٢٠٤ - أَمَّا التَّوَسُّلُ بِالنَّبِيِّ -ﷺ- وَالتَّوَجّهُ بِهِ فِي كَلَامِ الصَّحَابَةِ فَيُرِيدُونَ بِهِ التَّوَسُّلَ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ.
وَالتَّوَسُّلُ بِهِ فِي عُرْفِ كَثيرٍ مِن الْمُتَأْخِّرِينَ يُرَادُ بِهِ الْإِقْسَامُ بِهِ وَالسُّؤَالُ بِهِ.
وَحِينَئِذٍ فَلَفْظُ التَّوَسّلِ بِهِ يُرَادُ بِهِ مَعْنيانِ صَحِيحَانِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَيُرَادُ بِهِ مَعْنًى ثَالِث لَمْ تَرِدْ بِهِ سُنَّةٌ:
فَأَمَّا الْمَعْنيَانِ الْأَوَّلَانِ الصَّحِيحَانِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ:
فَأَحَدُهُمَا هُوَ أَصْلُ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ: وَهُوَ التَّوَسل بِالْإِيمَانِ بِهِ وَبِطَاعَتِهِ.
وَالثَّاني: دُعَاؤُهُ وَشَفَاعَتُهُ.
فَهَذَانِ جَائِزَانِ بِاِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَمِن هَذَا قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: "اللَّهُمَّ إنَّا كُنَّا إذَا أَجْدَبْنَا تَوَسَّلْنَا إلَيْك بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نتَوَسَّلُ إلَيْك بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا" (^١)؛ أَيْ: بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥]؛ أَي: الْقُرْبَةَ إلَيْهِ بِطَاعَتِهِ.
_________________
(١) رواه البخاري (١٠١٠).
[ ١ / ١٥٤ ]
فَهَذَا التَّوَسُّلُ الْأَوَّلُ هُوَ أَصْلُ الدِّينِ، وَهَذَا لَا يُنْكرُهُ أَحَدٌ مِن الْمُسْلِمِينَ.
وَأَمَّا التَّوَسُّلُ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ -كَمَا قَالَ عُمَرُ- فَإِنَّهُ تَوَسَّلَ بِدُعَائِهِ لَا بِذَاتِهِ؛ وَلهَذَا عَدَلُوا عَن التَّوَسُّلِ بِهِ إلَى التَّوَسُّلِ بِعَمِّهِ الْعَبَّاسِ، وَلَو كَانَ التَّوَسُّلُ هُوَ بذَاتِهِ لَكَانَ هَذَا أَوْلَى مِن التَّوَسُّلِ بِالْعَبَّاسِ، فَلَمَّا عَدَلُوا عَن التَّوَسُّلِ بِهِ إلَى التَّوَسُّلِ بِالْعَبَّاسِ: عُلِمَ أَنَّ مَا يُفْعَل فِي حَيَاتِهِ قَد تَعَذَّرَ بِمَوْتِهِ، بِخِلَافِ التَّوَسُّلِ الَّذِي هُوَ الْإِيمَانُ بِهِ وَالطَّاعَة لَهُ فَإِنَّهُ مَشْرُوعٌ دَائِمًا.
وَالثَّالِثُ: التَّوَسُّلُ بِهِ بِمَعْنَى الْإِقْسَامِ عَلَى اللّهِ بِذَاتِهِ وَالسُّؤَالِ بِذَاتِهِ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي لَمْ يَكُنْ الصَّحَابَةُ يَفْعَلُونَهُ فِي الاِسْتِسْقَاءِ وَنَحْوِهِ، لَا فِي حَيَاتِهِ وَلَا بَعْدَ مَمَاتِهِ، لَا عِنْدَ قَبْرِهِ وَلَا غَيْرِ قَبْرِهِ، وَلَا يُعْرَفُ هَذَا فِي شَيْءٍ مِن الْأَدْعِيَةِ الْمَشْهُورَةِ بَيْنَهُمْ، وَإِنَّمَا يُنْقَلُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ فِي أَحَادِيثَ ضَعِيفَةٌ مَرْفُوعَةٍ وَمَوْقُوفَةٍ، أَو عَمَّن لَيْسَ قَوْلُهُ حُجَّةً.
وَهَذَا هُوَ الَّذِي قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَاُبهُ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ وَنَهَوْا عَنْهُ حَيْثُ قَالُوا: لَا يُسْأَلُ بِمَخْلُوقٍ وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ: أَسْأَلُك بِحَقِّ أَنْبِيَائِك.
وَقَد اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ مَن حَلَفَ بِالْمَخْلُوقَاتِ الْمُحْتَرَمَةِ، أَو بِمَا يَعْتَقِدُ هُوَ حُرْمَتَهُ؛ كَالْعَرْشِ، وَالْكُرْسِيِّ، وَالْكَعْبَةِ، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ .. وَغَيْرِ ذَلِكَ: لَا يَنْعَقِدُ يَمِينُهُ وَلَا كَفَارَةَ فِي الْحَلِفِ بِذَلِكَ.
