١ - قال معاذ بن جبل -﵁- (^١): (عليكم بالعلم فإن طلبه لله عبادة، ومعرفته خشية، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، ومذاكرته تسبيح، به يعرف الله ويعبد، وبه يمجد الله ويوحد، يرفع الله بالعلم أقوامًا يجعلهم للناس قادة وأئمة يهتدون بهم، وينتهون إلى رأيهم).
فجعل البحث عن العلم من الجهاد. [١٠/ ٣٩]
٢ - العلم النافع هو أصل الهدى، والعمل بالحق هو الرشاد، وضد الأول الضلال، وضد الثاني الغي؛ فالضلال العمل بغير علم، والغي اتباع الهوى. قال تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢)﴾ [النجم: ١، ٢]، فلا ينال الهدى إلا بالعلم، ولا ينال الرشاد إلا بالصبر. [١٠/ ٤٠]
٣ - رَأسُ الْفَضَائِلِ: الْعِلْمُ، وَكُلُّ مَن كَانَ أَفْضَلَ مِن غَيْرِهِ مِن الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ: فَإِنَّهُ أَعْلَمُ مِنْهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]. [٤/ ٤٠٨]
٤ - كان شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: لا بد للسالك إلى الله من همة تسيره وترقيه، وعلم يبصره ويهديه.
_________________
(١) قال ابن تيمية ﵀ في (٤/ ١٠٩): وَيُرْوَى مَرْفُوعًا وَهُوَ مَحْفُوظٌ عَن مُعَاذٍ.
[ ١ / ٢١ ]
وقال: العارف يسير إلى الله عزَّوجلَّ بين مشاهدة المنة (^١)، ومطالعة عيب النفس. [المستدرك ١/ ١٤٣]
٥ - لا ريب أن الذين أوتوا العلم والإيمان أرفع من الذين أوتوا الإيمان فقط، كما دل عليه الكتاب والسُّنَّة.
والعلم الممدوح هو الذي ورَّثَه الأنبياءُ.
وطلب العلم الواجب لكونه معيَّنًا (^٢) على كل أحد: إما لكونه محتاجًا إلى جواب مسائل في أصول دينه أو فروعه، ولا يجد في بلده من يجيبه، وإما لكونه فرضٌ على الكفاية ولم يقم به من يُسْقِطُ الفرض؛ فيجوز السفر لطلب ذلك بدون رضى الوالدين، فلا طاعة لهما في ترك فريضة. [المستدرك ١/ ١١ - ١٣]
٦ - ينبغي أن يخفض صوته عند المعلم، قال الشيخ تقي الدين: من رفع صوته على غيره علم كل عاقل أنه قلة احترام له. [المستدرك ٥/ ٢٢٧]
٧ - أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَالِمٌ لَمْ يَنْفَعْهُ اللهُ بِعِلْمِهِ. [١٠/ ٢٧٠]
٨ - الْعِلْمُ الْمَشْرُوعُ وَالنُّسُكُ الْمَشْرُوعُ مَأْخُوذٌ عَن أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، وَأَمَّا مَا جَاءَ عَمَّن بَعْدَهُم فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ أَصْلًا وَإِن كَانَ صَاحِبُهُ مَعْذُورًا بَل مَأجورًا لِاجْتِهَادِ أَو تَقْلِيدٍ. [١٠/ ٣٦٢]
٩ - لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إنَّ هَذَا مُسْتَحَبٌّ أَو مَشْرُوعٌ إلَّا بِدَلِيلٍ شَرْعِيِّ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُثْبِتَ شَرِيعَةً بِحَدِيثٍ ضَعِيفٍ، لَكِنْ إذَا ثَبَتَ أَنَّ الْعَمَلَ مُسْتَحَبٌّ بِدَلِيل شَرْعِيِّ وَرُوِيَ لَهُ فَضَائِلُ بِأَسَانِيدَ ضَعِيفَةٍ جَازَ أَنْ تُرْوَى إذَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهَا كَذِبٌ، وَذَلِكَ أَنَّ مَقَادِيرَ الثَّوَابِ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ، فَإِذَا رُوِيَ فِي مِقْدَارِ الثَّوَابِ حَدِيثٌ لَا يُعْرَفُ أَنَّهُ كَذِبٌ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُكَذَّبَ بِهِ.
