بِسْم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الْمُبدئ الْمُعيد، الفعال لِمَا يُريد، وصلى اللّه على نبيِّنا محمد صاحب الخُلُق الرشيد، والقول السديد، وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فلقد كانت لي عنايةٌ بكتب ورسائل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ منذ وفَّقني الله في طلب العلم، وقد أُولعت به كما أُولع به غيري؛ لِمَا يمتلكه هذا الإمام من العلم الواسع، والحق الساطع، والتحقيق المتين، والنظر الثاقب.
وحينما أتيت إلى هذا السفر الكبير الضخم، والجبل الرفيع الصعب: رأيت الهمة تُنازعني، والإرادة تُخالفني، والوقتَ يُعاتبني؛ فالأشغال والأعمال كثيرةٌ، فدخول "مجموع الفتاوى" بينها قد يُعكر عليها، ويصرف الهمة عنها.
وهذا ما حدث بالفعل، فقد عزمت وصممت، وأقدمت وما باليت، وظننت -وصدق ظني- أنَّ كل عمل وشغل وعلم لن يكون أفضل وأنفع مما سأقدم عليه.
فاستعنت بالله تعالى على تيسير "مجموع الفتاوى" وغيرها من الكتب، وتسهيلها على طلاب العلم، وعملي فيها قريب من الاختصار والتهذيب.
وقد حاولت بكلّ جهدي أنْ أسهلها للناس، وقد أمضيتُ زمنًا طويلًا في ذلك.
ومجموع الفتاوى فيها من الصعوبة والإطالة ما لا يخفى، وكثيرًا ما يذكر
[ ١ / ٥ ]
ابن تيمية ﵀ في المسألة الواحدة مسائل كثيرة ويُطيل في تفصيلها، مما تُسبب تشتت عقل القارئ.
وخذ مثالًا على ذلك: سئل الشيخ ﵀ عن طواف الحائض والجنب والمحدث.
فذكر في ثنايا الجواب مسائل عدة منها:
١ - حكم قراءة القرآن للحائض وللنفساء قبل الغسل وبعد انقطاع الدم.
٢ - حكم لبث الحائض والجنب في المسجد.
٣ - الفرق بين الحائض والجنب.
٤ - حكم ارتكاب المحظورات للضرورة.
٥ - قاعدة: لا ينبغي أنْ يُنظر إلى غلظ المفسدة المقتضية للحظر إلا ويُنظر مع ذلك إلى الحاجة الموجبة للإذن؛ بل الموجبة للاستحباب أو الإيجاب.
٦ - حكم ومعنى تحلل المحصر.
٧ - حكم الْقَضَاء عَلَى الْمُحْصَرِ؟
٨ - هل يُباح للمرأة الزنى بالإكراه؟
٩ - هل يُباح للرجل الزنى بالإكراه؟
١٠ - ما الحكم إذا أمكن العبد أن يفعل بعض الواجبات دون بعض؟
١١ - الحكمة من عدم الصوم مع الحيض.
١٢ - الحكمة من عدم وجوب الصلاة للحائض.
١٣ - الدليل على طهارة المني.
١٤ - الدليل على عدم وجوب الوضوء من لمس النساء.
١٥ - الدليل على طهارة النجاسات الخارجة من غير السبيلين.
[ ١ / ٦ ]
١٦ - الفرق بين الطواف والصلاة.
١٧ - هل سجود التلاوة من الصلاة التي تشترط لها الطهارة؟
١٨ - حكم الطهارة لصلاة الجنازة؟
١٩ - مزايا الطواف.
٢٠ - معنى قول من قال من العلماء: إن طواف أهل الآفاق أفضل من الصلاة بالمسجد.
٢١ - أمثلةٌ لقاعدة: العمل المفضول في مكانه وزمانه يقدم على الفاضل.
٢٢ - حكم العمرة؟
٢٣ - هل يجب على المتمتع سعيان؟
٢٤ - بيانُ أفضلية جنس الطواف على جنس قراءة القرآن.
