١٥٥ - هَذِهِ قَاعِدَةٌ جَلِيلَةٌ فِي تَوْحِيدِ اللهِ، وَإِخلَاصِ الْوَجْهِ وَالْعَمَلِ لَهُ، عِبَادَةً وَاسْتِعَانَةً .. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣].
_________________
(١) يحيى بن يوسف بن يحيى الأنصاري، أبو زكريا، شاعر من أهل صرصر، سكن بغداد، وكان ضريرًا، توفي سنة (٦٥٦ هـ). انظر في ترجمته: البداية والنهاية لابن كثير (١٣/ ٢١١).
(٢) كلُّ هذه العباداتِ داخلةٌ في الأصلين العظيمين: العبادة والاستعانة، المذكورَين فِي كثير من الآيات؛ كقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]، وقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥]. فمن حقق هاتين العبادتين في نفسه، ورسَّخَهُما في قلبه: فقد حقق العبادات القلبية والعملية جميعًا، وصلح شأنه، واستقامت حاله؛ فالواجب الاهتمام بهاتين العبادتين.
(٣) لأنها إفراد الله بأفعال العبد، فلا يُصلي إلا لله، ولا ينذر ولا يحج إلا لله.
(٤) لأنها إفراد الله بأفعال الله، فيُوقِن بأنه لا أحدَ يُستعان به إلا الله، ولا يَنْصُرُ ولا يُعِزُّ ولا يُذِلُّ إلا الله.
[ ١ / ١٠٢ ]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ الآيَةَ [البينة: ٥]، وَنَظَائِرُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ كَثِير، وَكَذَلِكَ فِي الْأَحَادِيثِ، وَكَذَلِكَ فِي إجْمَاعِ الْأمَّةِ لَا سِيَّمَا أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ مِنْهُم، فَإِنَّ هَذَا عِنْدَهُم قُطْبُ رَحَى الدِّينِ كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ.
وَنبيِّنُ هَدَا بِوُجُوهٍ ..:
أَحَدُهَا: أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَقْصُودَ الْمَدْعُوَّ الْمَطْلُوبَ، وَهُوَ الْمُعِينُ عَلَى الْمَطْلُوبِ، وَمَا سِوَاهُ هُوَ الْمَكْرُوهُ، وَهُوَ الْمُعِينُ عَلَى دَفْعِ الْمَكْرُوهِ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ الْجَامِعُ لِلْأُمُورِ الأَرْبَعَةِ دُونَ مَا سِوَاهُ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾؛ فَإِنَّ الْعُبُودِيَّةَ تَتَضَمَّنُ الْمَقْصُودَ الْمَطْلُوبَ، لَكِنْ عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ، وَالْمُسْتَعَانُ هُوَ الَّذِي يُسْتَعَانُ بِهِ عَلَى الْمَطْلُوبِ.
فَالْأوَّلُ: مِن مَعْنَى الْألُوهِيَّةِ.
وَالثانِي: مِن مَعْنَى الرُّبُوبِيَّةِ.
إذ الْإِلَهُ: هُوَ الَّذِي يُؤَلَّهُ فَيُعْبَدُ مَحَبَّةً وَإِنَابَةً وَإِجْلَالًا، وَإِكْرَامًا، وَالرَّبُّ: هُوَ الَّذِي يُرَبِّي عَبْدَهُ فَيُعْطِيهِ خَلْقَهُ ثُمَّ يَهْدِيهِ إلَى جَمِيعِ أَحْوَالِهِ مِن الْعِبَادَةِ وَغَيْرِهَا.
الْوَجْة الثَّانِي: أَنَّ اللهَ خَلَقَ الْخَلْقَ لِعِبَادَتِهِ الْجَامِعَةِ لِمَعْرِفَتِهِ، وَالْإِنَابَةِ إلَيْهِ، وَمَحَبَّتِهِ، وَالْإِخْلَاصِ لَهُ.
فَبِذِكْرِهِ تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ، وَبِرُويَتِهِ فِي الْآخِرَةِ تَقَرُّ عُيُونُهمْ، وَلَا شَيءَ يُعْطِيهِمْ فِي الْآخِرَةِ أَحَبُّ إلَيْهِم مِن النَّظَرِ إلَيْهِ، وَلَا شَئءَ يُعْطِيهِمْ فِي الدُّنْيَا أَعْظَمُ مِن الْإِيمَانِ بِهِ.
وَحَاجَتُهُم إلَيْهِ فِي عِبَادَتِهِمْ إيَّاهُ وَتَأَلُّهِهِمْ: كَحَاجَتِهِمْ وَأَعْظَمَ فِي خَلْقِهِ لَهُمْ، وَرُبُوبِيَّتِهِ إيَّاهُمْ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ الْغَايَةُ الْمَقْصُودَةُ لَهُمْ، وَبِذَلِكَ يَصِيرُونَ عَامِلِينَ مُتَحرِّكِينَ، وَلَا صَلَاحَ لَهُم وَلَا فَلَاحَ وَلَا نَعِيمَ وَلَا لَذَّةَ بِدُونِ ذَلِكَ بِحَالِ.