_________________
(١) أي: منة الله عليه بالعافية والخير والصلاح.
(٢) قال في الحاشية: كذا في الأصل. وغالبًا ما تستعمل كلمة متعيَّنًا في مثل هذا.
[ ١ / ٢٢ ]
وَهَذَا هُوَ الَّذِي كَانَ الْإِمَامُ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُ يُرَخِّصُونَ فِيهِ وَفِي رِوَايَاتِ أَحَادِيثِ الْفَضَائِلِ.
وَأَمَّا أَنْ يُثْبِتُوا أَنَّ هَذَا عَمَلٌ مُسْتَحَبٌّ مَشْرُوعٌ بِحَدِيث ضَعِيفٍ فَحَاشَا للهِ.
كَمَا أَنَّهُم إذَا عَرَفُوا أَنَّ الْحَدِيثَ كَذِبٌ فَإِنَّهُم لَمْ يَكونوا يَسْتَحِلُّونَ رِوَايَتَهُ إلَّا أَنْ يُبَيِّنُوا أَنَّهُ كَذِبٌ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: مَن رَوَى عَنِّي حَدِيثًا يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِين (^١). [١٠/ ٤٠٨]
١٠ - الْعَالِمُ الْفَاجِرُ يُشْبِهُ الْيَهُودَ، وَالْعَابِدُ الْجَاهِلُ يُشْبِهُ النَّصَارَى، وَمِن أَهْلِ الْعِلْمِ مَن فِيهِ شَيءٌ مِن الْأَوَّلِ، وَمِن أَهْلِ الْعِبَادَةِ مَن فِيهِ شَيءٌ مِن الثَّانِي. [١٠/ ٤٠٨]
١١ - مَن عَمِلَ بِمَا عَلِمَ وَرَّثَهُ اللهُ عِلْمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ. [١٠/ ٥٠١]
وَحُسْنُ الْقَصْدِ مِن أَعْوَنِ الْأَشْيَاءِ عَلَى نَيْلِ الْعِلْمِ وَدَرْكِهِ.
وَالْعِلْمُ الشَّرْعِيُّ مِن أَعْوَنِ الْأَشْيَاءِ عَلَى حُسْنِ الْقَصْدِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، فَإِنَّ الْعِلْمَ قَائِدٌ وَالْعَمَلَ سَائِقٌ، وَالنَّفْسَ حَرُونٌ، فَإِنْ وَنَى قَائِدُهَا لَمْ تَسْتَقِمْ لِسَائِقِهَا، وَإن وَنَى سَائِقُهَا لَمْ تَسْتَقِمْ لِقَائِدِهَا، فَإِذَا ضَعُفَ الْعِلْمُ حَارَ السَّالِكُ وَلَمْ يَدْرِ أَيْنَ يَسْلُكُ، فَغَايَتُهُ أَنْ يستطرح لِلْقَدَرِ، وَإِذَا تَرَكَ الْعَمَلَ حَارَ السَّالِكُ عَن الطَّرِيقِ فَسَلَكَ غَيْرَهُ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُ تَرَكَهُ، فَهَذَا حَائِرٌ لَا يَدْرِي أَيْنَ يَسْلُكُ مَعَ كَثْرَةِ سيْرِهِ، وَهَذَا حَائِرٌ عَن الطَّرِيقِ زَائِغٌ عَنْهُ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ. [١٠/ ٥٤٤]
١٢ - عَن أَبِي حَيَّانَ التيمي قَالَ: "الْعُلَمَاءُ ثَلَاثَةٌ":
أ- فَعَالِمٌ باللهِ لَيْسَ عَالِمًا بِأَمْرِ اللهِ.
ب- وَعَالِمٌ بِأَمْرِ اللهِ لَيْسَ عَالِمًا باللهِ.
ج- وَعَالِمٌ باللهِ وَبِأَمْرِ اللهِ.