٢٥ - بيانُ أن أقوال العلماء يحتج لها بالأدلة الشرعية، ولا يحتج بها على الأدلة الشرعية.
٢٦ - علامات المقلد، وأنه لا يجوز له الإفتاء.
٢٧ - الرد على من قال بأن من نسي طواف الإفاضة حتى عاد إلى بلده أنه يجزئه طواف القدوم.
٢٨ - حكم طواف الوداع والمبيت بمنى والرمي؟
٢٩ - حكم طَوَاف الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ.
٣٠ - هل طَهَارَة الْحَدَثِ شرطٌ أو واجبةٌ فِي الطَّوَافِ؟
هذه المسائل كلُّها جاءت في الفتوى، فكيف يستطيع العقل ضبط أصل المسألة وجوابها في ثنايا هذه المسائل الكبيرة المتناثرة؟
وخذ مثالًا آخر: سُئِلَ رحمه الله تعالى [٢٤٨/ ٢٦]: أَيُّمَا أَفْضَلُ لِمَن كَانَ بِمَكَّةَ: الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ أَو الْخُرُوجُ إلَى الْحِلِّ لِيَعْتَمِرَ مِنْهُ وَيعُودَ؟
[ ١ / ٧ ]
وَهَل يُسْتَحَبُّ لِمَن كَانَ بِمَكَّةَ كَثْرَةُ الِاعْتِمَارِ فِي رَمَضَانَ أَو فِي غَيْرِهِ أَو الطَّوَافُ بَدَلَ ذَلِكَ؟
وَكَذَلِكَ كَثْرَةُ الِاعْتِمَارِ لِغَيْرِ الْمَكِّيِّ: هَل هُوَ مُسْتَحَبٌّ؟
فأجاب عن هذا السؤال بأكثر من خمسين صفحة، ذكر فيها عشرات المسائل الشائكة، التي قد يصدع منها رأس المتأمل فيها، ويشق ربط أولها بآخرها، وفيها من الغموض والعسر الشيء العظيم.
ويكفي أن تعلم أنه قال في (ص ٢٦٧): هنا ثلاث مسائل مرتبة: أحدها الاعتمار فى العام أكثر من مرة، ثم الاعتمار لغير المكي، ثم كثرة الاعتمار للمكي.
ففصَّل المسألة الأولى في ثلاث صفحات، وفي المسألة الثانية في أكثر من عشرين صفحة! وأكثرها لا يتعلق بالمسألة نفسها!
فكنت أجد صعوبة بالغة في تهذيبها، وجمع متفرقها، ووضع كل كلام في مكانه المناسب له، وشرح غامضه.
وفي بحث له طويل جدًّا، تحدَّث عن العقيدة، وعن تحريم شدّ الرحال لزيارة القبور، وفي ثنايا البحث قرر أنّ السَّلَام الَّذِي لَا يَسْمَعُهُ النبي -ﷺ- مَأْمُورٌ بِهِ العبد فِي كُلِّ مَكَانٍ وَزَمَانٍ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِن السَّلَامِ الْمُخْتَصِّ بِقَبْرِهِ، ثم استطرد في بعض مسائل الصلاة والسلام عليه وعلى غيره، وحكم ابتداء السلام ونحوها من المسائل الفقهية، في نحو خمس صفحات! ثم تدارك استطراده فقال: وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ لِبَسْطِهَا مَوَاضِعُ أُخَرُ. اهـ. (^١)
وهذا مثال آخر: تكلم في المجلد الرابع عشر عن مسألة الحمد والشكر، ثم استْطرد أثناء الحديث عنها فذكر مسائل التوحيد والشفاعة، والرد على الذين
_________________
(١) (٢٧/ ٤٠٧ - ٤١٢).
