بسم الله الرحمن الرحيم
وسئل -قد س الله روحه: - ما الفرق بين الإسلام والإيمان؟ ومسألة في زيارة قبر النبي-. ﷺفأجاب بقوله:
(الجواب) وبالله التوفيق: قد فسر النبي ﷺ الإسلام والإيمان في حديث جبرائيل، وفسر الإسلام في حديث ابن عمر، وكلاهما في الصحيح، فقال: "الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا" ١، وقال: "الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وباليوم الأخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره" ٢،
وقال في حديث ابن عمر: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان وحج البيت" ٣، وفي رواية "والحج، وصوم رمضان" ٤.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: جعل النبي ﷺ الدين ثلاث درجات: أعلاها الإحسان، وأوسطها الإيمان، ويليه الإسلام؛ فكل محسن مؤمن، وكل مؤمن مسلم، وليس كل مؤمن محسنا، ولا كل مسلم مؤمنا كما دلت عليه الأحاديث. انتهى كلامه –﵀-.
_________________
(١) ١ مسلم: الإيمان (٨)، والترمذي: الإيمان (٢٦١٠)، والنسائي: الإيمان وشرائعه (٤٩٩٠)، وأبو داود: السنة (٤٦٩٥)، وابن ماجه: المقدمة (٦٣)، وأحمد (١/٢٧،١/٥١) . ٢ البخاري: تفسير القرآن (٤٧٧٧)، ومسلم: الإيمان (١٠)، والنسائي: الإيمان وشرائعه (٤٩٩١)، وابن ماجه: المقدمة (٦٤)، وأحمد (٢/٤٢٦) . ٣ البخاري: الإيمان (٨)، ومسلم: الإيمان (١٦)، والترمذي: الإيمان (٢٦٠٩)، والنسائي: الإيمان وشرائعه (٥٠٠١)، وأحمد (٢/٢٦) . ٤ البخاري: الإيمان (٨)، ومسلم: الإيمان (١٦)، والترمذي: الإيمان (٢٦٠٩)، والنسائي: الإيمان وشرائعه (٥٠٠١)، وأحمد (٢/١٢٠) .
[ ٤٨ ]
فإن قيل: قد فرق النبيﷺفي حديث جبريل بين الإسلام والإيمان، والمشهور عن السلف وأئمة الحديث أن الإيمان قول وعمل ونية، وأن الأعمال كلها داخلة في مسمى الإيمان، وحكى الشافعي على ذلك إجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم ممن أدركهم.
فالجواب أن الأمر كذلك، وقد دل على دخول الأعمال في الإيمان: الكتاب والسنة؛ أما من الكتاب فكقوله -تعالى-: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ ١، وأما من الحديث فكقوله في حديث أبي هريرة المتفق عليه: "الإيمان بضع وسبعون شعبة؛ أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق. والحياء شعبة من الإيمان" ٢ وغير ذلك.
فمن زعم أن إطلاق الإيمان على الأعمال الظاهرة مجاز، فقد خالف الصحابة والتابعين والأئمة، إذا عرفت ذلك، فاعلم أنه يجمع بين الأحاديث بأن أعمال الإسلام داخلة في مسمى الإيمان، شامل لها، ففسرت بالإسلام، وهي جزء مسمى الإيمان، لكون الإيمان شاملها، ولغيرها من الأعمال الباطنة والظاهرة.
فإذا أفرد الإيمان في آية أو حديث دخل فيه الإسلام، وإذا قرن بينهما فسر الإسلام بالأركان الخمسة، كما في حديث جبريل، فسر الإيمان بأعمال القلب، لأنها أصل الإيمان ومعظمه؛ وقوته وضعفه ناشئان عن قوة ما في القلب من هذه الأعمال أو ضعفها، وقد يضعف ما في القلب من الإيمان بالأصول الستة حتى يكون وزن ذرة، كما في الحديث الصحيح: "أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان" ٣. فبقدر ما في القلب من الإيمان تكون الأعمال الظاهرة التي هي داخلة في مسماه، وتسمى
_________________
(١) ١ سورة الأنفال آية: ٢. ٢ مسلم: الإيمان (٣٥)، والترمذي: الإيمان (٢٦١٤)، والنسائي: الإيمان وشرائعه (٥٠٠٥)، وأبو داود: السنة (٤٦٧٦)، وابن ماجه: المقدمة (٥٧)، وأحمد (٢/٣٧٩،٢/٤١٤،٢/٤٤٥) . ٣ البخاري: الإيمان (٢٢)، ومسلم: الإيمان (١٨٤)، وأحمد (٣/٥٦) .
[ ٤٩ ]
إسلاما وإيمانا كما في حديث وفد عبد القيس حين قال لهم النبي ﷺ: "آمركم بالإيمان بالله وحده؛ أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله أعلم ورسوله، قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا خمس ما غنتم" ١. فهذه الأعمال أُدخلت في الإيمان وهي الإسلام، لأن الإسلام اسم لجميع الأعمال الظاهرة والباطنة. فمن ترك شيئا من الواجبات، أو فعل شيئا من المحرمات نقص إيمانه بحسب ذلك، وهو دليل على نقصان أصل الإيمان، وهو إيمان القلب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الكلام على الإسلام، والإيمان، والإحسان، وما بين الثلاثة من العموم والخصوص: أما الإحسان فهو أعم من جهة نفسه، وأخص من جهة أصحابه من الإيمان. والإيمان أعم من جهة نفسه، وأخص من جهة أصحابه من الإسلام. فالإحسان يدخل فيه الإيمان، والإيمان يدخل فيه الإسلام، والمحسنون أخص من المؤمنين، والمؤمنون أخص من المسلمين. انتهى.
