لسماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
[ ٩٨ ]
فإننا اخترنا أن تكون افتتاحية هذا العدد من هذه المجلة المباركة النافعة حول شهر رمضان، فضله وبعض ما يشرع فيه من العبادات. فإن الله ﷾ قد من علينا بهذا الشهر الكريم المبارك، زمن فاضل خصه الله بمزيد من الخصائص من بين سائر الشهور، فهو الشهر الذي أنزل فيه القرآن كتاب الله العظيم يقول الله ﷿: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ (١) في هذا الشهر تفتح أبواب الرحمة، وتغلق أبواب النيران وتصفد الشياطين، فتكون النفوس المؤمنة مقبلة على طاعة ربها، معرضة عن معاصيه، يقول النبي ﷺ: «إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب جهنم وسلسلت الشياطين (٢)» رواه الجماعة إلا أبا داود بألفاظ متقاربة عن أبي هريرة ﵁. وجاء عند بعضهم عن غيره، وزاد الترمذي وابن ماجه والنسائي في رواية: «وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة (٣)» وفي بعض الروايات تقييد التصفيد والغل بمردة الشياطين؛ فاختلفت أنظار العلماء في شرحه وبيانه فمنهم من قال: إن التصفيد خاص بمردة الشياطين دون غيرهم تقليلا للشر في هذا الشهر، وقال بعضهم: إن هذا الفضل إنما يحصل للصائمين الصوم الذي حوفظ على شروطه، وروعيت آدابه. وقال آخرون -وهو الأقرب إلى الصواب بإذن الله-: إن تصفيد الشياطين على حقيقته، ولا يلزم من تصفيد جميع الشياطين أن لا يقع شر ولا معصية؛ لأن لذلك أسبابا غير الشياطين، كالنفوس الخبيثة والعادات القبيحة، والشياطين الإنسية، فالمقصود أنه وبكل حال فإن هذا الشهر فرصة لمن وفقه الله وفتح على قلبه للإقبال على طاعته، والبعد عن معاصيه لتوفر أسباب ذلك ودواعيه.
_________________
(١) سورة البقرة الآية ١٨٥
(٢) صحيح البخاري بدء الخلق (٣٢٧٧)، صحيح مسلم الصيام (١٠٧٩)، سنن الترمذي الصوم (٦٨٢)، سنن النسائي الصيام (٢١٠٤)، سنن ابن ماجه الصيام (١٦٤٢)، مسند أحمد بن حنبل (٢/٣٧٨)، موطأ مالك الصيام (٦٩١)، سنن الدارمي الصوم (١٧٧٥) .
(٣) سنن الترمذي الصوم (٦٨٢)، سنن ابن ماجه الصيام (١٦٤٢) .
[ ٩٩ ]
ويستفاد من هذا الحديث بزياداته فضيلة أخرى، وهي أن لله في هذا الشهر عتقاء من النار وذلك كل ليلة. وفضائل هذا الشهر الكريم كثيرة عظيمة ذكرنا فيما مضى طرفا منها.
ودخول هذا الشهر الكريم لا يثبت إلا بأحد أمرين:
الأول: رؤية هلال رمضان. فيثبت الشهر بذلك بإجماع المسلمين؛ لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (١) وفي حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا (٢)» متفق عليه.
ويكفي في ثبوت الرؤية إخبار عدل واحد من المسلمين برؤيته له، على الصحيح، لقول ابن عمر ﵄: «تراءى الناس الهلال، فأخبرت رسول الله ﷺ أني رأيته، فصام، وأمر الناس بصيامه (٣)» رواه أبو داود والدارمي وابن حبان والحاكم والبيهقي، وصححه ابن حزم.
وفي حديث ابن عباس قال: «جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: إني رأيت الهلال- يعني رمضان- فقال: أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: نعم. قال: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم. قال: يا بلال أذن في الناس فليصوموا غدا (٤)» رواه أصحاب السنن.
_________________
(١) سورة البقرة الآية ١٨٥
(٢) صحيح البخاري الصوم (١٩٠٠)، صحيح مسلم الصيام (١٠٨٠)، سنن النسائي الصيام (٢١٤٢)، سنن أبو داود الصوم (٢٣١٩)، مسند أحمد بن حنبل (٢/٣١)، موطأ مالك الصيام (٦٣٤)، سنن الدارمي الصوم (١٦٨٤) .
(٣) سنن أبو داود الصوم (٢٣٤٢)، سنن الدارمي الصوم (١٦٩١) .
