بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) إلى الولد المكرم محمد بن عبد الله بن سليم سلمه الله تعالى. سلام عليكم، ورحمة الله وبركاته
(وبعد): موجب الخط إبلاغ السلام والخط وصل -أوصلك الله إلى الخير-. وما ذكرت من المسائل:
فالأولى في قول من يقول: إن النبي ﷺ حي في قبره، فالله -﷾- أخبر بحياة الشهداء، ولا شك أن الأنبياء أعلى رتبة من
[ ١٢٧ ]
الشهداء وأحق بهذا، وأنهم أحياء في قبورهم، ونحن نرى الشهداء رميما، وربما أكلتهم السباع، ومع ذلك ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ ١، فحياتهم حياة برزخية، الله أعلم بحقيقتها.
والنبي ﷺ قد مات بنص القرآن والسنة، ومَنْ شك في موته فهو كافر. وكثير من الناس خصوصا في هذه الأزمنة يدعون أنه ﷺ حي كحياته لما كان على وجه الأرض بين أصحابه، وهذا غلط عظيم؛ فإن الله ﷾- أخبر بأنه ميت، وهل جاء أثر صحيح أنه باعثه لنا في قبره كما كان قبل موته؟
وقد قام البرهان القاطع أنه لا يبقى أحد حيا حين يقول الرب سبحانه-: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ ٢، فيكون ﷺ- قد مات، ثم بعث في قبره، ثم مات، فيكون له ثلاث موتات، ولغيره موتتان، وقد قال أبو بكر﵁- لما جاءه بعد موته: "أما الموتة التي كتبت عليك فقد متها، ولن يجمع الله عليك موتتين".
وقال -سبحانه- عن جميع أهل الجنة: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى﴾ ٣ يعني: التي كانت في الدنيا؛ أفيكون الرسول قد مات موتة ثانية بعد الموتة الأولى؟ وأيضا لو كان حيا في قبره مثل حياته على وجه الأرض، لسأله أصحابه عما أشكل عليهم، قال عمر ﵁ "ثلاث وددت أني سألت رسول الله ﷺ- عنهن: الجد، والكلالة، وأبواب من الربا".
فهلا جاء إلى قبره واستسقى بالعباس، ولم يجيئ إلى قبره يستسقي به!
ومعلوم ما صار بعده ﷺ من الاختلاف العظيم، ولم يجيئ أحد إلى قبره ﷺ يسأله عما اختلفوا فيه. وفي
_________________
(١) ١ سورة آل عمران آية: ١٦٩. ٢ سورة غافر آية: ١٦. ٣ سورة الدخان آية: ٥٦.
[ ١٢٨ ]
الحديث المشهور: "ما من مسلم يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇" ١؛ فهذا يدل على أن روحه ﷺ ليست دائمة في قبره.
ومعرفة الميت زائره ليس مختصا به ﷺ، والذين يظنون أن حياته في قبره كحياته قبل موته يقرؤون في "الشفاء" وغيره الحكاية المشهورة عندهم: أن الإمام مالكا قال للمنصور لما رفع صوته في مسجد النبي ﷺ: لا ترفع صوتك في مسجد رسول الله -ﷺ-؛ فإن حرمته ميتا كحرمته حيا، قد عقد ابن القيم رحمه الله تعالى- في النونية فصلا على من ادعى هذه الدعوى، وأجاد ﵀.
منزلة علي من الرسول ﵊
والحديث الذي يروى: "أنا مدينة العلم وعلي بابها" ليس له أصل. وأما قوله لعلي ﵁: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى" ٢ فهو حديث صحيح، وسببه أن النبي ﷺ لما تجهز لغزوة تبوك، لم يأذن لعلي في الغزو، واستخلفه على أهله، فقال علي: يا رسول الله تخلفني مع النساء والصبيان. فقال ﷺ: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ " ٣.
قال العلماء: يشير إلى قوله: ﴿وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ ٤، فالمراد استخلافه ﷺ عليا على أهله في سفر غزوه.
