٢٠٨ - جَاءَ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ مَاجَه عَن عَطِيَّةَ العوفي عَن أَبِي سَعِيدٍ الخدري عَن النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ عَلَّمَ الْخَارِجَ إلَى الصَّلَاةِ أَنْ يَقُولَ فِي دُعَائِهِ: وَأَسْأَلُكَ بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْك، وَبِحَقِّ مَمْشَايَ هَذَا، فَإِنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشَرًا وَلَا بَطَرًا وَلَا رِيَاءً وَلَا سُمْعَةً" (^٢)، فَإِنْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا فَحَقُّ السَّائِلِينَ عَلَيْهِ أَنْ يُجِيبَهُمْ، وَحَقُّ الْعَابِدِينَ لَهُ أَنْ يُثِيبَهُمْ، وَهُوَ حَقٌّ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ لَهُمْ، كَمَا يُسْأَلُ بِالْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ الَّذِي جَعَلَهُ سَبَبًا لِإِجَابَةِ الدُّعَاءِ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الشورى: ٢٦].
فَنَقُولُ: قَوْلُ السَّائِلِ للهِ تَعَالَى: "أَسْأَلُكَ بِحَقِّ فُلَانٍ وَفُلَانٍ مِن الْمَلَائِكةِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَغَيْرِهِمْ، أَو بِجَاهِ فُلَانٍ، أَو بِحُرْمَةِ فُلَانٍ" يَقْتَضِي أَنَّ هَؤُلَاءِ لَهُم عِنْدَ اللّهِ جَاهٌ وَهَذَا صَحِيحٌ.
فَإِنَّ هَؤُلَاءِ لَهُم عِنْدَ اللهِ مَنْزِلَةٌ وَجَاهٌ وَحُرْمَة، يَقْتَضِي أَنْ يَرْفَعَ اللّهُ
_________________
(١) قال ابن القيم ﵀: وَمِن تَجْرِيبَاتِ السَّالِكِينَ الَّتِي جَرَّبُوهَا فَأَلْفَوْهَا صَحِيحَةً أنَّ مَنْ أدْمَنَ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَوْرَثَهُ ذَلِكَ حَيَاةَ الْقَلْبِ وَالْعَقْلِ. وكَانَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ شَدِيدَ اللَّهْجِ بِهَا جِدًّا، وَقَالَ لِي يَوْمًا: لِهَذَيْنِ الاِسْمَيْنِ وَهُمَا الْحَيُّ الْقَيُّومُ تَأْثِيرٌ عَظِيمٌ فِي حَيَاةِ الْقَلْبِ، وَكَانَ يُشِيرُ إِلَى أنَّهُمَا الاِسْمُ الْأعْظَمُ، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَن وَاظَبَ عَلَى أرْبَعِينَ مَرَّةً كُلَّ يَوْمٍ بَيْنَ سُنَّةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْفَجْرِ "يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أنْتَ، بِرَحْمَتِكَ أسْتَغِيثُ": حَصَلَتْ لَهُ حَيَاةُ الْقَلْب، وَلَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ. اهـ. مدارج السالكين (١/ ٤٤٦).
(٢) قال الشيخ: لَا يَقُومُ بِإِسْنَادِهِ حُجَّةٌ (١/ ٣٦٩).
[ ١ / ١٥٨ ]
دَرَجَاتِهِمْ، وَيُعْظِمَ أَقْدَارَهُمْ، وَيَقْبَلَ شَفَاعَتَهُم إذَا شفعُوا، مَعَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
وَيَقْتَضِي أَيْضًا أَنَّ مَن اتَّبَعَهُم وَاقْتَدَى بِهِم فِيمَا سُنَّ لَهُ الاِقْتِدَاءُ بِهِم فِيهِ كَانَ سَعِيدًا، وَمَن أَطَاعَ أَمْرَهُم الَّذِي بَلَّغُوهُ عَن اللّهِ كَانَ سَعِيدًا.
وَلَكِنْ لَيْسَ نَفْسُ مُجَرَّدِ قَدْرِهِمْ وَجَاهِهِمْ مِمَّا يَقْتَضِي إجَابَةَ دعَائِهِ إذَا سَأَلَ اللّهَ بِهِمْ، حَتَّى يَسْأَلَ اللّهَ بِذَلِكَ؛ بَل جَاهُهُم يَنْفَعُهُ أَيْضًا إذَا اتَّبَعَهُم وَأَطَاعَهُم فِيمَا أمرُوا بِهِ عَن اللهِ، أَو تَأَسَّى بِهِم فِيمَا سَنُّوهُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَيَنْفَعُهُ أَيْضًا إذَا دَعَوْا لَهُ وَشفعُوا فِيهِ.
فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُن مِنْهُم دُعَاءٌ وَلَا شَفَاعَة، وَلَا مِنْهُ سَبَبٌ يَقْتَضِي الْإِجَابَةَ: لَمْ يَكُن مُتَشَفِّعًا بِجَاهِهِمْ، وَلَمْ يَكُن سُؤَالُهُ بِجَاهِهِمْ نَافِعًا لَهُ عِنْدَ اللهِ.
نَعَمْ، لَو سَأَلَ اللهَ بِإِيمَانِهِ بِمُحَمَّدٍ -ﷺ- وَمَحَبَّتِهِ لَهُ وَطَاعَتِهِ لَهُ وَاتِّبَاعِهِ: لَكانَ قَد سَأَلَهُ بِسَبَبٍ عَظِيمٍ يَقْتَضِي إجَابَةَ الدُّعَاءِ؛ بَل هَذَا أَعْظَمُ الْأَسْبَابِ وَالْوَسَائِلِ.
وَمَن قَالَ: بَل لِلْمَخْلُوقِ عَلَى اللهِ حَقٌّ: فَهُوَ صَحِيحٌ إذَا أَرَادَ بِهِ الْحَقَّ الَّذِي أَخْبَرَ اللّهُ بِوُقُوعِهِ؛ فَإِنَّ اللّهَ صَادِقٌ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ، وَهُوَ الَّذِي أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ بِحِكْمَتِهِ وَفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ.
وَهَذَا الْمُسْتَحِقُّ لِهَذَا الْحَقِّ إذَا سَألَ اللهَ تَعَالَى بِهِ: يَسْأَلُ اللّهَ تَعَالَى إنْجَازَ وَعْدِهِ، أَو يَسْأَلُهُ بِالْأَسْبَابِ الَّتِي عَلَّقَ اللهُ بِهَا الْمُسَبِّبَاتِ كَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ فَهَذَا مُنَاسِبٌ.
وَأَمَّا غَيْرُ الْمُسْتَحِقِّ لِهَذَا الْحَقِّ إذَا سَأَلَهُ بِحَقِّ ذَلِكَ الشَّخْصِ: فَهُوَ كَمَا لَو سَأَلَهُ بِجَاهِ ذَلِكَ الشَّخْصِ، وَذَلِكَ سُؤَالٌ بِأَمْر أَجْنَبِيٍّ عَن هَذَا السَّائِلِ، لَمْ يَسْأَلْهُ بِسَبَب يُنَاسِبُ إجَابَةَ دُعَائِهِ. [١/ ٢٠٩ - ٢١٨]
٢٠٩ - مَا بَيَّنَ اللّهُ وَرَسُولُهُ أَنَّهُ حَقٌّ لِلْعِبَادِ عَلَى اللّهِ فَهُوَ حَقٌّ، لَكِنَّ الْكَلَامَ فِي السُّؤَالِ بِذَلِكَ، فَيُقَالُ: إنْ كَانَ الْحَقُّ الَّذِي سَأَلَ بِهِ سَبَبًا لِإِجَابَةِ السُّؤَالِ حَسُنَ السُّؤَالُ بِهِ؛ كَالْحَقِّ الَّذِي يَجِبُ لِعَابِدِيهِ وَسَائِلِيهِ.
[ ١ / ١٥٩ ]
وَأَمَّا إذَا قَالَ السَّائِلُ: بِحَقِّ فُلَانٍ وَفُلَانٍ فَأُولَئِكَ إذَا كَانَ لَهُم عِنْدَ اللّهِ حَقٌّ أَنْ لَا يُعَذبَهُم وَأَنْ يُكْرِمَهُم بِثَوَابِهِ وَيَرْفَعَ دَرَجَاتِهِمْ - كَمَا وَعَدَهُم بِذَلِكَ وَأَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ - فَلَيْسَ فِي اسْتِحْقَاقِ أُولَئِكَ مَا اسْتَحَقُّوهُ مِن كَرَامَةِ اللّهِ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِمَطْلُوبِ هَذَا السَّائِلِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ اسْتَحَقَّ مَا اسْتَحَقَّهُ بِمَا يَسَّرَهُ اللّهُ لَهُ مِن الْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ، وَهَذَا لَا يَسْتَحِقُّ مَا اسْتَحَقَّهُ ذَلِكَ، فَلَيْسَ فِي إكْرَامِ اللهِ لِذَلِكَ سَبَبٌ يَقْتَضِي إجَابَةَ هَذَا.
