١٨٦ - مُحَمَّد -ﷺ- وَهُوَ سَيِّدُ الشُّفَعَاءِ وَلَهُ شَفَاعَاتٌ يَختَصُّ بِهَا -وَمَعَ هَذَا- فَقَد ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ (^٤) عَن النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: "إذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذّنَ فَقُولُوا
_________________
(١) رواه الدارمي (٢٧٤١)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٤٣٧٨).
(٢) رواه أحمد (١٨٣٩)، بلفظ: "أجعلتني لله عدلًا"، وقال الألباني في السلسلة الصحيحة (١/ ٢٦٦): إسناده حسن.
(٣) رواه البخاري (٢٦٧٩).
(٤) رواه البخاري (٦١١)، ومسلم (٣٨٤)، واللفظ له.
[ ١ / ١٣٣ ]
مِثْل مَا يَقُولُ ثمَّ صَلُّوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّهُ مَن صَلَّى عَلَيَّ مَرَّة صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ عَشْرًا ثُمَّ سَلُوا اللهَ لِي الْوَسِيلَةَ؛ فَإِنَّهَا دَرَجَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إلَّا لِعَبْد مِن عِبَادِ اللهِ وَأَرْجُو أَنْ كُونَ ذَلِكَ الْعَبْدَ، فَمَن سَأَل اللهَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ عَلَيْهِ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
وَقَد قَالَ لِعُمَر لَمَّا أرَادَ أَنْ يَعْتَمِرَ وَوَدَّعَهُ: "يَا أَخِي لَا تَنْسَنِي مِن دُعَائِك" (^١).
فَالنَّبِيُّ -ﷺ- قَد طَلَبَ مِن أُمَّتِهِ أنْ يَدْعُوا لَهُ، وَلَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ مِن بَابِ سُؤَالِهِمْ؛ بَل أمْرُهُ بِذَلِكَ لَهُم كَأَمْرِهِ لَهُم بِسَائِرِ الطَّاعَاتِ الَّتِي يُثَابُونَ عَلَيْهَا، مَعَ أنَّهُ -ﷺ- لَهُ مِثْلُ أُجُورِهِمْ فِي كُل مَا يَعْمَلُونَهُ؛ فَإِنَّهُ قَد صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: "مَن دَعَا إلَى هُدًى كانَ لَهُ مِن الْأَجْرِ مِثْلُ أجُورِ مَن اتَّبَعَهُ مِن غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِن أجُورِهِمْ شَيْئًا" (^٢).
وَهُوَ دَاعِي الْأمَّةِ إلَى كُلِّ هُدًى، فَلَهُ مِثْلُ أُجُورِهِمْ فِي كُلِّ مَا اتبعُوهُ فِيهِ.
وَكَذَلِكَ إذَا صَلَّوْا عَلَيْهِ فَإِن اللهَ يُصَلِّي عَلَى أَحَدِهِمْ عَشْرًا، وَلَهُ مِثْلُ أُجُورِهِمْ، مَعَ مَا يَسْتَجِيبُهُ مِن دُعَائِهِمْ لَهُ، فَذَلِكَ الدُّعَاءُ قَد أعْطَاهُم اللهُ أَجْرَهُم عَلَيْهِ، وَصَارَ مَا حَصَلَ لَهُ بِهِ مِن النَّفْعِ نِعْمَةً مِن اللهِ عَلَيْهِ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَ اللهَ لَمْ يَأمُرْ مَخْلُوقًا أنْ يَسْألَ مَخْلُوقًا إلا مَا كَانَ مَصْلَحَةً لِذَلِكَ الْمَخْلُوقِ إمَّا وَاجِبٌ أَو مُسْتَحَبٌّ.
وَإِن كَانَ قَصْدُهُ مَصْلَحَةَ الْمَأْمُورِ، أَو مَصْلَحَتَهُ وَمَصْلَحَةَ الْمَأمُورِ: فَهَذَا يُثَابُ عَلَى ذَلِكَ.
وَإِن كَانَ قَصْدُهُ حُصُولَ مَطْلُوبِهِ مِن غَيْرِ قَصْدِ مِنْهُ لِانتِفَاعِ الْمَأمُورِ: فَهَذَا
_________________
(١) رواه أبو داود (١٤٩٨)، وابن ماجه (٢٨٩٤)، وأحمد (١٩٥)، وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود.
(٢) رواه مسلم (٢٦٧٤).