القول بشفاعة الرسول ﵇ للمشركين يوم القيامة
وأما من قال أن النبي ﷺ يشفع للمشركين يوم القيامة، فهذا كذب يرده قول النبي ﷺ لما سأله أبو هريرة ﵁: "من أحق الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: من قال لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله" فشفاعته ﷺ- لأهل التوحيد
_________________
(١) ١ أبو داود: المناسك (٢٠٤١)، وأحمد (٢/٥٢٧) . ٢ البخاري: المناقب (٣٧٠٦) والمغازي (٤٤١٦)، ومسلم: فضائل الصحابة (٢٤٠٤)، والترمذي: المناقب (٣٧٣١)، وابن ماجه: المقدمة (١١٥،١٢١)، وأحمد (١/١٧٠،١/١٧٣،١/١٧٤،١/١٧٥،١/١٧٧،١/١٧٩،١/١٨٢،١/١٨٤) . ٣ البخاري: المناقب (٣٧٠٦) والمغازي (٤٤١٦)، ومسلم: فضائل الصحابة (٢٤٠٤)، والترمذي: المناقب (٣٧٣١)، وابن ماجه: المقدمة (١١٥،١٢١)، وأحمد (١/١٧٠،١/١٧٣،١/١٧٤،١/١٧٥،١/١٧٧،١/١٧٩،١/١٨٢،١/١٨٤،١/١٨٥) . ٤ سورة الأعراف آية: ١٤٢.
[ ١٢٩ ]
لا للمشركين. وقال ﷺ: "إني اختبأت دعوتي شفاعة لأهل الكبائر من أمتي، فهي نائلة -إن شاء الله تعالى- مَنْ مات لا يشرك بالله شيئا" ١.
شبهات القبوريين في شركهم
وأما قول القائل: إن دعاءهم الأموات، وسؤالهم قضاء الحاجات مجاز، والله هو المسؤول حقيقة؛ فهذا حقيقة قول المشركين: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٢، ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٣؛ فهم يسألون الوسائط زاعمين أنهم يشفعون لهم عند الله في قضاء حوائجهم.
قال شيخ الإسلام تقي الدين -رحمه الله تعالى-: فمن جعل بينه، وبين الله وسائط يدعوهم، ويتوكل عليهم، ويسألهم، كفر إجماعا. اهـ.
وأما قول من يقول: إن الآيات التي نزلت بحكم المشركين الأولين، فلا تتناول من فعل فعلهم، فهذا كفر عظيم، مع أن هذا قول ما يقوله إلا ثور مرتكس في الجهل.
فهل يقول: إن الحدود المذكورة في القرآن والسنة لأناس كانوا وانقرضوا؟ فلا يُحد الزاني اليوم، ولا تُقطع يد السارق ونحو ذلك! مع أن هذا قول يستحيا من ذكره.
أفيقول هذا: إن المخاطبين بالصلاة والزكاة وسائر شرائع الإسلام انقرضوا، وبطل حكم القرآن؟!
وأما قول من يقول: إن النبي أو غيره ينجي من عذاب الله، أو يغني من الله شيئا، فهذا كفر صريح يحكم بكفر صاحبه بعد تعريفه إن كان جاهلا؛ بل أبلغ من ذلك لو قال: إن أحدا يشفع عند الله من غير إذن له، فهو كافر.
وأما قول بعض الناس إذا سئل عن شيء: الله ورسوله أعلم. فهذا يجري على ألسنة كثير من الناس من غير اعتقاد شيء، فالواجب تعليم مثل هذا، والله - ﷾ - أعلم. وصلى الله محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
_________________
(١) ١ مسلم: الإيمان (١٩٩)، وابن ماجه: الزهد (٤٣٠٧)، وأحمد (٢/٤٢٦) . ٢ سورة يونس آية: ١٨. ٣ سورة الزمر آية: ٣.
[ ١٣٠ ]