(٤) سنن الترمذي الصوم (٦٩١)، سنن النسائي الصيام (٢١١٣)، سنن أبو داود الصوم (٢٣٤٠)، سنن ابن ماجه الصيام (١٦٥٢)، سنن الدارمي الصوم (١٦٩٢) .
[ ١٠٠ ]
الأمر الآخر: الذي يثبت به دخول شهر رمضان؛ إكمال عدة شعبان ثلاثين يوما، فإنه إذا لم ير الهلال أكملت عدة شعبان ثلاثين يوما، سواء كان الجو صحوا أو غائما أو قترا؛ لقول النبي ﷺ: «الشهر تسع وعشرون ليلة، فلا تصوموا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين (١)» متفق عليه واللفظ للبخاري، وفي معناه أحاديث أخرى في الكتب الستة وغيرها. ومن رأى الهلال فردت شهادته فإنه لا يصوم إلا يوم صوم الناس؛ لقول النبي ﷺ: «الصوم يوم تصومون (٢)» أخرجه الترمذي.
ولا يثبت دخول الشهر بغير هذين الأمرين، فلا عبرة بقول أهل الحساب والفلك في هذا الأمر، فإنه أمر شرعي ينبني عليه عبادات المسلمين ضبطها الشارع بضوابط لا يجوز لنا تجاوزها، وقد دلت الأدلة على أن ثبوت شهر رمضان لا يكون إلا بالرؤية الشرعية المعتبرة، أو بإكمال عدة شعبان ثلاثين يوما.
ولم يأت دليل يعلق دخول هذا الشهر بالحساب، بل قد صح عن النبي ﷺ ما يدل على عدم اعتباره، ففي صحيح البخاري عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا (٣)» يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين. فنفى المعرفة بالحساب وظاهره نفي تعليق الحكم به، يوضح ذلك ما في البخاري أيضا أن رسول الله ﷺ قال: «فإن غبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين (٤)» .
_________________
(١) صحيح البخاري الصوم (١٩٠٧)، موطأ مالك الصيام (٦٣٤) .
(٢) سنن الترمذي الصوم (٦٩٧)، سنن أبو داود الصوم (٢٣٢٤)، سنن ابن ماجه الصيام (١٦٦٠) .
(٣) صحيح البخاري الصوم (١٩١٣)، صحيح مسلم الصيام (١٠٨٠)، سنن النسائي الصيام (٢١٤١)، سنن أبو داود الصوم (٢٣١٩)، مسند أحمد بن حنبل (٢/٤٣)، موطأ مالك الصيام (٦٣٤) .
(٤) صحيح البخاري الصوم (١٩٠٩) .
[ ١٠١ ]
بل إن بعض العلماء قد نقل إجماع السلف على عدم اعتبار الحساب في ثبوت شهر رمضان، وإذ قد ظهر ذلك فإن الاعتماد على الحساب في إثبات الشهر عمل غير مشروع؛ لعدم الدليل عليه، مع مخالفته لظواهر الأدلة وما نقل من إجماع سلف الأمة، فيكون القول به مردودا على صاحبه، يقول النبي ﷺ كما في حديث عائشة ﵄ الذي أخرجه مسلم في صحيحه: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (١)» . والجاليات المسلمة في البلاد الكافرة إن تمكنوا من تحري رؤية هلال رمضان فهو المتعين، وإن لم يتمكنوا فالواجب عليهم أن يتبعوا أقرب بلد مسلم يعمل بالرؤية الشرعية، ولا يجوز لهم العمل بالحساب بحال كغيرهم من المسلمين في بلاد الإسلام.
ويشرع استقبال هذا الشهر الكريم بالتوبة إلى الله من الذنوب والخطايا، ورد المظالم إلى أهلها، فإن هذا مشروع كل وقت، يقول الله ﷿: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢) ويقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ (٣)، ويتأكد أمر التوبة في مثل هذه الأزمان الفاضلة لشرفها وعظم أجر الأعمال الصالحة فيها.
_________________
(١) صحيح مسلم الأقضية (١٧١٨)، مسند أحمد بن حنبل (٦/١٨٠) .