[ ١ / ١٣٤ ]
مِن نَفْسِهِ أَتَى، وَمِثْلُ هَذَا السُّؤَالِ لَا يَأْمُرُ اللهُ بِهِ قَطُّ؛ بَل قَد نَهَى عَنْهُ؛ إذ هَذَا سُؤَالٌ مَحْضٌ لِلْمَخْلُوقِ مِن غَيْرِ قَصْدِهِ لِنَفْعِهِ وَلَا لِمَصْلَحَتِهِ، وَاللهُ يَأْمُرُنَا أَنْ نَعْبُدَهُ وَنَرْغَبَ إلَيْهِ، ويأْمُرُنَا أَنْ نُحْسِنَ إلَى عِبَادِهِ، وَهَذَا لَمْ يَقْصِدْ لَا هَذَا وَلَا هَذَا، فَلَمْ يَقْصِد الرَّغْبَةَ إلَى اللهِ وَدُعَائِهِ، وَهُوَ الصَّلَاةُ، وَلَا قَصَدَ الْإِحْسَانَ إلَى الْمَخْلُوقِ الَّذِي هُوَ الزَّكَاةُ.
وَإِن كَانَ الْعَبْدُ قَد لَا يَأْثَمُ بِمِثْل هَذَا السُّؤَالِ، لَكِنْ فَرْقٌ مَا بَيْنَ مَا يُؤْمَرُ بِهِ الْعَبْدُ وَمَا يُؤْذَنُ لَهُ فِيهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثِ السَّبْعِينَ أَلْفًا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَاب: "أَنَّهُم لَا يسترقون" (^١)، وَإِن كَانَ الِاسْتِرْقَاءُ جَائِزًا؟ [١/ ١٣٢ - ١٣٤]
١٨٧ - أَحَادِيث النَّهْيِ عَن مَسْاَلَةِ النَّاسِ الْأَمْوَالَ كَثِيرَةٌ كَقَوْلِهِ: "لَا تَحِلُّ الْمَسْأَلةُ إلَأ لِثَلَاَثةٍ" (^٢).
فَأَمَّا سُؤَالُ مَا يَسُوغُ مِثْلُهُ مِن الْعِلْمِ: فَلَيْسَ مِن هَذَا الْبَابِ؛ لِأَنَّ الْمُخْبِرَ لَا يَنْقُصُ الْجَوَابُ مِن عِلْمِهِ بَل يَزْدَادُ بِالْجَوَابِ، وَالسَّائِلُ مُحْتَاجٌ إلَى ذَلِكَ، قَالَ -ﷺ-: "هَلَّا سَأَلوا إذ لَمْ يَعْلَمُوا؟ " (^٣)، وَلَكِنْ مِن الْمَسَائِلِ مَا يُنْهَى عَنْهُ، كمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ [المائدة: ١٠١]، وَكَنَهْيِهِ عَن أُغْلُوطَاتِ الْمَسَائِلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
_________________
(١) رواه البخاري (٥٧٠٥)، ومسلم (٢١٨).
(٢) روى مسلم في صحيحه (١٠٤٤) عَن قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الْهِلَالِيِّ قَالَ: تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً - والحمالة هي المال الذي يتحمله الإنسان؛ أي: يستدينه ويدفعه في إصلاح ذات البين كالإصلاح بين قبلتين ونحو ذلك -فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- أسْألُهُ فِيهَا، فَقَالَ: أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ؛ فَنَأْمُرَ لَكَ بهَا، ثُم قَالَ: "يَا قَبِيصَةُ إِنَ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِل إِلا لِأَحَدِ ثَلَاثَة: رَجُل تَحَمَّلَ حَمَالَةَ، فَحَلَّتْ لَهُ اَلْمَسْألَةُ حَتى يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلِ أَصَابَتْهُ جَائِحَة اجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَى يُصِيبَ قِوَامًا مِن عَيْش، وَرَجُل أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَة مِن ذَوِي الْحِجَا مِن قَوْمِهِ: لَقَد أَصَابَتْ فُلَانَا فَاقَةٌ، فَحَلتْ لَهُ الْمسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِن عَيْشٍ، فَمَا سِوَاهُنَ مِنَ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتَا يَأُكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا".
(٣) رواه أبو داود (٣٣٦)، وقال الألباني في صحيح أبي داود: حسن دون قوله: "إنما كان يكفيه".