_________________
(١) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.
[ ١ / ٢٣ ]
فَالْعَالِمُ باللهِ الَّذِي يَخْشَاهُ، وَالْعَالِمُ بِأَمْرِ الله الَّذِي يَعْرِفُ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ. [١٠/ ٥٤٥]
١٣ - رِوَايَةُ الْأَحَادِيثِ الْمَكْذُوبَةِ مَعَ بَيَانِ كَوْنِهَا كَذِبًا جَائِزٌ.
وَأَمَّا رِوَايَتُهَا مَعَ الْإِمْسَاكِ عَن ذَلِكَ رِوَايَةُ عَمَل فَإِنَّهُ حَرَامٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ. [١٠/ ٦٧٩]
١٤ - الْعِلْمُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ:
أ- "عِلْمٌ باللهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ" وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ، وَفِي مِثْلِهِ أَنْزَلَ اللهُ سُورَةَ الْإِخْلَاصِ وَآيَةَ الْكُرْسِيِّ وَنَحْوَهُمَا.
ب- وَ"الْقِسْمُ الثَّانِي": الْعِلْمُ بِمَا أَخْبَرَ اللهُ بِهِ مِمَّا كَانَ مِن الْأُمُورِ الْمَاضِيَةِ، وَمَا يَكُونُ مِن الْأُمُورِ الْمُسْتَقْبَلَةِ، وَمَا هُوَ كَائِنٌ [من] (^١) الْأُمُورِ الْحَاضِرَةِ، وَفِي مِثْل هَذَا أَنْزَلَ اللهُ آيَاتِ الْقَصَصِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَصِفَةَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
ج- وَ"الْقِسْمُ الثَّالِثُ": الْعِلْمُ بِمَا أَمَرَ اللهُ بِهِ مِن الْأُمُورِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْقُلُوبِ وَالْجَوَارحِ، مِن الْإِيمَانِ باللهِ مِن مَعَارِفِ الْقُلُوب وَأَحْوَالِهَا، وَأَقْوَالِ الْجَوَارحِ وَأَعْمَالِهَا.
وَهَذَا الْعِلْمُ يَنْدَرجُ فِيهِ الْعِلْمُ بِأُصُولِ الْإِيمَانِ وَقَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ، وَيَنْدَرجُ فِيهِ الْعِلْمُ بِالْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ الظَّاهِرَةِ، وَهَذَا الْعِلْمُ يَنْدَرجُ فِيهِ مَا وُجِدَ فِي كُتبِ الْفقَهَاءِ مِن الْعِلْمِ بِأَحْكَامِ الْأَفْعَالِ الظَّاهِرَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ جُزْءٌ مِن جُزْءٍ مِن جُزْءٍ مِن عِلْمِ الدِّينِ (^٢)، كَمَا أَنَّ الْمُكاشَفَاتِ الَّتِي يَكُونُ لِأَهْلِ الصَّفَا جُزْءٌ مِن جُزْءٍ مِن جُزْءٍ مِن عِلْمِ الْأُمُورِ الْكَوْنِيَّةِ.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين من المستدرك (١/ ١١ - ١٣).
(٢) فالذي يعكف على كتب الفقه والأحكام، لم يَحُزْ إلا على الجزء اليسير من العلم والدين، وهذا بخلاف فهم كثير من طلاب العلم أن الفقه هو أهم العلوم وأنفعُها! فاكتفوا بهذا العلم وتوسعوا فيه، وتركوا العلوم الأخرى المهمة.
[ ١ / ٢٤ ]
وَالنَّاسُ إنَّمَا يَغْلَطُونَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ؛ لِأَنَّهُم يَفْهَمُونَ مُسَمَّيَاتِ الْأَسْمَاءِ الْوَارِدَةِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلَا يَعْرِفُونَ حَقَائِقَ الْاُمُورِ الْمَوْجُودَةِ.