(٢) سورة النور الآية ٣١
(٣) سورة التحريم الآية ٨
[ ١٠٢ ]
هذا وإنه مما ينبغي التنبيه له أنه لا يجوز للمسلم أن يصوم يوم الشك، يقول عمار ﵁: «من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ» ويوم الشك هو يوم الثلاثين إذا لم يحل دون منظر هلال ليلته غيم أو قتر. وإذا دخل هذا الشهر الكريم، فإنه لا بأس من التهنئة بدخوله؛ لأنه قد ثبت ذلك عن النبي ﷺ وأصحابه، ففي سنن النسائي من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أتاكم شهر رمضان، شهر مبارك، فرض الله ﷿ عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه مردة الشياطين، لله فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم (١)» . وجاء في مسند الإمام أحمد بسند صحيح أن رسول الله ﷺ قال: «في رمضان تغلق أبواب النار. . . (٢)» الحديث إلى أن قال ﷺ: «وينادي فيه ملك: يا باغي الخير أبشر، ويا باغي الشر أقصر حتى ينقضي رمضان (٣)» .
ثم إن أعظم العبادات في هذا الشهر الكريم هي عبادة الصيام، وصيام رمضان رابع أركان الإسلام يقول النبي ﷺ: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت (٤)» متفق عليه من حديث ابن عمر ﵄، واللفظ لمسلم.
_________________
(١) صحيح البخاري الصوم (١٨٩٩)، صحيح مسلم الصيام (١٠٧٩)، سنن الترمذي الصوم (٦٨٢)، سنن النسائي الصيام (٢١٠٦)، سنن ابن ماجه الصيام (١٦٤٢)، مسند أحمد بن حنبل (٢/٢٩٢)، موطأ مالك الصيام (٦٩١)، سنن الدارمي الصوم (١٧٧٥) .
(٢) سنن النسائي الصيام (٢١٠٨)، مسند أحمد بن حنبل (٤/٣١٢) .
(٣) سنن الترمذي الصوم (٦٨٢)، سنن ابن ماجه الصيام (١٦٤٢) .
(٤) صحيح البخاري الإيمان (٨)، صحيح مسلم الإيمان (١٦)، سنن الترمذي الإيمان (٢٦٠٩)، سنن النسائي الإيمان وشرائعه (٥٠٠١)، مسند أحمد بن حنبل (٢/٩٣) .
[ ١٠٣ ]
وهو فرض بدلالة الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١) ومن السنة حديث ابن عمر السابق.
وقد أجمع المسلمون على فرضية صيام رمضان. ومعنى الصوم في اللغة: مطلق الإمساك، يقول الله تعالى عن مريم أم عيسى ﵇: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ (٢) .
وقال الشاعر:
خيل صيام وخيل غير صائمة تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما
وهو في الشرع: الإمساك عن الطعام والشراب والجماع وسائر المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، طاعة لله ﷾.
والصوم له فوائد عظيمة في الدنيا والآخرة: فمنها أنه سبب لحصول التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٣) . وهو وقاية للمسلم من الذنوب، ووقاية من عذاب الله، فعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الصيام جنة وحصن حصين من النار (٤)» أخرجه أحمد والبيهقي في شعب الإيمان. وأصله في الصحيحين.
بالصوم تضيق مجاري الشيطان، وتخف دواعي الشهوة التي تردي صاحبها؛ فعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحفظ للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء (٥)» متفق عليه.
_________________
(١) سورة البقرة الآية ١٨٣
(٢) سورة مريم الآية ٢٦
(٣) سورة البقرة الآية ١٨٣
(٤) صحيح البخاري الصوم (١٨٩٤)، سنن النسائي الصيام (٢٢١٦)، سنن أبو داود الصوم (٢٣٦٣)، مسند أحمد بن حنبل (٢/٤٠٢)، سنن الدارمي الصوم (١٧٧١) .
(٥) صحيح البخاري النكاح (٥٠٦٥)، صحيح مسلم النكاح (١٤٠٠)، سنن الترمذي النكاح (١٠٨١)، سنن النسائي النكاح (٣٢١١)، سنن أبو داود النكاح (٢٠٤٦)، سنن ابن ماجه النكاح (١٨٤٥)، مسند أحمد بن حنبل (١/٣٧٨)، سنن الدارمي النكاح (٢١٦٥) .
[ ١٠٤ ]
الصوم سبب لإجابة الدعاء فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر (١)» . . . الحديث أخرجه الترمذي. وقد خص الصيام من بين سائر الأعمال بمزيد فضل ومزية، من ذلك أن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما، إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه (٢)» متفق عليه.
ومن ذلك أيضا أن جميع الأعمال جزاؤها الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، إلا الصوم فإن الله سبحانه أضافه إلى نفسه وتولى سبحانه جزاءه بغير حصر. يقول النبي ﷺ: «كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، قال الله: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به (٣)» .
