَسَّلُ الْخَلْقُ فِي الْآخِرَةِ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ، ويتَوَسَّلُ بِدُعَاءِ الصَّالِحِينَ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: "وَهَل تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إلَّا بِضُعَفَائِكُمْ: بِدُعَائِهِمْ وَصَلَاِتهِمْ وَاسْتِغْفَارِهِمْ". (٢٧/ ١٢٣).
[ ١ / ٨٢ ]
الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [ابراهيم: ٣٥، ٣٦] (^١). [٢٧/ ٧٢ - ٩٠]
١١٣ - وَأَمَّا التَّمَسُّحُ بِقَبْرِ النَّبِيِّ -ﷺ- وَتَقْبِيلُهُ فَكُلُّهُم كَرِهَ ذَلِكَ وَنَهَى عَنْهُ؛ وَذَلِكَ لِأنَّهُم عَلِمُوا مَا قَصَدَهُ النَّبِيُّ -ﷺ- مِن حَسْمِ مَادَّةِ الشّرْكِ وَتَحْقِيقِ التَّوْحِيدِ وَإِخْلَاصِ الدّينِ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. [٢٧/ ٨٠]
١١٤ - قَوْلُ الْقَائِلِ: انْقَضَتْ حَاجَتِي بِبَرَكَةِ اللهِ وَبَرَكَتِك: مُنْكَرٌ مِن الْقَوْلِ؛ فَإِنَّهُ لَا ئقْرَنُ باللهِ فِي مِثْل هَذَا غَيْرُهُ، حَتَّى إنَ قَائِلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-: مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْت فَقَالَ: "أَجَعَلْتَنى للهِ نِدًّا؟ بَل مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ" (^٢).
وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: "لَا تَقُولُوا مَا شَاءَ اللهُ وَشَاءَ مُحَمَّد، وَلَكِنْ قُولُوا مَا شَاءَ اللهُ ثُمَّ شَاءَ مُحَمَّدٌ" (^٣). [٢٧/ ٩٥]
١١٥ - لَمْ يَكُن فِي الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّةِ وَالْمَشَايِخِ الْمُتَقَدِّمِينَ مَن يَقُولُ: إنَّ الدُّعَاءَ مُسْتَجَابٌ عِنْدَ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ لَا مُطْلَقًا وَلَا مُعَيَّنًا، وَلَا فِيهِمْ مَن قَالَ: إنَّ دُعَاءَ الْإِنْسَانِ عِنْدَ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ أَفْضَلُ مِن دُعَائِهِ فِي غَيْرِ تِلْكَ الْبُقْعَةِ، وَلَا إنَّ الصَّلَاةَ فِي تِلْكَ الْبُقْعَةِ أَفْضَل مِن الصَّلَاةِ فِي غَيْرِهَا، وَلَا فِيهِمْ مَن كَانَ يَتَحَرَّى الدُّعَاءَ وَلَا الصَّلَاةَ عِنْدَ هَذِهِ الْقُبُورِ؛ بَل أَفْضَلُ الْخَلْقِ وَسَيِّدُهُم هُوَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- وَلَيْسَ فِي الْأَرْضِ قَبْرٌ اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى أَنَّهُ قَبْرُ نَبِيِّ غَيْرَ قَبْرِهِ، وَقَد اخْتَلَفُوا فِي قَبْرِ الْخَلِيلِ وَغَيْرِهِ (^٤) - وَاتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّهُ يُسَلَّمُ عَلَيْهِ عِنْدَ زَيارَتهِ وَعَلَى صَاحِبَيْهِ. [٢٧/ ١١٦]
_________________
(١) تكلم الشيخ بإسهاب عن شبهة من يستدل على عبادة القبور والتوسل بأصحابها بأنّ كثيرًا من الناس قد دَعَا دَعْوَةً عِنْدَ القَبْر فقُضِيَتْ حَاجَتُه.
(٢) قال الألباني في السلسلة الصحيحة (١/ ٢٦٦): إسناده حسن.
(٣) أخرجه الدارمي (٢٧٤١).