فَرُبَّ رَجُلٍ يَحْفَظُ حُرُوفَ الْعِلْمِ الَّتِي أَعْظَمُهَا حِفْظُ حُرُوفِ الْقُرْآنِ وَلَا يَكُونُ لَهُ مِن الْفَهْمِ؛ بَل ولا مِن الإيمَانِ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ عَلَى مَن أُوتِيَ الْقُرْآنَ وَلَمْ يُؤْتَ حِفْظَ حُرُوفِ الْعِلْمِ. [١١/ ٣٩٦ - ٣٩٨]
١٥ - حُسْنُ الْمَسْأَلَةِ نِصْفُ الْعِلْمِ، إذَا كَانَ السَّائِلُ قَد تَصَوَّرَ السُّؤَالَ. [٨/ ٣٧٧]
١٦ - مِن فِقْهِ الرَّجُلِ قِلَّةُ وُلُوعِهِ بِالْمَاءِ. [٢١/ ٢٩٨]
١٧ - لَا رَيْبَ أَنَّ النَّاسَ يَحْتَاجُونَ مَن يَتَلَقَّوْنَ عَنْهُ الْإِيمَانَ وَالْقُرْآنَ كَمَا تَلَقَّى الصَّحَابَةُ ذَلِكَ عَن النَّبِيِّ -ﷺ-، وَتَلَقَّاهُ عَنْهُم التَّابِعُونَ، وَبِذَلِكَ يَحْصُلُ اتِّبَاعُ السَّابِقِينَ الْأَوَّلينَ بِإِحْسَانٍ، فَكَمَا أَنَّ الْمَرْءَ لَهُ مَن يُعَلِّمُهُ الْقُرْآنَ وَنَحْوَهُ، فَكَذَلِكَ لَهُ مَن يُعَلِّمُه الدِّينَ الْبَاطِنَ وَالظَّاهِرَ.
وَلَا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ فِي شَخْصٍ مُعَيَّنٍ، وَلَا يَحْتَاجُ الْإِنْسَانُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَنْتَسِبَ إلَى شَيْخٍ مُعَيَّنٍ.
كُلُّ مَن أَفَادَ غَيْرَهُ إفَادَةً دِينِيَّةً هُوَ شَيْخُهُ فِيهَا، وَكُلُّ مَيِّتٍ وَصَلَ إلَى الْإِنْسَانِ مِن أَقْوَالِهِ وَأَعْمَالِهِ وَآثَارِهِ مَا انْتَفَعَ بِهِ فِي دِينِهِ فَهُوَ شَيْخُهُ مِن هَذِهِ الْجِهَةِ، فَسَلَفُ الْأُمَّةِ شُيُوخُ الْخُلَفَاءِ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ.
وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَنْتَسِبَ إلَى شَيْخٍ يُوَالِي عَلَى مُتَابَعَتِهِ وَيُعَادِي عَلَى ذَلِكَ؛ بَل عَلَيْهِ أَنْ يُوَالِيَ كُلَّ مَن كَانَ مِن أَهْلِ الْإِيمَانِ، وَمَن عُرِفَ مِنْهُ التَّقْوَى مِن جَمِيعِ الشُّيُوخِ وَغَيْرِهِمْ، وَلَا يَخُصُّ أَحَدًا بِمَزِيدِ مُوَالَاةٍ إلَّا إذَا ظَهَرَ لَهُ مَؤِيدُ إيمَانِهِ وَتَقْوَاهُ، فَيُقَدِّمُ مَن قَدَّمَ اللهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ عَلَيْهِ، وَيُفَضِّلُ مَن فَضَّلَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ.
[ ١ / ٢٥ ]
١٨ - الْعِلْمُ لَا بُدَّ فِيهِ مِن نَقْلٍ مُصَدَّقٍ، وَنَظَرٍ مُحَقَّقٍ.