وَالْحَلِفُ بِالْمَخْلُوقَاتِ حَرَامٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ الشَافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَقَد حُكِيَ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ.
وَقِيلَ: هِيَ مَكْرُوهَة كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ.
وَالْأَوَّلُ أَصَح، حَتَّى قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسِ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: لَأَنْ أَحْلِفَ باللهِ كَاذِبًا أَحَبُّ إلَيَّ مِن أَنْ أحْلِفَ بِغَيْرِ اللّهِ صَادِقًا.
وَذَلِكَ لِأنَّ الْحَلِفَ بِغَيْرِ اللهِ شِرْكٌ، وَالشِّرْكُ أَعْظَمُ مِن الْكذِبِ.
[ ١ / ١٥٥ ]
وَإِنَّمَا نَعْرِفُ النِّزَاعَ فِي الْحَلِفِ بِالْأَنْبِيَاءِ، فَعَن أحْمَدَ فِي الْحَلِفِ بِالنَّبِيّ -ﷺ- رِوَايَتَانِ:
إحْدَاهُمَا: لَا يَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِهِ كَقَوْلِ الْجُمْهُورِ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَافِعِيِّ.
وَالثانِيَة: يَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِهِ.
وَقَصَرَ أَكْثَرُ هَؤُلَاءِ النِّزَاعَ فِي ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- خَاصَّةً، وَعَدَّى ابْنُ عَقِيلٍ هَذَا الْحُكْمَ إلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ.
وَإِيجَابُ الْكَفَّارَةِ بِالْحَلِفِ بِمَخْلُوقِ وَإِن كَانَ نَبِيًّا: قَوْلٌ ضَعِيفٌ فِي الْغَايَةِ مُخَالِفٌ لِلْأصُولِ وَالنُّصُوصِ. [١/ ٢٠١ - ٢٠٤]
٢٠٥ - الَّذِي قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَأصْحَابُهُ وَغَيْرُهُم مِن الْعُلَمَاءِ -مِن أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْأَلَ اللهُ تَعَالَى بِمَخْلُوق: لَا بِحَقِّ الْأَنْبِيَاءِ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ- يَتَضَمَّنُ شَيْئَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ:
أَحَدُهُمَا: الْإِقْسَامُ عَلَى اللهِ ﷾ بِهِ، وَهَذَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ، كَمَا يُنْهَى أنْ يُقْسَمَ عَلَى اللهِ بِالْكَعْبَةِ وَالْمَشَاعِرِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ.
والثَّانِي: السُّؤَالُ بِهِ، فَهَذَا يُجَوِّزهُ طَائِفَةٌ مِن النَّاسِ، وَنُقِلَ فِي ذَلِكَ آثَارٌ عَن بَعْضِ السَّلَفِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي دُعَاءِ كَثِيرٍ مِن النَّاسِ، لَكِنْ مَا رُوِيَ عَن النَّبِيِّ -ﷺ- فِي ذَلِكَ كُلُّهُ ضَعِيفٌ بَل مَوْضُوعٌ، وَلَيْسَ عَنْهُ حَدِيثٌ ثَابِتٌ قَد يُظَنُّ أَنَّ لَهُم فِيهِ حُجَّةً إلَّا حَدِيثَ الْأَعْمَى الَّذِي عَلَّمَهُ أَنْ يَقُولَ: "أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إلَيْك بِنَبِيِّك مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ" (^١)، وَحَدِيثُ الْأعْمَى لَا حُجَّةَ لَهُم فِيهِ؛ فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ إنَّمَا تَوَسَّلَ بِدُعَاءِ النَّبِيِّ -ﷺ- وَشَفَاعَتِهِ، وَهُوَ طَلَبَ مِن النَّبِيِّ -ﷺ- الدُّعَاءَ، وَقَد أَمَرَهُ النَّبِيُّ -ﷺ- أَنْ يَقُولَ: "اللَّهُمَّ شَفِّعْهُ فِيَّ"؛ وَلهَذَا رَدَّ اللّهُ عَلَيْهِ بَصَرَة لَمَّا دَعَا لَهُ النَّبِيِّ -ﷺ-، وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا يُعَدُّ مِن آيَاتِ النَّبِيِّ -ﷺ-.
_________________
(١) رواه الترمذي (٣٥٧٨)، وأحمد (١٧٢٤٠)، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب.
[ ١ / ١٥٦ ]
وَهَذَا التَّوَسُّلُ بِالْأنْبِيَاءِ بِمَعْنَى السُّؤَالِ بِهِم - وَهُوَ الَّذِي قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَغَيْرُهُم أَنَّهُ لَا يَجُوزُ - لَيْسَ فِي الْمَعْرُوفِ مِن مَذْهَبِ مَالِكٍ مَا يُنَاقِضُ.
فَمَن نَقَلَ عَن مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ جَوَّزَ التَّوَسُّلَ بِهِ بِمَعْنَى الْإِقْسَامِ بِهِ أَو السُّؤَالِ بِهِ: فَلَيْسَ مَعَهُ فِي ذَلِكَ نَقْل عَن مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ.
[١/ ٢٢٢ - ٢٢٤]
* * *