[ ١ / ٨ ]
يطلبون الشفاعة من الأموات، في قرابة أربعين صفحة، ثم لما انتهى منها قال: وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَالْمَقْصودُ هُنَا: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الْحَمْدِ الَّذِي هُوَ رَأْسُ الشُّكْرِ وَبَيْنَ التَّوْحِيدِ وَالِاسْتِغْفَارِ إذَا رَفَعَ رَأسَهُ مِن الرُّكُوعِ .. إلخ (^١).
وفي المجموع والمستدرك عليه الكثيرُ من التصحيفات والأخطاء، وقد وقفت على ما يقربُ من خمسمائةِ تصحيف وخطأ، لم أجد مَن نَبَّه على كثيرٍ منها، وعدمُ تصحيحِها يُوْقِعُ القارئ في لَبْسٍ ويظن أنَّ كلام الشيخ فيه تناقض.
مثال ذلك: ما جاء في "الفتاوى": إِذَا أَمْكَنَ الرَّجُلُ أَو الْمَرْأَةُ أَنْ يَغْتَسِلَ ويُصَلّيَ خَارجَ الْحَمَّامِ فَعَلَا ذَلِكَ.
فَإِنْ لَمْ يَمكُن ذَلِكَ؛ مِثْل أَنْ لَا يَسْتَيْقِظَ أَوَّلَ الْفَجْرِ وَإِن اشْتَغَلَ بِطَلَبِ الْمَاءِ خَرَجَ الْوَقْتُ، وَإِن طَلَبَ حَطَبًا يُسَخِّنُ بِهِ الْمَاءَ أَو ذَهَبَ إلَى الْحَمَّامِ فَاتَ الْوَقْتُ: فَإِنَّهُ يُصَلِّي هُنَا بِالتَّيَمُّمِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ.
وَأَمَّا إذَا اسْتَيْقَظَ آخِرَ الْوَقْتِ، أَو إن اشْتَغَلَ بِاسْتِقَاءِ الْمَاءِ مِن الْبِئْرِ خَرَجَ الْوَقْتُ، أَو إنْ ذَهَبَ إلَى الْحَمَّامِ لِلْغُسْلِ خَرَجَ الْوَقْتُ: فَهَذَا يَغْتَسِلُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ. اهـ. (^٢)
هذا الكلام فيه تناقض ظاهر، لكن إذا عرفنا أن صواب العبارة هي: مِثْل أَنْ يَسْتَيْقِظَ أَوَّلَ الْفَجْرِ؛ أي: بحذف (لا) وقد حُذفت في الفتاوى المصريّة، وكذلك قوله: "أو إن اشتغل باستقاء … " خطأ يُخلّ بالمعنى، والصواب: "وإن اشتغل … "، بالعطف.
مثال آخر: قال ﵀: وَهَذَا قِيَاسُ مَذْهَبِنَا؛ لِأَنَّا نُوجِبُ عَلَى
_________________
(١) الفتاوى (١٤/ ٣٧٦ - ٤١٥).
(٢) الفتاوى (٢١/ ٤٤٦ - ٤٤٧).
[ ١ / ٩ ]
أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ مِن الْمُعَاوَضَةِ بِالْبَيْعِ وَالْعِمَارَةِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْآخَرُ فِي الْعُرْفِ؛ مِثْلُ عِمَارَةِ مَا استهدم، هَذَا فِي شَرِكَةِ الْأمْلَاكِ، فَكَذَلِكَ فِي شَرِكَةِ الْعُقُودِ؛ فَإِنَّ مَقْصودَهَا هُوَ التَّصَرُّفُ، فَتَرْكُ التَّصَرُّفِ فِي الْمُضَارَبَةِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ قَد يَكُونُ أَعْظَمَ ضَرَرًا مِن تَرْكِ عِمَارَةِ الْمَكَانِ المستهدم فِي شَرِكَةِ الْأَمْلَاكِ.