وَأَمَّا النُّقُولُ الضَّعِيفَةُ لَا سِيَّمَا الْمَكْذُوبَةُ فَلَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ النَّظَرِيَّاتُ الْفَاسِدَة وَالْعَقْلِيَّات الجهلية الْبَاطِلَةُ لَا يُحْتَجُّ بِهَا. [١٢/ ٦٣]
١٩ - لَمْ يَبْقَ مَسْأَلَةٌ فِي الدِّينِ إلَّا وَقَد تَكَلَّمَ فِيهَا السَّلَفُ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهُم قَوْلٌ يُخَالِفُ ذَلِكَ الْقَوْلَ أَو يُوَافِقُهُ، وَقَد بَسَطْنَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّ الصَّوَابَ فِي أَقْوَالِهِمْ أَكْثَرُ وَأَحْسَنُ، وَأَنَّ خَطَأهُم أَخَفُّ مِن خَطَأِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَأَنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ أَكْثَرُ خَطأً وَأَفْحَشُ، وَهَذَا فِي جَمِيعِ عُلُومِ الدِّينِ.
٢٠ - لَا رَيْبَ أَنَّ اللهَ يَفْتَحُ عَلَى قُلُوب أَوْليَائِهِ الْمُتَّقِينَ، وَعِبَادِهِ الصَّالحِينَ، بِسَبَبِ طَهَارَةِ قُلُوبِهِم مِمَّا يَكْرَهُهُ، وَاَتِّبَاعِهِمْ مَا يحِبُّهُ، مَا لَا يَفْتَحُ بِهِ عَلَى غَيْرِهِمْ. [١٣/ ٢٧]
وَهَذَا كَمَا قَالَ عَلِيٌّ: "إلَّا فَهْمًا يُؤْتِيهِ اللهُ عَبْدًا فِي كِتَابِهِ"، وَفِي الْأَثَرِ: "مَن عَمِلَ بِمَا عَلِمَ وَرَّثَهُ الله عِلْمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ".
وَالنَّاسُ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ طَرَفَانِ وَوَسَطٌ:
أ- فَقَوْمٌ يَزْعُمُونَ أَنَّ مُجَرَّدَ الزُّهْدِ وَتَصْفِيَةِ الْقَلْبِ وَرِياضَةِ النَّفْسِ تُوجِبُ حُصُولَ الْعِلْمِ بِلَا سَبَبٍ آخَرَ.
ب- وَقَوْمٌ يَقُولُونَ: لَا أَثَرَ لِذَلِكَ؛ بَل الْمُوجِبُ لِلْعِلْمِ الْعِلْمُ بِالْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ أَو الْعَقْلِيَّةِ.
ج- وَأَمَّا الْوَسَطُ: فَهُوَ أَنَّ ذَلِكَ مِن أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ مُعَاوَنَةً عَلَى نَيْلِ الْعِلْمِ؛ بَل هُوَ شَرْطٌ فِي حُصُولِ كَثِيرٍ مِن الْعِلْمِ وَلَيْسَ هُوَ وَحْدَهُ كَافِيًا.
فَمَن ظَنَّ أَنَّ الْهُدَى وَالْإِيمَانَ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ طَرِيقِ الْعِلْمِ مَعَ عَدَمِ الْعَمَلِ
[ ١ / ٢٦ ]
بِهِ (^١)، أَو بِمُجَرَّدِ الْعَمَلِ وَالزُّهْدِ بِدُونِ الْعِلْمِ (^٢) فَقَد ضَلَّ.
وَأَضَلُّ مِنْهُمَا مَن سَلَكَ فِي الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ طَرِيقَ أَهْلِ الْفَلْسَفَةِ وَالْكَلَامِ بِدُونِ اعْتِبَارِ ذَلِكَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلَا الْعَمَلِ بِمُوجِبِ الْعِلْمِ (^٣). [١٣/ ٢٤٥ - ٢٤٧]
٢١ - حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: "حَفِظْت مِن رَسُولِ اللهِ -ﷺ- جِرَابَيْنِ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْته فِيكُمْ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَلَو بَثَثْته لَقَطَعْتُمْ هَذَا الْبُلْعُومَ" (^٤): إِنَّمَا كَانَ فِي ذَلِكَ الْجِرَابِ الْخَبَرُ عَمَّا سَيَكُونُ مِن الْمَلَاحِمِ وَالْفِتَنِ؛ فَالْمَلَاحِمُ الْحُرُوبُ الَّتِي بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ، وَالْفِتَنُ مَا يَكُونُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. [١٣/ ٢٥٥]
٢٢ - الْعِلْمُ إمَّا (^٥):
أ- نَقْلٌ مُصَدَّقٌ عَن مَعْصُومٍ.