الصائمون لهم باب يخصهم من أبواب الجنة لا يدخل معه أحد غيرهم، يقال له باب الريان، ففي الصحيحين عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن في الجنة بابا يقال له: الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل معهم أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؟ فيدخلون منه، فإذا دخل آخرهم أغلق، فلم يدخل منه أحد (٤)» .
_________________
(١) سنن الترمذي الدعوات (٣٥٩٨)، سنن ابن ماجه الصيام (١٧٥٢) .
(٢) صحيح البخاري الصوم (١٩٠٤)، صحيح مسلم الصيام (١١٥١)، سنن الترمذي الصوم (٧٦٤)، سنن النسائي الصيام (٢٢١٦)، سنن أبو داود الصوم (٢٣٦٣)، سنن ابن ماجه الصيام (١٦٣٨)، مسند أحمد بن حنبل (٢/٢٧٣)، موطأ مالك الصيام (٦٨٩) .
(٣) صحيح البخاري اللباس (٥٩٢٧)، صحيح مسلم الصيام (١١٥١)، سنن الترمذي الصوم (٧٦٤)، سنن النسائي الصيام (٢٢١٦)، سنن أبو داود الصوم (٢٣٦٣)، سنن ابن ماجه الصيام (١٦٣٨)، مسند أحمد بن حنبل (٢/٢٧٣)، موطأ مالك الصيام (٦٨٩) .
(٤) صحيح البخاري الصوم (١٨٩٦)، صحيح مسلم الصيام (١١٥٢)، سنن الترمذي الصوم (٧٦٥)، سنن النسائي الصيام (٢٢٣٦)، سنن ابن ماجه الصيام (١٦٤٠)، مسند أحمد بن حنبل (٥/٣٣٥) .
[ ١٠٥ ]
هذه بعض فضائل الصوم المنصوص عليها في الشرع، وهناك فوائد أخرى يذكرها أهل الطب وغيرهم مثل كون الصوم علاج للبدن وتنقية له من الأخلاط الرديئة التي تضره، وقد كان كبار أهل الطب يصفونه علاجا لمرضاهم.
ثم إن الصائم يجب عليه أن يخلص لله ﷿ في صيامه وأن يحافظ عليه، ويحتسب ذلك عند الله فإنه سبب لمغفرة الذنوب، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه (١)» متفق عليه.
هذا وإن هناك أمورا تنافي حقيقة الصوم وتبطله، يجب على الصائم البعد عنها. وهناك أمور تنافي كمال الصوم وتجرحه، وتنقص ثوابه، يجب تركها كل وقت، ويتأكد ذلك في رمضان، لحرمة الزمان.
أما مبطلات الصوم فقسمان: قسم مجمع على كونه مفسدا للصوم، وهو ثلاثة أمور الأكل والشرب والجماع، في نهار رمضان من العامد المختار. دليل ذلك قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (٢) .
_________________
(١) صحيح البخاري الإيمان (٣٨)، صحيح مسلم صلاة المسافرين وقصرها (٧٦٠)، سنن الترمذي الصوم (٦٨٣)، سنن النسائي الصيام (٢٢٠٢)، سنن أبو داود الصلاة (١٣٧١)، مسند أحمد بن حنبل (٢/٢٤١)، سنن الدارمي الصوم (١٧٧٦) .
(٢) سورة البقرة الآية ١٨٧
[ ١٠٦ ]
وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «الصيام جنة، فلا يرفث ولا يجهل وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم- مرتين- والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، الصيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها (١)» رواه البخاري وغيره من أهل السنن، وفي لفظ للبخاري: «يدع شهوته وأكله وشربه من أجلي (٢)» .
وقد أجمع المسلمون على أن هذه الأمور الثلاثة مفطرة للصائم مفسدة لصومه.
القسم الثاني من المفطرات: ما وقع فيه الخلاف بين العلماء هل يعد مفطرا أم لا؟ وهذا القسم تحت أنواع:
_________________
(١) صحيح البخاري الصوم (١٨٩٤)، صحيح مسلم الصيام (١١٥١)، سنن الترمذي الصوم (٧٦٤)، سنن النسائي الصيام (٢٢١٦)، سنن أبو داود الصوم (٢٣٦٣)، سنن ابن ماجه الصيام (١٦٣٨)، مسند أحمد بن حنبل (٢/٢٧٣)، موطأ مالك الصيام (٦٨٩) .