وَمَن تَرَكَ بَيْعَ الْعَيْنِ وَالْمَنْفَعَةِ الْمُشْتَرَكَةِ؛ لِأَنَّهُ فنَاكَ يُمْكِنُ الشَّرِيكَ أَنْ يَبِيعَ نَصِيبَهُ وَهُنَا غَرَّهُ وَضَيَّعَ عَلَيْهِ مَنْفَعَةَ مَالِهِ.
وهذه الجملةُ بهذه الصيغة لا يكون لها معنى.
وصوابها: .. قَد يَكُونُ أَعْظَمَ ضَرَرًا مِن تَرْكِ عِمَارَةِ الْمَكَانِ المستهدم فِي شَرِكَةِ الْأَمْلَاكِ، وَمِن تَرْكِ بَيْع الْعَيْنِ وَالْمَنْفَعَةِ الْمُشْتَرَكَةِ.
وهناك أمثلة أخرى تجدها في هذا التهذيب بحول الله تعالى.
ولا ريب أن التلخيصَ أحسن وسيلةٍ للفهم والضبط، ولا يُمكن ضبط الكتب المطولة والصعبة إلا به، أو بكثرة فراجعتها وتكرارها.
ومن أهداف التقريب: تسهيل "مجموع الفتاوى" خاصة على طلاب العلم، وأنا أزعم أن كثيرًا من طلاب العلم -أو أكثرهم- لم يقرأها كاملة، وذلك لصعوبتها وطولها وعسرها، وتهذيبُها والتعليقُ على كثير من المواضع شرحًا وتصحيحًا وترجيحًا يفتح لهم أمل قراءتها والوقوف على دررها، وما لا يُدرك كله لا يُترك جلّه.
ولقد واجهت صعوبةً بالغة في هذا التقريب والتعليق عليه وشرح الغامض والمشكل فيه، فقد كان الكتاب الورقيّ بين يدي، والكتاب الإلكتروني في الحاسب الآلي أمامي، فأقرأ هنا، وألخص هنا!
وأنا أمَام أكثر من أربعين مُجلّدًا- "مجموع الفتاوى"، و"المستدرك"، و"الاختيارات"، و"مختصر الفتاوى المصريّة"، وكيرِها من كتبِه وكتب تلاميذِه-
[ ١ / ١٠ ]
فيها مِن الطول والتشعب والردود، وكنت أمكث في أحايين كثيرة أكثر من ساعة كاملة في وريقات قليلة، لفهمها فهمًا صحيحًا، ثم تهذيبها، والتعليق عليها، والنظر في التعارض في أقوالِه أو الأقوال المنسوبة إليه.
ولكن اللذة والأنس والسعادةَ التي ذقتها أثناء قراءتي له أنستني آلام المعاناة التي عانيتُها، والصعوبات التي واجهتها.
بل والله إني كنتُ أقول كثيرًا في نفسي أثناء القراءة -وبُحْت به لبعض خاصتي- كيف سيكون حالي بعد أنْ أنتهي من هذه الفتاوى؟
فقد كنت أعيش أحسن أيامي، وأمتع أوقاتي، وألذ ساعاتي، فكيف بحالي إن انتهيت منها؟ وكيف سأصبر على مفارقة هذه اللذائذ والمتع.
وكنت أشفق على نفسي عن حالي بعد الفراق، فلم أجد صديقًا يُغنيني- بعد كتاب الله تعالى- عن كل الأصدقاء والجلساء مثله.
وكنت في سائر الكتب المطولة والمختصرة إذا بدأت القراءة أتشوق لإنهائها، وقد تفتر الهمة، وتضعف العزيمة، فآخذها بالحزم والصبر والمصابرة، إلا فتاوى شيخ الإسلام ﵀، فإني كلما أنهيت مجلّدًا ازددت نشاطًا وأنسًا، وسعادةً وراحة، وهمتي في ازدياد عجيب، وعزيمتي تقوى، فسبحان من جعل فيما كتب ابن تيمية البركة التي لا تنضب.
وإنما أقول هذا لأنقل للقارئ المتعة التي سيجدها عند قراءته لهذا الكتاب.