[ ١ / ١٠٣ ]
وَلهَذَا كَانَت لَا إلَهَ إلَّا اللهُ أَحْسَنَ الْحَسَنَاتِ، وَكَانَ التَّوْحِيدُ بِقَوْلِ: لَا إلَهَ إلَّا اللهُ رَأْسَ الْأَمْرِ.
فَأَمَّا تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ الْخَلْقُ، وَقَرَّرَهُ أَهْلُ الْكَلَامِ: فَلَا يَكْفِي وَحْدَهُ، بَل هُوَ مِن الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا حَقُّ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَعْبُدُوة وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا.
فَلَيْسَ فِي الْكَائِنَاتِ مَا يَسْكُنُ الْعَبْدُ إلَيْهِ ويطْمَئِنُّ بِهِ، ويتَنَعَّمُ بِالتَّوَجهِ إلَيْهِ إلَّا اللهُ سُبْحَانَهُ.
وَمَن عَبَدَ غَيْرَ اللهِ وَإِن أَحَبَّهُ وَحَصَلَ لَهُ بِهِ مَوَدَّة فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَنَوْعٌ مِن اللَّذَّةِ: فَهُوَ مَفْسَدَة لِصَاحِبِهِ أَعْظَمُ مِن مَفْسَدَةِ الْتِذَاذِ أَكْلِ طَعَامِ الْمَسْمُومِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ فَقْرَ الْعَبْدِ (^١) إلَى اللهِ أَنْ يَعْبُدَ اللهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئا: لَيْسَ لَهُ نَظِيرٌ فَيُقَاسُ بِهِ، لَكِنْ يُشْبِهُ مِن بَعْضِ الْوُجُوهِ حَاجَةَ الْجَسَدِ إلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَبَيْنَهُمَا فُرُوقٌ كَثِيرَة.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْوَجْهَ مَبْنِيٌّ عَلَى أصْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: عَلَى أَنَ نَفْسَ الْإِيمَانِ باللهِ وَعِبَادَتَهُ وَمَحَبَّتَهُ وإِجْلَالَهُ هُوَ غِذَاءُ الْإِنْسَانِ وَقُوتُهُ وَصَلَاحُهُ وَقِوَامُهُ كَمَا عَلَيْهِ أَهْلُ الْإِيمَانِ، وَكَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقرْآنُ، لَا كَمَا يَقُولُ مَن يَعْتَقِدُ مِن أَهْلِ الْكَلَامِ وَنَحْوِهِمْ أَنَّ عِبَادَتَهُ تَكْلِيفٌ وَمَشَقَّةٌ، وَخِلَافُ مَقْصُودِ الْقَلْبِ لِمُجَرَّدِ الِامْتِحَانِ وَالِاخْتِبَارِ، أَو لِأَجْلِ التَّعْوِيضِ بِالْأجْرَةِ كَمَا يَقُولُهُ الْمُعْتَزِلَةُ وَغَيْرُهُم؛ فَإِنَّة وَإِن كَانَ فِي الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ مَا هُوَ عَلَى خِلَافِ هَوَى النَّفْسِ -وَاللهُ سُبْحَانَهُ يَأْجُرُ الْعَبْدَ عَلَى الْأَعْمَالِ الْمَأمُورِ بِهَا مَعَ الْمَشَقَّةِ- فَلَيْسَ ذَلِكَ هُوَ الْمَقْصُودَ الْأَوَّلَ بِالْأَمْرِ الشَّرْعِي، وَإِنَّمَا وَقَعَ ضِمْنًا وَتَبَعًا؛ وَلهَذَا لَمْ يَجِئْ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَكَلَامِ السَّلَفِ إطْلَاقُ الْقَوْلِ عَلَى
_________________
(١) أي: حاجة العبد.
[ ١ / ١٠٤ ]
الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ أَنَّهُ تَكْلِيفٌ (^١)، كَمَا يُطْلِقُ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِن الْمُتَكَلِّمَةِ وَالْمُتَفَقِّهَةِ، وَإِنَّمَا جَاءَ ذِكْرُ التَّكْلِيفِ فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
أَيْ: وإِن وَقَعَ فِي الْأَمْرِ تَكْلِيفٌ فَلَا يُكَلّفُ إلَّا قَدْرَ الْوُسْعِ، لَا أَنَّهُ يُسَمَّى جَمِيعُ الشَّرِيعَةِ تَكْلِيفًا، مَعَ أَنَّ غَالِبَهَا قُرَّةُ الْعُيُونِ، وَسُرُورُ الْقُلُوبِ، وَلَذَّاتُ الْأَرْوَاحِ، وَكَمَالُ النَّعِيمِ، وَذَلِكَ لِإرَادَةِ وَجْهِ اللهِ وَالْإِنَابَةِ إلَيْهِ وَذِكْرِهِ وَتَوَجُّهِ الْوَجْهِ إلَيْهِ، فَهُوَ الْاِلَهُ الْحَقُّ الَّذِي تَطْمَئِن إلَيْهِ الْقُلُوبُ، وَلَا يَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ أَبَدًا، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥].