وَإِن قَالَ: السَّبَبُ هُوَ شَفَاعَتُهُ وَدُعَاؤُهُ، فَهَذَا حَقٌّ إذَا كَانَ قَد شَفَعَ لَهُ وَدَعَا لَهُ، وَإِن لَمْ يَشْفَعْ لَهُ وَلَمْ يَدْعُ لَهُ لَمْ يَكُن هُنَاكَ سَبَبٌ.
وَإِن قَالَ: السَّبَبُ هُوَ مَحَبَّتِي لَهُ وَإِيمَانِي بِهِ وَمُوَالَاتِي لَهُ، فَهَذَا سَبَبٌ شَرْعِيٌّ، وَهُوَ سُؤَالُ اللّهِ وَتَوَسُّل إلَيْهِ بِإِيمَانِ هَذَا السَّائِلِ وَمَحَبَّتِهِ للّهِ وَرَسُولِهِ، وَطَاعَتِهِ للهِ وَرَسُولِهِ.
لَكِنْ يَجِبُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَحَبَّةِ للّهِ وَالْمَحَبَّةِ مَعَ اللّهِ، فَمَن أَحَبَّ مَخْلُوقًا كَمَا يُحِبُّ الْخَالِقَ فَقَد جَعَلَهُ نِدًّا للهِ، وَهَذِهِ الْمَحَبَّةُ تَضُرهُ وَلَا تَنْفَعُهُ، وَأَمَّا مَن كَانَ اللّه تَعَالَى أَحَبَّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُ وَأَحَبَّ أَنْبيَاءَهُ وَعِبَادَهُ الصَّالِحِينَ لَهُ فَحُبُّهُ للّهِ تَعَالَى هُوَ أَنْفَع الْأشْيَاءِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَيْنِ مِن أَعْظَمِ الْأُمُورِ.
فَإِنْ قِيلَ: إذَا كَانَ التَّوَسُّلُ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَطَاعَتِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أ - تَارَةً يَتَوَسَّل بِذَلِكَ إلَى ثَوَابِهِ وَجَنَّتِهِ، وَهَذَا أَعْظَمُ الْوَسَائِلِ.
ب - وَتَارَةً يَتَوَسَّلُ بِذَلِكَ فِي الدُّعَاءِ كمَا ذَكَرْتُمْ نَظَائِرَهُ.
فَيُحْمَلُ قَوْلُ الْقَائِلِ: أَسْأَلُك بِنَبِيِّك مُحَمَّدٍ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ: أَنِّي أَسْأَلُكَ بِإِيمَانِي بِهِ وَبِمَحَبَّتِهِ وَأَتَوَسَّلُ إلَيْك بِإِيمَانِي بِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَقَد ذَكَرْتُمْ أَنَّ هَذَا جَائِزٌ بِلَا نِزَاعٍ.
قِيلَ: مَن أَرَادَ هَذَا الْمَعْنَى فَهُوَ مُصِيبٌ فِي ذَلِكَ بِلَا نِزَاعٍ، وَإِذَا حُمِلَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى كَلَامُ مَن تَوَسَّلَ بِالنَّبِيِّ -ﷺ- بَعْدَ مَمَاتِهِ مِن السَّلَفِ، كَمَا نُقِلَ عَن
[ ١ / ١٦٠ ]
بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَعَن الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ كَانَ هَذَا حَسَنًا.
وَحِينَئِذٍ فَلَا يَكُونُ فِي الْمَسْألَةِ نِزَاعٌ.
وَلَكِنْ كَثِير مِن الْعَوَامِّ يُطْلِقُونَ هَذَا اللَّفْظَ وَلَا يُرِيدُونَ هَذَا الْمَعْنَى.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَد يَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ بِحَق الرَّحِمِ؟
قِيلَ: الرَّحِمُ تُوجِبُ عَلَى صَاحِبِهَا حَقًّا لِذِي الرَّحِمِ كَمَا قَالَ اللّهُ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١].
وَحَقُّ ذِي الرَّحِمِ بَاقٍ بَعْدَ مَوْتِهِ. [١/ ٢١٩ - ٢٢٢]
* * *٥