(٤) قال الشيخ في موضع آخرة لَكِنَّ الصَّحِيحَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ قَبْرهُ، وَأمَّا يُونُسُ وَإِلْيَاسُ وَشُعَيْبٌ وَزَكَرِيَّا فَلَا يُعْرَفُ، وَقَبْرُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بِقَصْرِ الْإِمَارَةِ الَّذِي بِالْكُوفَةِ، وَقَبْرُ مُعَاوِيةَ هُوَ الْقَبْرُ الَّذِي تَقُولُ الْعَامَّةَ إنَّهُ قَبْرُ هُودٍ. (٢٧/ ٤٤٥) وقال في موضع آخر: وَأَمَّا "مَشْهَدُ عَلِيِّ" فَعَامَّةُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ قَبْرَهُ؛ بَل قَد قِيلَ: إنَّهُ=
[ ١ / ٨٣ ]
١١٦ - قَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى أَنْ يَقِفَ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ -ﷺ- ويدْعُوَ، وَلَكِنْ يُسَلِّمُ وَيَمْضِي.
وَقَالَ أَيْضًا فِي "الْمَبْسُوطِ": لَا بَأْسَ لِمَن قَدِمَ مَن سَفَرٍ أَو خَرَجَ إلَى سَفَرٍ أَنْ يَقِفَ عَلَى قَبْرِ النَّبِيِّ -ﷺ- فَيُصَلِّي عَلَيْهِ وَيَدْعُو لَهُ وَلأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ.
فَقِيلَ لَهُ: فَإنَّ نَاسًا مِن أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَا يَقْدَمُونَ مِن سَفَرٍ وَلَا يُرِيدُونَهُ، يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِي الْيَوْمِ مَرَّةً أَو أَكْثَرَ، وَرُبَّمَا وَقَفُوا فِي الْجُمْعَة أَو فِي الْيَوْمِ الْمَرَّةَ وَالْمَرَّتَيْنِ أَو أَكْثَرَ عِنْدَ الْقَبْرِ فَيُسَلِّمُونَ ويدْعُونَ سَاعَة.
فَقَالَ: لَمْ يَبْلُغْنِي هَذَا عَن أَحَدٍ مِن أَهْلِ الْفِقْهِ بِبَلْدَتِنَا، وَلَا يُصْلِحُ آخِرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ إلَّا مَا أَصْلَحَ أَوَّلَهَا، وَلَمْ يَبْلُغْنِي عَن أَوَّلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَصَدْرِهَا أَنَّهُم كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ إلَّا مَن جَاءَ مَن سَفَرٍ أَو أَرَادَهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: رَأَيْت أَهْلَ الْمَدِينَةِ إذَا خَرَجُوا مِنْهَا أَو دَخَلُوهَا أَتَوْا الْقَبْرَ وَسَلَّمُوا، قَالَ: وَذَلِكَ دَأبِي (^١).
فَهَذَا مَالِكٌ وَهُوَ أَعْلَمُ أَهْلِ زَمَانِهِ-؛ أَيْ: زَمَنِ تَاجِ التَّابِعِينَ بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ الَّذِينَ كَانَ أَهْلُهَا فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ أَعْلَمَ النَّاسِ بِمَا يُشْرَعُ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ -ﷺ- يَكْرَهُونَ الْوُقُوفَ لِلدُّعَاءِ بَعْدَ السَّلَامِ عَلَيْهِ.
وَبَيَّنَ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ هُوَ الدُّعَاءُ لَهُ وَلصَاحِبَيْهِ، وَهُوَ الْمَشْرُوعُ مِنَ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ.
وَأَنَّ ذَلِكَ أَيْضًا لَا يُسْتَحَبُّ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ كُلَّ وَقْتٍ؛ بَل عِنْدَ الْقُدُومِ مِن
_________________
(١) =قَبْرُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ. (٢٧/ ٤٤٦). وقال في موضع آخر: الْمَشْهَدُ الْمَنْسُوبُ إلَى الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ -﵄- الَّذِي بالْقَاهِرَةِ كَذِبٌ مُخْتَلَقٌ بِلَا نِزَاعٍ بَيْنَ العُلَمَاءِ. (٢٧/ ٤٥١)
(٢) المدخل لابن الحاج (المتوفى ٧٣٧ هـ): (١/ ٢٦٢) وقال فى آخر النقل عن مالك وابن القاسم: قَالَ الْبَاجِيُّ: فَفَرْقٌ بَيْنَ أهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْغُرَبَاءِ؛ لِأنَّ الْغُرَبَاءَ قَاصِدُونَ إلَى ذَلِكَ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ مُقِيمُونَ بِهَا لَمْ يَقْصِدُوهَا مِن أَجْلِ الْقَبْرِ وَالتَّسْلِيمِ. اهـ.