(٢) صحيح البخاري التوحيد (٧٤٩٢)، سنن ابن ماجه الصيام (١٦٣٨) .
[ ١٠٧ ]
منها: الحجامة، والصحيح أنها تفطر الصائم، فعن رافع بن خديج ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أفطر الحاجم والمحجوم (١)» رواه أحمد والترمذي وغيرهما. وفي الباب عن ثوبان وشداد بن أوس وأبي هريرة وعائشة وأسامة بن زيد ومعقل بن سنان الأشجعي رضي الله عن الجميع. قال الإمام أحمد ﵀: أصح حديث في هذا الباب حديث ثوبان وشداد بن أوس، وحسن أبو زرعة ﵀ هذا الحديث من طريق أبي هريرة، وقال الدارمي ﵀: صح عندي حديث «أفطر الحاجم والمحجوم (٢)» بحديث ثوبان وشداد بن أوس وأقول به. وقال الإمام أحمد: أحاديث «أفطر الحاجم والمحجوم (٣)» و«لا نكاح إلا بولي (٤)» يشد بعضها بعضا. وأنا أذهب إليها. وكلام أئمة الحديث في الاحتجاج بهذا الحديث كثير، يصعب سرده هنا. وفي معنى الحجامة التبرع بالدم.
ومن المفطرات أيضا ما كان بمعنى الأكل والشرب مما يحصل به غذاء البدن، كالإبر المغذية، وكحقن الدم في جسم الصائم، وكذلك أيضا الأدوية والعلاجات التي تؤخذ من الأنف أو الفم؛ لأنهما منفذان للجوف أما الفم فواضح، وأما الأنف فدليله قول النبي ﷺ للقيط بن صبرة: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما (٥)» .
_________________
(١) سنن الترمذي الصوم (٧٧٤)، مسند أحمد بن حنبل (٣/٤٦٥) .
(٢) سنن الترمذي الصوم (٧٧٤)، مسند أحمد بن حنبل (٣/٤٦٥) .
(٣) سنن الترمذي الصوم (٧٧٤)، مسند أحمد بن حنبل (٣/٤٦٥) .
(٤) سنن الترمذي النكاح (١١٠١)، سنن أبو داود النكاح (٢٠٨٥)، سنن ابن ماجه النكاح (١٨٨١)، مسند أحمد بن حنبل (٤/٤١٨)، سنن الدارمي النكاح (٢١٨٢) .
(٥) سنن الترمذي الصوم (٧٨٨)، سنن النسائي الطهارة (٨٧)، سنن أبو داود الطهارة (١٤٢)، سنن ابن ماجه الطهارة وسننها (٤٠٧) .
[ ١٠٨ ]
ومن المفطرات أيضا: إنزال المني بشهوة، بنحو استمناء أو تكرير نظر لما تقدم من عموم حديث أبي هريرة ﵁ عند البخاري: «يترك طعامه وشرابه وشهوته (١)» . ولا يفطر بالاحتلام ولا بالإنزال الناتج عن التفكير؛ لقول النبي ﷺ كما في حديث أبي هريرة ﵁: «إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم (٢)» متفق عليه.
ومن تعاطى شيئا من المفطرات السابقة في نهار رمضان عامدا مختارا، وجب عليه المبادرة إلى التوبة والتضرع إلى الله ﷿ لعله أن يعفو عنه ويغفر له تلك الزلة. ومع التوبة يجب عليه يوم مكان ذلك اليوم الذي أفطره.
والمجامع في نهار رمضان عامدا مختارا يجب عليه مع التوبة النصوح، وقضاء يوم مكان كل يوم أفسده بالجماع، كفارة عتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا، والدليل على ذلك ما رواه الجماعة بألفاظ متقاربة من حديث أبي هريرة ﵁ قال: «جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: هلكت يا رسول الله، قال: وما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان. قال: هل تجد ما تعتق رقبة؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. قال: فهل تجد ما تطعم ستين مسكينا؟ قال: لا. قال: ثم جلس فأتي النبي ﷺ بعرق فيه تمر. فقال: تصدق بهذا، قال: فهل على أفقر مني؟ فما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا. فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه. وقال: اذهب، فأطعمه أهلك (٣)» .
_________________
(١) صحيح البخاري الصوم (١٨٩٤)، سنن ابن ماجه الصيام (١٦٣٨) .