وهذا يبين ما قررناه، فحينئذ يتبين الإيمان الكامل الذي صاحبه يستحق عليه دخول الجنة والنجاة من النار، هو فعل الواجبات، وترك المحرمات، وهو الذي يطلق على من كان كذلك بلا قيد، وهو الإيمان الذي يسميه العلماء: الإيمان المطلق. وأما من لم يكن كذلك، بل فرط في بعض الواجبات أو فعل بعض المحرمات، فإنه لا يطلق عليه الإيمان إلا بقيد فيقال: مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، أو يقال: مؤمن ناقص الإيمان، لكونه ترك بعض واجبات الإيمان، كما في حديث أبي هريرة: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن "٢ أي ليس موصوفا بالإيمان الواجب الذي يستحق صاحبه
_________________
(١) ١ البخاري: المغازي (٤٣٦٨)، ومسلم: الإيمان (١٧)، والترمذي: الإيمان (٢٦١١)، والنسائي: الإيمان وشرائعه (٥٠٣١)، وأبو داود: الأشربة (٣٦٩٢) . ٢ البخاري: المظالم والغصب (٢٤٧٥)، ومسلم: الإيمان (٥٧)، والترمذي: الإيمان (٢٦٢٥)، والنسائي: قطع السارق (٤٨٧٠،٤٨٧١)، وأبو داود: السنة (٤٦٨٩)، وابن ماجه: الفتن (٣٩٣٦)، وأحمد (٢/٣١٧،٢/٣٨٦)، والدارمي: الأشربة (٢١٠٦) .
[ ٥٠ ]
الوعد بالجنة والمغفرة والنجاة من النار، بل هو تحت المشيئة، إن شاء الله غفر له، وإن شاء عذبه على ترك ما وجب عليه من الإيمان، وارتكابه الكبيرة. وقيل: هذا يوصف بالإسلام دون الإيمان، ولا يسمى مؤمنا إلا بقيد، وهذا الذي يسميه العلماء مطلق الإيمان، أي أنه أتى بالأركان الخمسة، وعمل بها باطنا وظاهرا.
وهذا الذي قلنا من معنى الإسلام والإيمان هو مذهب الإمام أحمد -﵀-، وطائفة من السلف والمحققين، وذهبت طائفة من أهل السنة أيضا إلى أن الإسلام والإيمان شيء واحد وهو الدين، فسمي إسلاما وإيمانا، فهما اسمان لمسمى واحد، والأول أصح، وهو الذي نصره شيخ الإسلام ابن تيمية في كتبه، فلا نلتفت إلى ما يخالف هذين القولين، والله أعلم.
شد الرحل إلى قبر النبي
وأما قول السائل: هل يحرم شد الرحل إلى قبر النبي -ﷺ-؟
فالجواب: إن بعض العلماء قد قال: يجوز السفر إلى قبور الأنبياء والصالحين. وهذا القول لصاحب المغني، وبعض المتأخرين من الحنابلة والشافعية، وهؤلاء يحتجون بقوله: "فزوروها". وأما ما يحتج به بعض من لا يعرف الحديث من قوله: "من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي ". فهذا الحديث لا تقوم به حجة عند من له معرفة بعلل الحديث. وأما ما يقوله بعض الناس إنه حديث "من حج فلم يزرني فقد جفاني". فهذا لم يروه أحد من العلماء، ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمة الله عليه-، ومثله حديث "من زارني ضمنت له على الله الجنة". قال الشيخ: وهذا باطل أيضا باتفاق العلماء -رحمهم الله تعالى-. قال: والصحيح ما ذهب إليه المتقدمون كأبي عبد الله بن بطة، وأبي الوفا ابن عقيل، وطوائف من المتقدمين من أن
[ ٥١ ]
هذا السفر منهي عنه، لا تقصر فيه الصلاة، وهو قول مالك والشافعي وأحمد، وحجتهم ما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا" ١.
وهذا الحديث اتفق الأئمة على صحته، والعمل به في الجملة. فلو نذر الرجل أن يصلي في مسجد، أو مشهد، أو يعتكف فيه، أو يسافر إليه غير هذه الثلاثة لم يجب عليه ذلك باتفاق العلماء. ولو نذر أن يأتي مسجد النبي ﷺ أو المسجد الأقصى لصلاة أو اعتكاف وجب عليه الوفاء بهذا النذر عند مالك والشافعي وأحمد -رحمهم الله تعالى-، كما نص عليه شيخ الإسلام.
إذا عرفت أقوال العلماء في هذه المسألة، فاعلم أن الزائر إذا نوى بالزيارة التي فيها شد الرحل لسفر زيارة مسجد رسول الله ﷺ صار ذلك به سفر طاعة بإجماع العلماء -﵏-، ويحصل له زيارة قبر النبي ﷺ تبعا إذا وصل المسجد، وفعل ما هو المشروع من البداءة بتحية المسجد، ثم سلم على رسول الله ﷺ والزيارة والسلام على صاحبيه -﵄-، وذلك لا محذور فيه بوجه، بل هو مصلحة محضة. فأي محذور في تحصيل المصلحة المطلوبة على وجه صحيح بالإجماع؟ والله أعلم. وصلى الله على محمد وآله وصحبه، وسلم تسليما كثيرا.
_________________
(١) ١ البخاري: الجمعة (١١٩٧) والصوم (١٩٩٦)، ومسلم: الحج (٨٢٧)، والترمذي: الصلاة (٣٢٦)، وابن ماجه: إقامة الصلاة والسنة فيها (١٤١٠)، وأحمد (٣/٧٨) .
[ ٥٢ ]