[ ١ / ٨٤ ]
سَفَرٍ أَو إرَادَتِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَحِيَّةٌ لَهُ، وَالْمُحَيَّا لَا يُقْصَدُ بَيْتُهُ كُلَّ وَقْتٍ لِتَحِيَّتِهِ، بِخِلَافِ الْقَادِمَيْنِ مِن السَّفَرِ. [٢٧/ ١١٧ - ١١٨]
١١٧ - من الْمَعْلُومِ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ الدُّعَاءَ عِنْدَ الْقُبُورِ لَو كَانَ أَفْضَلَ مِن الدُّعَاءِ عِنْدَ غَيْرِهَا وَهُوَ أَحَبُّ إلَى اللهِ وأجوب: لَكَانَ السَّلَفُ أَعْلَمَ بِذَلِكَ مِن الْخَلَفِ، وَكَانوا أَسْرَعَ إلَيْهِ، فَإِنَّهُم كَانُوا أَعْلَمَ بِمَا يُحِبُّهُ اللهُ ويرْضَاهُ، وَأَسْبَقَ إلَى طَاعَتِهِ وَرِضَاهُ، وَلَكَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يُبَيِّنُ ذَلِكَ وُيرَغِّبُ فِيهِ. [٢٧/ ١٢٣]
١١٨ - الْإِسْلَامُ دِينُ الرُّسُلِ كُلِّهِمْ أَوَّلهِمْ وَآخِرِهِمْ، وَكُلُّهُم بُعِثُوا بِالْإِسْلَامِ كَمَا قَالَ نُوحٌ ﵇ ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٩١]. [٢٧/ ١٤٩]
١١٩ - مَن اتَّخَذَ عَمَلًا مِن الْأَعْمَالِ عِبَادَةً وَدِينًا وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي الشَّرِيعَةِ وَاجِبًا وَلَا مُسْتَحَبًّا فَهُوَ ضَالٌّ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.
وقَصْدُ الْقُبُورِ لِأجْلِ الدُّعَاءِ عِنْدَهَا رَجَاءَ الْإِجَابَةِ: هُوَ مِن هَذَا الْبَابِ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِن الشَّرِيعَةِ: لَا وَاجِبًا وَلَا مُسْتَحَبًّا، فَلَا يَكُونُ دِينًا وَلَا حَسَنًا وَلَا طَاعَةً للهِ وَلَا مِمَّا يُحِبُّهُ اللهُ ويرْضَاهُ، وَلَا يَكُونُ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا قُرْبَةً، وَمَن جَعَلَهُ مِن هَذَا الْبَابِ فَهُوَ ضَالٌّ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. [٢٧/ ١٥٢]
١٢٠ - نَصَّ عَلَى النَّهْيِ عَن بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِن عُلَمَاءِ الْمَذَاهِبِ مِن أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد، وَمِن فُقَهَاءَ الْكُوفَةِ أَيْضًا، وَصَرَّحَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُم بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ، وَهَذَا لَا ريبَ فِيهِ بَعْدَ لَعْنِ النَّبِيِّ -ﷺ- وَمُبَالَغَتِهِ فِي النَّهْيِ عَن ذَلِكَ.
وَاتِّخَاذُهَا مَسَاجِدُ يَتَنَاوَلُ شَيْئَيْنِ:
أ- أَنْ يَبْنِيَ عَلَيْهَا مَسْجِدًا.