(٢) صحيح البخاري الطلاق (٥٢٦٩)، صحيح مسلم الإيمان (١٢٧)، سنن الترمذي الطلاق (١١٨٣)، سنن النسائي الطلاق (٣٤٣٣)، سنن أبو داود الطلاق (٢٢٠٩)، سنن ابن ماجه الطلاق (٢٠٤٠)، مسند أحمد بن حنبل (٢/٤٩١) .
(٣) صحيح البخاري كفارات الأيمان (٦٧١١)، صحيح مسلم الصيام (١١١١)، سنن الترمذي الصوم (٧٢٤)، سنن أبو داود الصوم (٢٣٩٠)، سنن ابن ماجه الصيام (١٦٧١)، مسند أحمد بن حنبل (٢/٢٤١)، موطأ مالك الصيام (٦٦٠)، سنن الدارمي الصوم (١٧١٦) .
[ ١٠٩ ]
ومن أخر قضاء يوم من رمضان حتى دخل عليه شهر رمضان الآخر، وجب عليه مع القضاء، كفارة للتأخير، أفتى بذلك جمع من الصحابة كأبي هريرة وابن عباس وابن عمر رضي الله عن الجميع.
ومن تعاطى شيئا من المفطرات ناسيا أو جاهلا أو بغير اختياره فهو معذور ولا شيء عليه؛ لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (١) .
ولا يفطر الصائم أشياء لا تفطره بنحو قلع سن أو دواء جرح وإن وجد طعمه في الحلق، ولا بخروج الدم من السعال أو الرعاف، أو الناسور أو الباسور، ولا يفطر أيضا بشم الطيب، ولا البخور، لكن ينبغي له التحرز من الاستعاط بالبخور واستنشاقه؛ لأن له جرما ربما وصل إلى الجوف. ولا بأس باستعمال معاجين الأسنان، ونحوها من المنظفات مع التحفظ عند استعمالها لئلا يتحلل شيء منها فيذهب إلى الجوف، وترك ذلك في نهار رمضان أحوط للصائم؛ لأن له نفوذا قويا.
ويشرع للصائم كغيره السواك أول النهار وآخره؛ لعموم قول النبي ﷺ: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة (٢)» أخرجه الجماعة من حديث أبي هريرة ﵁. ولم يصح في النهي عنه للصائم حديث فيما نعلم.
_________________
(١) سورة البقرة الآية ٢٨٦
(٢) صحيح البخاري الجمعة (٨٨٧)، صحيح مسلم الطهارة (٢٥٢)، سنن الترمذي الطهارة (٢٢)، سنن النسائي الطهارة (٧)، سنن أبو داود الطهارة (٤٦)، سنن ابن ماجه الطهارة وسننها (٢٨٧)، مسند أحمد بن حنبل (١/١٢٠)، موطأ مالك الطهارة (١٤٧)، سنن الدارمي الصلاة (١٤٨٤) .
[ ١١٠ ]
وإن مما يجب على المسلم تركه في كل وقت- ويتأكد ذلك عليه في رمضان لحرمة الزمان- المحرمات بأنواعها، فأعظم ذلك صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله، كمن يذبح أو ينذر لغير الله من حجر أو شجر أو نبي أو ولي أو ملك، أو يطلب منه المدد أو الغوث، فإن ذلك كله من الشرك بالله يقول الله ﷿: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (١) وعاقبة الشرك وخيمة يقول الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٢) ويقول سبحانه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (٣) .
ومما يجب على العبد التنبه له في هذا الشهر أيضا أمر الصلاة فإن أمرها عظيم، من حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع، فالحذر الحذر من التساهل فيها أو أدائها في غير وقتها، فإن هذا فعل أهل السوء يقول الله سبحانه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (٤) .
ومن المحرمات التي يجب التنبه لها: عقوق الوالدين، والسحر، وأكل مال اليتيم، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والزنا، والربا، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، وشهادة الزور، والكذب، والخيانة، وشرب الخمر، وأكل أموال الناس بالباطل. ومنها: الغيبة والنميمة. وغير ذلك من المحرمات التي يجب على المسلم البعد عنها كل وقت، ويتأكد عليه في هذا الشهر الكريم أن ينزه عنها صومه، حتى يكون من الصائمين المحافظين على صيامهم.
ثم إن الصائم سواء كان رجلا أو امرأة، قد يعرض له من العوارض ما يشرع معه الفطر في نهار رمضان. فمن الأعذار: المرض، يقول الله ﷿: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٥) .