[ ١ / ١٣٥ ]
وَأَمَّا سُؤَالُهُ لِغَيْرِهِ أَنْ يَدْعُوَ لَهُ: فَقَد قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- لِعُمَرِ: "لَا تَنْسَنَا مِن دُعَائِك" (^١)، وَقَالَ: "إذَا سَمِعْتُم الْمُؤَذِّنَ: فَقُولُوا مِثْل مَا يَقُولُ ثُمَّ صلُّوا عَلَي فَإِنَّهُ مَن صَلَّى عَلَيَّ مَرَّةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ عَشْرًا ثُمَّ سَلُوا اللهَ لي الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا دَرَجَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إلَّا لِعَبْد مِن عِبَادِ اللهِ وَأرْجُو أَنْ أكُونَ أنَا ذَلِكَ الْعَبْدَ، فَمَن سَأَلَ اللهَ لي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتي يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (^٢).
وَقَد يُقَالُ فِي هَذَا: هُوَ طَلَبَ مِن الْأمَّةِ الدُّعَاءَ لَهُ لِأَنَّهُم إذَا دَعَوْا لَهُ حَصَلَ لَهُم مِن الْأَجْرِ أَكْثَرُ مِمَّا لَو كَانَ الدُّعَاءُ لِأَنْفُسِهِمْ، كَمَا قَالَ لِلَّذِي قَالَ: أَجْعَل صَلَاتِي كُلَّهَا عَلَيْكَ؟ فَقَالَ: "إذًا يَكْفِيكَ اللهُ مَا أَهَمَّكَ مِن أَمْرِ دُنْيَاك وَآخِرَتِكَ" (^٣).
فَطَلَبُهُ مِنْهُم الدُّعَاءَ لَهُ لِمَصْلَحَتِهِمْ كَسَائِرِ أمْرِهِ إيَّاهُم بِمَا أُمِرَ بِهِ، وَذَلِكَ لِمَا فِي ذَلِكَ مِن الْمَصْلَحَةِ لَهُمْ؛ فَإِنَّهُ قَد صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: "مَا مِن رَجُلٍ يَدْعُو لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ بِدَعْوَة إلا وَكَّلَ اللهُ بِهِ مَلَكًا، كُلَّمَا دَعَا دَعْوَةً قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ وَلَك مِثْلُهُ" (^٤).
وَقَوْلُ السَّائِلِ: أَجْعَلُ لَك مِن صَلَاتِي؟ يَعْنِي مِن دُعَائِي؛ فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِي اللُّغَةِ هِيَ الدّعَاءُ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣].
فَيَكُونُ مَقْصُودُ السَّائِلِ: إنَّ لِي دُعَاءً أدْعُو بِهِ أَسْتَجْلِبُ بِهِ الْخَيْرَ وَأَسْتَدْفِعُ بِهِ الشَّرَّ، فَكَمْ أَجْعَلُ لَك مِن الدُّعَاءِ؟ قَالَ: "مَا شِئْت" فَلَمَّا انْتَهَى إلَى قَوْلِهِ: أَجْعَلُ لَك صَلَاتي كُلَّهَا؟ قَالَ: "إذًا تُكْفَى هَمَّك وَيُغْفَرُ ذَنْبُك".
وَهَذَا غَايَةُ مَا يَدْعُو بِهِ الْإِنْسَانُ مِن جَلْبِ الْخَيْرَاتِ وَدَفْعِ الْمَضَرَّاتِ؛ فَإِنَّ
_________________
(١) رواه أحمد (١٩٥).
(٢) رواه مسلم (٣٨٤).
(٣) روى الترمذي (٢٤٥٧) وحسَّنه عَنِ أُبَي بْنِ كَعْب -﵁- قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْكَ فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِن صَلَاتِي؟ فَقَالَ: "مَا شِئْتَ، قُلْتُ: الرُّبُعَ؟ قَالَ: مَا شِئْتَ؛ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ .. قُلْتُ: أَجْعَلُ لَكَ صَلَاتِي كُلَّهَا؟ قَالَ: إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ، وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ".
(٤) صحيح مسلم (٢٧٣٢).
[ ١ / ١٣٦ ]
الدُّعَاءَ فِيهِ تَحْصِيلُ الْمَطْلُوبِ وَانْدِفَاعُ الْمَرْهُوبِ (^١). [١/ ٧٨ - ٧٩، ٣٥٠]
* * *