ب- أَو يُصَلِّيَ عِنْدَهَا مِن غَيْرِ بِنَاءٍ، وَهُوَ الَّذِي خَافَهُ هُوَ وَخَافَتْهُ الصَّحَابَةُ إذَا دَفَنُوهُ بَارِزًا: خَافُوا أَنْ يُصَلَّى عِنْدَهُ فَيُتَّخَذَ قَبْرُهُ مَسْجِدًا. [٢٧/ ١٦٠]
[ ١ / ٨٥ ]
١٢١ - تَجُوزُ زَيارَةُ قَبْرِ الْكَافِرِ لِأَجْلِ الِاعْتِبَارِ دُونَ الِاسْتِغْفَارِ لَهُ .. وَأَمَّا زِيارَةُ الْقُبُورِ لِأَجْلِ الدُّعَاءِ عِنْدَهَا أَو التَّوَسُّلِ بِهَا أَو الِاسْتِشْفَاعِ بِهَا: فَهَذَا لَمْ تَأْتِ بِهِ الشَّرِيعَةُ أَصْلًا. [٢٧/ ١٦٥]
١٢٢ - السُّنَّةُ عِنْد الصَّحَابَةِ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ إذَا سَلَّمَ الْعَبْدُ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- وَصَاحِبَيْهِ: أَنْ يَدْعُوَ اللهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، وَلَا يَدْعُوَ مُسْتَقْبِلَ الْحُجْرَةِ.
وَالْحِكَايَةُ الَّتِي تُرْوَى فِي خِلَافِ ذَلِكَ عَن مَالِكٍ مَعَ الْمَنْصُورِ بَاطِلَةٌ لَا أَصْلَ لَهَا.
وَلَمْ أَعْلَم الْأَئِمَّةَ تَنَازَعُوا فِي أَنَّ السُّنَّةَ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَقْتَ الدُّعَاءِ لَا اسْتِقْبَالُ الْقَبْرِ النَّبَوِيِّ.
وَإِنَّمَا تَنَازَعُوا وَقْتَ السَّلَامِ عَلَيْهِ، فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: يُسَلِّمُ عَلَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقَبْرِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُسَلِّمُ عَلَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ مُسْتَدْبِرَ الْقَبْرِ.
فَإِذَا كَانَ الدُّعَاء فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- أَمَرَ الْأَئِمَّةُ فِيهِ بِاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ، كَمَا رُوِيَ عَن الصَّحَابَة، وَكَرِهُوا اسْتِقْبَالَ الْقَبْرِ، فَمَا الظَّنُّ بِقَبْرِ غَيْرِهِ؟
وَهَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ لَك أَنَّ قَصْدَ الدُّعَاءِ عِنْدَ الْقُبُورِ: لَيْسَ مِن دِينِ الْمُسْلِمِينَ.
وَمَن ذَكَرَ شَيْئًا يُخَالِفُ هَذَا مِن الْمُصَنِّفِينَ فِي الْمَنَاسِكِ أَو غَيْرِهَا فَلَا حُجَّةَ مَعَهُ بِذَلِكَ وَلَا مَعَهُ نَقْلٌ عَن إمَامٍ مَتْبُوعٍ.
وَلَمْ يَكُن فِي الْعُصُورِ الْمُفَضَّلَةِ مَشَاهِدُ عَلَى الْقُبُورِ، وَإِنَّمَا ظَهَرَ ذَلِكَ وَكَثُرَ فِي دَوْلَةِ بَنِي بويه؛ لَمَّا ظَهَرَت الْقَرَامِطَةُ بِأَرْضِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ كَانَ بِهَا زَنَادِقَةٌ كُفَّارٌ مَقْصُودُهُم تَبْدِيلُ دِينِ الْإِسْلَامِ، وَكَانَ فِي بَنِي بويه مِن الْمُوَافِقَةِ لَهُم عَلَى بَعْضِ ذَلِكَ، وَمِن بِدَعِ الْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالرَّافِضَةِ مَا هُوَ مَعْرُوفٌ لِأَهْلِ الْعِلْمِ فَبَنَوْا الْمَشَاهِدَ الْمَكذُوبَةَ "كَمَشْهَدِ عَلِيٍّ" -﵁- وَأَمْثَالِهِ.
