٢٢٦ - لَمَّا كَانَ الشَّيْخُ فِي قَاعَةِ التَّرْسِيمِ (^٢) دَخَلَ إلَى عِنْدِهِ ثَلَاثَة رُهْبَانٍ مِن الصَّعِيدِ، فَنَاظَرَهُم وَأَقَامَ عَلَيْهِم الْحُجَّةَ بِأَنَّهُم كُفَّارٌ، وَمَا هُم عَلَى الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ إبْرَاهِيمُ وَالْمَسِيحُ.
فَقَالُوا لَهُ: نَحْنُ نَعْمَلُ مِثْل مَا تَعْمَلُونَ، أَنْتُمْ تَقُولُونَ بِالسَّيدَةِ نَفِيسَةَ (^٣) وَنَحْنُ نَقُولُ بِالسَّيدَةِ مَرْيَمَ، وَقَد أَجْمَعْنَا نَحْنُ وَأَنْتُمْ عَلَى أَنَّ الْمَسِيحَ وَمَرْيَمَ أَفْضَلُ مِن الْحُسَيْنِ وَمِن نَفِيسَةَ.
وَأَنْتُمْ تَسْتَغِيثُونَ بِالصَّالِحِينَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ وَنَحْنُ كَذَلِكَ.
فَقَالَ لَهُمْ: وَأَيُّ مَن فَعَلَ ذَلِكَ (^٤) فَفِيهِ شَبَهٌ مِنْكُمْ، وَهَذَا مَا هُوَ دِينُ
_________________
(١) إلى هنا انتهى ما انتقيتُه من فوائد ومسائل من كتاب التوسل والوسيلة.
(٢) الترسيم نوع من الحبس، حيث سجن فيه بمصر سنة ٧٠٧ هـ. وتأمل كيف لم يفتر الشيخ عن الدعوة والنصح حتى وهو مسجون!.
(٣) هي: نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب - ﵃ -، وهي من الصالحات العابدات، كانت في المدينة ثم تحولت إلى مصر، وتوفيت بها سنة (٢٠٨ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء (١٠/ ١٠٦)، البداية والنهاية (١٠/ ٢٦٢).
(٤) وهو: الاستغاثة بالصالحين، وعبادتهم والتوسل إليهم.
[ ١ / ١٧٤ ]
إبْرَاهِيمَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّ الدِّينَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ إبْرَاهِيمُ ﵇ أَنْ لَا نَعْبُدَ إلَّا اللهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَا نِدَّ لَهُ وَلَا صَاحِبَةَ لَهُ، وَلَا وَلَدَ لَهُ، وَلَا نُشْرِكَ مَعَهُ مَلَكًا، وَلَا شَمْسًا، وَلَا قَمَرًا، وَلَا كَوْكَبًا، وَلَا نُشْرِكَ مَعَهُ نَبِيًّا مِن الْأَنْبِيَاءِ وَلَا صَالِحًا ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ [مريم: ٩٣].
وَأَنَّ الْأُمُورَ الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا غَيْرُ اللّهِ لَا تُطْلَبُ مِن غَيْرِهِ.
وَالْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِم الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نُؤْمِنُ بِهِم وَنُعَظمُهُم وَنُوَقّرُهُمْ وَنَتَّبِعُهُمْ، وَنُصَدِّقُهُم فِي جَمِيعِ مَا جَاؤُوا بِهِ وَنُطِيعُهُمْ، كَمَا قَالَ نُوحٌ وَصَالِحٌ وَهُودٌ وَشُعَيْبًا: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ [نوح: ٣]، فَجَعَلُوا الْعِبَادَةَ وَالتَّقْوَى للّهِ وَحْدَهُ، وَالطَّاعَةَ لَهُمْ؛ فَإِنَّ طَاعَتَهُم مِن طَاعَةِ اللّهِ.
فَلَو كَفَرَ أَحَدٌ بِنَبِيٍّ مِن الْأَنْبِيَاءِ وَآمَنَ بِالْجَمِيعِ مَا يَنْفَعُهُ إيمَانُهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِذَلِكَ النَّبِيِّ، وَكَذَلِكَ لَو آمَنَ بِجَمِيعِ الْكُتُبِ وَكَفَرَ بِكِتَاب كَانَ كَافِرًا حَتَّى يُؤْمِنَ بِذَلِكَ الْكِتَابِ، وَكَذَلِكَ الْمَلَائِكَةُ وَالْيَوْمُ الْآخِرُ.
فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْهُ قَالُوا: الدِّينُ الَّذِي ذَكَرْته خَيْرٌ مِن الدِّينِ الَّذِي نَحْنُ وَهَؤُلَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ انْصَرَفُوا مِن عِنْدِهِ.
[١/ ٣٧٠ - ٣٧١]
* * *