والمريض له أحوال:
_________________
(١) سورة الجن الآية ١٨
(٢) سورة النساء الآية ٤٨
(٣) سورة المائدة الآية ٧٢
(٤) سورة مريم الآية ٥٩
(٥) سورة البقرة الآية ١٨٤
[ ١١١ ]
أولها: أن يكون مرضه خفيفا عارضا، لا يؤثر فيه الصوم، لا بشدة في المرض، ولا بتأخر في زمن البرء، فمن كانت هذه حاله فإنه لا يباح له الفطر، وهذا كمن يعرض له بعض الصداع في نهار صيامه، ونحو ذلك.
ثانيها: أن يكون الصوم يؤثر على صحته إما باشتداد المرض، أو بتأخر زمن البرء، فهنا يستحب له الفطر.
ثالث الأحوال: أن يكون الصوم مضرا به ضررا بينا، وقد يؤدي به إلى الهلكة، فهنا يتأكد تأكدا كبيرا، إبقاء على نفسه ودفعا للضرر عنها، فالرسول ﷺ يقول: «لا ضرر ولا ضرار (١)»، والله ﷾ يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٢) . ويقول سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٣) .
ومن العلماء من قال: بوجوب الفطر في هذه الحال؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٤) . ومنهم من قال: بعدم الوجوب، وأن الصوم مكروه فقط وليس بمحرم. والقول بالوجوب أقرب.
وبكل حال؛ فإن العبد إذا علم من نفسه عدم الصبر على شدة المرض أو زيادته، وأن ذلك ربما أدى به إلى التشكي والتسخط، فإنه والحالة هذه يجب عليه أن يفطر؛ لأن صوم من هذه حاله وسيلة إلى المحرم، وهو التسخط والجزع، وما كان وسيلة إلى المحرم فهو محرم. ولا ينبغي أن يكون في هذا خلاف.
فإذا أفطر من شرع له الفطر بسبب المرض لزمه أحد أمرين: إما القضاء بعدد الأيام التي أفطرها، أو الإطعام عن كل يوم مسكينا نصف صاع من الطعام، على التفصيل الآتي بيانه: فالمريض الذي يرجى برؤه إذا أفطر لزمه القضاء، ولا يلزمه الإطعام، ولا يجزئه لو فعله.
_________________
(١) سنن ابن ماجه الأحكام (٢٣٤٠)، مسند أحمد بن حنبل (٥/٣٢٧) .
(٢) سورة البقرة الآية ٢٨٦
(٣) سورة التغابن الآية ١٦
(٤) سورة البقرة الآية ١٩٥
[ ١١٢ ]
فإذا استمر به المرض بعد رمضان ولم يتمكن من القضاء، حتى مات، لم يلزمه شيء، ولا يلزم ورثته أيضا شيء. أما إن تمكن من القضاء ففرط ولم يصم حتى مات؛ فإنه يشرع لوليه أن يصوم عنه؛ لحديث أم المؤمنين عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «من مات وعليه صوم صام عنه وليه (١)» متفق عليه؛ ولأنه دين عليه؛ ودين الله أحق بالوفاء.
أما المريض الذي لا يرجى برؤه، فإنه لا يلزمه إلا الإطعام، فإن أطعم سقط عنه الفرض، وله أن يطعم جمعا من المساكين بعدد الأيام التي أفطرها، في يوم واحد، بأن يصنع لهم وليمة ويدعوهم إليها أو يوزعها عليهم.
فإن شفي من المرض بعدما أطعم لم يلزمه القضاء؛ لأنه فعل الواجب عليه فبرئت ذمته. وإن مات وهو لم يطعم، أطعم عنه من ماله قبل قسمة التركة؛ لأنه دين ثابت في ذمته، حتى لو مات في أثناء الشهر ولم يطعم عما مضى من الأيام أطعم عنه من ماله.
ومن الأعذار المبيحة للفطر في نهار رمضان، السفر، فإن المسافر مسافة قصر يشرع له الفطر لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٢) .
فإذا أفطر المسافر في سفره، لزمه القضاء بصيام يوم مكان كل يوم من رمضان أفطره في سفره.
والتفضيل بين الفطر والصوم في السفر مسألة مشهورة عند أهل العلم، والخلاف فيها معروف ولكل دليله، وينبغي أن يعلم أن هذا الخلاف فيما إذا كان الصوم لا يشق على المسافر، أما إن كان شاقا عليه، فلا شك حينئذ في استحباب فطره؛ لقول النبي ﷺ «لما رأى رجلا قد ظلل عليه، قد أعياه الصوم في السفر: ليس من البر الصيام في السفر (٣)» .