وَصَنَّفَ أَهْلُ الْفِرْيَةِ الْأَحَادِيثَ فِي زِيَارَةِ الْمَشَاهِدِ وَالصَّلَاةِ عِنْدَهَا وَالدُّعَاءِ عِنْدَهَا وَمَا يُشْبِهُ ذَلِكَ، فَصَارَ هَؤُلَاءِ الزَّنَادِقَةُ وَأَهْلُ الْبِدَعِ الْمُتَّبِعُونَ لَهُم يُعَظِّمُونَ
[ ١ / ٨٦ ]
الْمَشَاهِدَ ويُهِينُونَ الْمَسَاجِدَ، وَذَلِكَ: ضِدُّ دِينِ الْمُسْلِمِينَ، وَيسْتَتِرُونَ بِالتَّشَيُّعِ. [٢٧/ ١٦٦ - ١٦٨]
١٢٣ - عَامَّةُ الْقُبُورِ الَّتِي بُنِيَتْ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدُ إمَّا مَشْكُوكٌ فِيهَا وَإِمَّا مُتَيَقَّنٌ كَذِبُهَا. [٢٧/ ١٧٠]
١٢٤ - إذَا قُضِيَتْ حَاجَةُ مُسْلِمٍ وَكَانَ قَد دَعَا دَعْوَةً عِنْدَ قَبْرِهِ: فَمِن أَيْنَ لَهُ أَنَّ لِذَلِكَ الْقَبْرِ تَأْثِيرًا فِي تِلْكَ الْحَاجَةِ؟.
ثُمَّ تِلْكَ الْحَاجَةُ:
أ- إمَّا أَنْ تَكُونَ قَد قُضِيَتْ بِغَيْرِ دُعَائِهِ.
ب- وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ قُضِيَتْ بِدُعَائِهِ.
فَإِنْ كَانَ: الْأَوَلَ فَلَا كَلَامَ.
وَإِن كَانَ الثَّانِيَ: فَيَكُونُ قَد اجْتَهَدَ فِي الدُّعَاءِ اجْتِهَادًا لَو اجتهده فِي غَيْرِ تِلْكَ الْبُقْعَةِ أَو عِنْدَ الصَّلِيبِ لَقُضِيَتْ حَاجَتُهُ؛ فَالسَّبَبُ هُوَ اجْتِهَادُهُ فِي الدُّعَاءِ لَا خُصُوصُ الْقَبْرِ. [٢٧/ ١٧٦ - ١٧٧]
١٢٥ - مَن ظَنَّ فِي عُبَّادِ الْأَصْنَامِ أَنَّهُم كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهَا تَخْلُقُ الْعَالَمَ، أَو أَنَّهَا تُنَزِّلُ الْمَطَرَ، أَو تُنْبِتُ الثَّبَاتَ، أَو تَخْلُقُ الْحَيَوَانَ أَو غَيْرَ ذَلِكَ: فَهُوَ جَاهِل بِهِم؛ بَل كَانَ قَصْدُ عُبَّادِ الْأَوْثَانِ لِأَوْثَانِهِمْ مِن جِنْسِ قَصْدِ الْمُشْرِكِينَ بِالْقُبُورِ لِلْقُبُورِ الْمُعَظَّمَةِ عِنْدَهُمْ، وَقَصْدِ النَّصَارَى لِقُبُورِ الْقِدّيسِينَ يَتَّخِذُونَهُم شُفَعَاءَ وَوَسَائِطَ وَوَسَائِلَ. [٢٧/ ١٧٨]
١٢٦ - الشِّرْكُ كَمَا قُرِنَ بِالْكَذِبِ قُرِنَ بِالسِّحْرِ فِي مِثْل قَوْله تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١] وَالْجِبْتُ: السِّحْرُ، وَالطَّاغُوتُ: الشَّيْطَانُ وَالْوَثَنُ.
وَهَذِهِ حَالُ كَثِيرٍ مِن الْمُنْتَسِبينَ إلَى الْمِلَّةِ يُعَظِّمُونَ السِّحْرَ وَالشِّرْكَ، وُيرَجِّحُونَ الْكُفَّارَ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَمَسِّكِينَ بِالشَّرِيعَةِ.
[٢٧/ ١٧٨ - ١٧٩]
[ ١ / ٨٧ ]
١٢٧ - أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ السَّاحِرَ كَافِرٌ يَجِبُ قَتْلُهُ، وَقَد ثَبَتَ قَتْلُ السَّاحِرِ عَن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعُثْمَانَ بْنِ عفان، وَحَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، وَجُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا عَنْهُ عَن النَّبِيِّ -ﷺ-. [٢٩/ ٣٨٤]
[ ١ / ٨٨ ]