ب- وَإِمَّا قَوْلٌ عَلَيْهِ دَلِيلٌ مَعْلُومٍ.
وَمَا سِوَى هَذَا فَإِمَّا مُزَيَّفٌ مَرْدُودٌ، وَإِمَّا مَوْقُوفٌ لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ بَهْرَجٌ وَلَا مَنْقُودٌ (^٦). [١٣/ ٣٢٩ - ٣٣٠]
_________________
(١) هذا قد يحصل لبعض طلاب العلم، الذين ينشغلون به عن العمل ونشرِه والدعوة إلى الله، ويكون اهتمامهم في جمع الكتب وتنوع القراءة، وربما في التباهي بذلك.
(٢) هذا حال الخوارج فهُم من أجهل الناس، ويرون أن الجهاد هو السبيل الوحيد إلى إقامة الدين والملة، بل ويلمزون العلماء وطلاب العلم الذين لم يصطفوا معهم بأنهم قاعدون ومُخذّلون، وعلماء سلاطين، والله المستعان.
(٣) هذا ينطبق في هذا الزمان على أدعياء التطور والتقدم، الذين استمدوا تعاليمهم من الغرب المنحل، واحتقروا علوم الدين، ورأوا أنها السبب في تخلف المسلمين صناعيًّا وتقنيًّا.
(٤) البخاري (١٢٠).
(٥) هذه الفائدة من مقدمة التفسير، وقد قال في أول كتابه: "كَتَبْت هَذِهِ الْمُقَدِّمَةَ مُخْتَصَرَةً بِحَسَبِ تَيْسِيرِ اللهِ تَعَالَى مِن إمْلَاءِ الْفُؤَادِ". اهـ. فقد كتبها إملاءً وإنشاءً، دون الرجوع للمصادر والمراجع وكتب أهل العلم، وفيها من التحقيق والتأصيل ما لا يُوجد في غيرها، فرحمه الله، كم كان آيةً في العلم والضبط والحفظ والفهم!
(٦) كما قال ابن القيم في النونية: العلم قال الله قال رسوله … قال الصحابة هم أولو العرفان.
[ ١ / ٢٧ ]
٢٣ - لَا رَيْبَ أَنَّ لَذَّةَ الْعِلْم أَعْظَمُ اللَّذَّاتِ.
واللَّذَّةُ الَّتِي تَبْقَى بَعْدَ الْمَوْتِ وَتَنْفَعُ فِي الْآخِرَةِ هِيَ لَذَّةُ الْعِلْمِ باللهِ وَالْعَمَلِ لَهُ وَهُوَ الْإِيمَانُ بِهِ. [١٤/ ١٦٢]
٢٤ - ذَكَرَ اللهُ أَنَّهُ يَرْفَعُ دَرَجَاتِ مَن يَشَاءُ فِي قِصَّةِ مُنَاظَرَةِ إبْرَاهِيمَ، وَفِي قِصَّةِ احْتِيَالِ يُوسُفَ، وَلهَذَا قَالَ السَّلَفُ: بِالْعِلْمِ؛ فَإِنَّ سِيَاقَ الْآيَاتِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَقِصَّةُ إبْرَاهِيمَ فِي الْعِلْمِ بِالْحُجَّةِ وَالْمُنَاظَرَةِ لِدَفْعِ ضَرَرِ الْخَصْمِ عَن الدِّينِ، وَقِصَّةُ يُوسُفَ فِي الْعِلْمِ بِالسِّيَاسَةِ وَالتَّدْبِيرِ لِتَحْصُلَ مَنْفَعَةُ الْمَطْلُوبِ، فَالْأَوَّل عِلْمٌ بِمَا يَدْفَعُ الْمَضَارَّ فِي الدِّينِ، وَالثَّانِي عِلْمٌ بِمَا يَجْلِبُ الْمَنَافِعَ، أَو يُقَالُ: الْأَوَّلُ هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي يَدْفَعُ الْمَضَرَّةَ عَن الدِّينِ وَيجْلِبُ مَنْفَعَتَهُ، وَالثَّانِي عِلْمٌ بِمَا يَدْفَعُ الْمَضَرَّةَ عَن الدُّنْيَا ويجْلِبُ مَنْفَعَتَهَا (^١).