الْأَصْلُ الثانِي: النَّعِيمُ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ أَيْضًا، مِثْلُ النَّظَرِ إلَيْهِ لَا كَمَا يَزْعُمُ طَائِفَة مِن أَهْلِ الْكَلَامِ وَنَحْوِهِمْ أَنَّهُ لَا نَعِيمَ وَلَا لَذَّةَ إلَّا بِالْمَخْلُوقِ مِن الْمَأكُولِ وَالْمَشْرُوبِ وَالْمَنْكُوحِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ بَل اللَّذَّةُ وَالنَّعِيمُ التَّامُّ فِي حَظِّهِمْ مِن الْخَالِقِ -سبحانة وتعالي-.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْمَخْلُوقَ لَيْسَ عِنْدَهُ لِلْعَبْدِ نَفْعٌ وَلَا ضَرَرٌ، وَلَا عَطَاءٌ وَلَا مَنْعٌ، وَلَا هُدًى وَلَا ضَلَالٌ، وَلَا نَصْرٌ وَلَا خِذْلَانٌ، وَلَا خَفْضٌ وَلَا رَفْعٌ، وَلَا عِزّ وَلَا ذُلٌّ؛ بَل رَبُّهُ هُوَ الَّذِي خَلَقَهُ وَرَزَقَهُ، وَبَصَّرَة وَهَدَاهُ وَأسْبَغَ عَلَيْهِ نِعَمَهُ، فَإذَا مَسَّهُ اللهُ بِضرٍّ فَلَا يَكْشِفُهُ عَنْهُ غَيْرُهُ، وإِذَا أَصَابَهُ بِنِعْمَةٍ لَمْ يَرْفَعْهَا عَنْهُ سِوَاهُ، وَأَمَّا الْعَبْدُ فَلَا يَنْفَعُهُ وَلَا يَضرُّهُ إلَّا بِإِذْنِ اللهِ.
_________________
(١) وقد اصطلح علماء الأصول المتأخرون على تقسيم أحكام الله إلى أحكام تكليفية وأحكام وضعية. وأصل كلمة تكليف: لا بأس بإطلاقه على بعض الأعمال الشرعية، لكن إطلاقه على الايمان غير صحيح، فعدم الايمان والإخلاص والتوحيد فيه كلفةٌ ومشقة. أما الايمان بالله وذكره وتوحيده فهو لذة وسعادة وراحة وهدى، ولكن من لوازم الايمان ما فيه كلفة مطاقة، كالصلاة والصيام والحج. ولذلك قال الصحابة حينما أنزل الله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]: كُلِّفْنَا مِنَ الأَعْمَالِ مَا نُطِيقُ: الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالْجِهَادُ وَالصَّدَقَةُ، وَقَد أُنْزِلَتْ عَلَيْكَ هَذ الآيَةُ وَلَا نُطِيقُهَا.
[ ١ / ١٠٥ ]
وَهَذَا الْوَجْهُ أَظْهَرُ لِلْعَامَّةِ مِن الْأَوَّلِ؛ وَلهَذَا خُوطِبُوا بِهِ فِي الْقُرْآنِ أَكْثَرَ مِن الْأَوَّلِ، لَكِنْ إذَا تَدَبَّرَ اللَّبِيبُ طَرِيقَةَ الْقُرْآنِ وَجَدَ أَنَّ اللّهَ يَدْعُو عِبَادَهُ بِهَذَا الْوَجْهِ إلَى الْأَوَلِ.
فَهَذَا الْوَجْهُ يُحَقّقُ التَّوَكُّلَ عَلَى اللهِ وَالشُّكْرَ لَهُ وَمَحَبّتَهُ عَلَى إحْسَانِهِ.
الْوَجْهُ الرَّابعُ: أنَّ تَعَلُّقَ الْعَبْدِ بِمَا سِوَى اللهِ مَضَرَّةٌ عَلَيْهِ إذَا أَخَذَ مِنْهُ الْقَدْرَ الزَّائِدَ عَلَى حَاجَتِهِ فِي عِبَادَةِ اللهِ؛ فَإِنَّهُ إنْ نَالَ مِن الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فَوْقَ حَاجَتِهِ ضرَّهُ وَأَهْلَكَهُ، وَكَذَلِكَ مِن النّكَاحِ وَاللِّبَاسِ، وَإِن أَحَبَّ شَيْئًا حبًّا تَامًّا بِحَيْثُ يُخَالِلُة فَلَا بُدَّ أَنْ يَسْأَمَهُ أَو يُفَارِقَهُ. [١/ ٢٠ - ٢٨]
* * *