وَلهَذَا كَانَ الْمُقَصِّرُونَ عَن عِلْمِ الْحُجَجِ وَالدَّلَالَاتِ، وَعِلْمِ السِّيَاسَةِ وَالْإِمَارَاتِ مَقْهُورِينَ مَعَ هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ (^٢). [١٤/ ٤٩٣ - ٤٩٤]
٢٥ - السُّلْطَان نَوْعَانِ: سُلْطَانُ الْحُجَّةِ وَالْعِلْمِ، وَهُوَ أَكْثَرُ مَا سُمِّيَ فِي الْقُرْآنِ سُلْطَانًا.
وَالثَّانِي: سُلْطَانُ الْقُدْرَةِ.
وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ لَا يَقُومُ إلَّا بِالسُّلْطَانَيْنِ. [١٩/ ١٢٥]
_________________
(١) هذا ظاهر بأنه تعالى أثنى على العالم بأمور الدنيا والدين، فكلّ علم من علوم الدنيا أُريد به نفع العباد ودفع مضارهم فهو محمود، ويرفع الله به صاحبه في الدنيا، وكذلك في الآخرة إنْ أراد به وجه الله.
(٢) أي: الْمُقَصِّرُونَ عَن عِلْم الْحُجَجِ وَالدَّلَالَاتِ، وَعِلْم السِّيَاسَةِ وَالْإمَارَاتِ والمفرطون بهما، يكونون دائمًا مَقْهُورِينَ مغلوبين أمام من هم أعلمَ منهم بالْحُجَجِ وَالدَّلَالَاتِ، والسِّيَاسَةِ وَالْإِمَارة، فينبغي على المسلمين أفرادًا وحكومات أنْ يعتنوا بهذين العلمين الشريفين، ليتغلبوا على من سواهم، ويرتفعوا على خصومهم وأعدائهم.
[ ١ / ٢٨ ]
٢٦ - الْخَيْرُ وَالسَّعَادَةُ وَالْكَمَالُ وَالصَّلَاحُ مُنْحَصِرٌ فِي نَوْعَيْنِ: فِي الْعِلْمِ النَّافِعِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ. [١٩/ ١٦٩]
٢٧ - كَثِيرٌ مِن أَهْلِ الْعِبَادَةِ وَالزَّهَادَةِ أَعْرَضَ عَن طَلَبِ الْعِلْمِ النَّبوِيِّ الَّذِي يَعْرِفُ بِهِ طَرِيقَ اللهِ وَرَسُولِهِ، فَاحْتَاجَ لِذَلِكَ إلَى تَقْلِيدِ شَيْخٍ. [١٩/ ٢٧٣]
٢٨ - كَثُرَ ذِكْرُ "طرسوس" فِي كُتُبِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ الْمُصَنَّفَةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهَا كَانَت ثَغْرَ الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى كَانَ يَقْصِدُهَا أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ وَالسَّرِيُّ السقطي وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْمَشَايخِ لِلرِّبَاطِ، وَتُوُفِّيَ الْمَأْمُونُ قَرِيبًا مِنْهَا (^١). [٢٧/ ٥٣]
٢٩ - كَمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُثْبِتَ شَيْئًا إلَّا بِعِلْم: فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْفِيَ شَيْئًا إلَّا بِعِلْمِ؛ وَلهَذَا كَانَ النَّافِي عَلَيْهِ الدَّلِيلَ، كَمَا أَنَّ الْمُثْبِتَ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ. [٦/ ٥١٤]
٣٠ - كُلَّمَا كَانَ الْإِنْسَانُ أَعْظَمَ رَغْبَة فِي الْعِلْمِ وَالْعِبَادَةِ، وَأَقْدَرَ عَلَى ذَلِكَ مِن غَيْرِهِ، بِحَيْثُ تَكُونُ قُوَّتُهُ عَلَى ذَلِكَ أَقْوَى، وَرَغْبَتُهُ وَإِرَادَتُهُ فِي ذَلِكَ أَتَمَّ:
أ- كَانَ مَا يَحْصُلُ لَهُ إنْ سَلَّمَهُ اللهُ مِن الشَّيْطَانِ أَعْظَمَ.
ب- وَكَانَ مَا يَفْتَتِنُ بِهِ إنْ تَمَكَّنَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ أَعْظَمَ. [٧/ ٢٨٤]
٣١ - لَيْسَ صلَاحُ الْإِنْسَانِ فِي مُجَرَّدِ أَنْ يَعْلَمَ الْحَقَّ دُونَ أَلَّا يُحِبَّهُ ويُرِيدَهُ وَيَتَّبِعَهُ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ سَعَادَتُهُ فِي أَنْ يَكُونَ عَالِمًا باللهِ مُقِرًّا بِمَا يَسْتَحِقُّهُ دُونَ أَنْ يَكُونَ مُحِبًّا للهِ، عَابِدًا للهِ، مُطِيعًا للهِ؛ بَل أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَالِمٌ لَمْ يَنْفَعْهُ اللهُ بِعِلْمِهِ، فَإِذَا عَلِمَ الْإِنْسَان الْحَقَّ وَأَبْغَضَهُ وَعَادَاهُ كَانَ مُسْتَحِقًّا مِن غَضَبِ اللهِ وَعِقَابِهِ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ مَن لَيْسَ كَذَلِكَ، كَمَا أَنَّ مَن كَانَ قَاصِدًا لِلْحَقِّ
_________________
(١) أما الآن! فهي بلد الكفار النصيريين، ومن على شاكلتهم من طوائف الرافضة والروس وغيرهم، وهذه البلدة منها ينطلق هؤلاء لقتال المسلمين في الشام، أعادها الله تعالى إلى حضن الإسلام.
[ ١ / ٢٩ ]
طَالِبًا لَهُ -وَهُوَ جَاهِلٌ بِالْمَطْلُوبِ وَطَرِيقِهِ-كَانَ فِيهِ مِن الضَّلَالِ، وَكَانَ مُسْتَحِقًّا مِن اللَّعْنَةِ- الَّتِي هِيَ الْبُعْدُ عَن رَحْمَةِ اللهِ- مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ مَن لَيْسَ مِثْلُهُ. [٧/ ٥٨٦]
٣٢ - العبد إذا عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [النساء: ٦٦] وقال: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧].
وإذا ترك العبد العمل بعلمه عاقبه الله بأن يضله عن الهدى وأن لا يعرفه الصراط المستقيم، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] وقال: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠].
وقال: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة:١٠]. [المستدرك ١/ ٢١٢]
٣٣ - مَن طلب العلم أو فعل غيره مما هو خير في نفسه (^١)؛ لما فيه من المحبة له، لا لله ولا لغيره من الشركاء: فليمس مذمومًا؛ بل قد يثاب بأنواعٍ من الثواب، إما بزيادة فيها وفي أمثالها فيتنعم بذلك في الدنيا، ولو كان كل فعل حسن لم يفعل لله مذمومًا لما أطعم الكافرُ بحسناته في الدنيا لأنها تكون سيئات، وقد يكون من فوائد ذلك وثوابه في الدنيا أن يهديه اللّه إلى أن يتقرب بها إليه، وهذا معنى قول بعضهم، طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا للهِ، وقول الآخر: طلبهم له نية؛ يعني: نفس طلبه حسنة تنفعهم.
ومِن هذا قول خديجة للنبي -ﷺ-: كلا والله لا يخزيك الله، فعلمت أن النفس المطبوعة على محبة الأمر المحمود وفعلِه لا يوقعه الله فيما يضاد ذلك. [المستدرك ٣/ ١٠٤ - ١٠٥]
* * *
_________________
(١) كالصدقة والإصلاحِ بين الناس.
[ ١ / ٣٠ ]