_________________
(١) صحيح البخاري الصوم (١٩٥٢)، صحيح مسلم الصيام (١١٤٧)، سنن أبو داود الصوم (٢٤٠٠)، مسند أحمد بن حنبل (٦/٦٩) .
(٢) سورة البقرة الآية ١٨٤
(٣) صحيح البخاري الصوم (١٩٤٦)، صحيح مسلم الصيام (١١١٥)، سنن النسائي الصيام (٢٢٦٢)، سنن أبو داود الصوم (٢٤٠٧)، مسند أحمد بن حنبل (٣/٢٩٩)، سنن الدارمي الصوم (١٧٠٩) .
[ ١١٣ ]
بل إن النبي ﷺ قد شدد في هذا كثيرا، فإنه «لما خرج عام الفتح وكان صائما، فلما بلغ كراع الغميم، قيل له: إن الناس قد شق عليهم الصوم، فأفطر وأمر الناس بالفطر، فبلغه أن أناسا لا يزالون صياما، فقال ﷺ: أولئك العصاة، أولئك العصاة (١)» .
وإذا كان القوم صحبة في سفر، وكان بعضهم صائما وبعضهم مفطرا، فإنه لا ينبغي أن ينكر هذا على هذا؛ لأن كلا منهما قد اتبع سنة، فالصائم عمل بفعل النبي ﷺ في غالب أسفاره. والمفطر عمل بقوله وبفعله ﷺ في بعض أسفاره؛ ولأن الصحابة ﵃ كانت هذه حالهم في أسفارهم مع رسول الله ﷺ، يقول أنس ﵁: «كنا نسافر مع رسول الله ﷺ فمنا الصائم ومنا المفطر، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم (٢)» .
ومن الأعذار التي يشرع لأجلها الفطر للصائم سواء كان رجلا أو امرأة: الكبر، فالكبير إذا شق عليه الصوم أفطر، وأطعم عن كل يوم مسكينا، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (٣) . قال ابن عباس ﵄: " ليست بمنسوخة. وهو الشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة، لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكينا " رواه البخاري.
_________________
(١) صحيح مسلم الصيام (١١١٤)، سنن الترمذي الصوم (٧١٠)، سنن النسائي الصيام (٢٢٦٣) .
(٢) صحيح مسلم الصيام (١١١٧)، سنن الترمذي الصوم (٧١٣)، سنن النسائي الصيام (٢٣١٠)، مسند أحمد بن حنبل (٣/٥٠) .
(٣) سورة البقرة الآية ١٨٤
[ ١١٤ ]
ومن الأعذار التي يختص بها النساء دون الرجال: الحيض والنفاس، فالحائض لا يجوز لها الصوم، ولا يصح منها لو فعلت، وهي آثمة بصومها حال حيضها، وذلك بالإجماع. دليل ذلك قول النبي ﷺ في حديث خطبته لأحد العيدين، «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم منكن يا معشر النساء، قلن له: وما نقصان عقلنا وديننا؟ قال: أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى. قال: فذلك من نقصان عقلها. أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ قلن: بلى. قال: فذلك من نقصان دينها (١)» متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. والنفساء لها حكم الحائض.
ويجب على كل من الحائض والنفساء، قضاء يوم عن كل يوم أصابها فيه الحيض والنفاس أثناء رمضان، لحديث معاذة، أنها سألت عائشة ﵂: «ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت: أحرورية أنت؟ قالت: لست بحرورية، ولكنني أسأل. قالت: كان يصيبنا ذلك مع رسول الله ﷺ فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة (٢)» رواه الجماعة بألفاظ متقاربة.
ومن الأعذار التي يختص بها النساء أيضا، الحمل والإرضاع، فإن الحامل أو المرضع إذا خافتا على نفسيهما أو ولديهما جاز لهما الفطر، أفتى بذلك بعض الصحابة ﵃ أجمعين. فإن أفطرت الحامل أو المرضع خوفا على نفسها، لزمها قضاء يوم مكان كل يوم أفطرته بسبب ذلك. وإن أفطرتا خوفا على ولديهما، لزمهما مع القضاء إطعام مسكين عن كل يوم، وهذا مروي عن ابن عباس وابن عمر ﵃ أجمعين ثم أنه يحسن هنا التنبيه لبعض الأمور:
_________________
(١) صحيح البخاري الحيض (٣٠٤)، صحيح مسلم الإيمان (٨٠) .
(٢) صحيح البخاري الحيض (٣٢١)، صحيح مسلم الحيض (٣٣٥)، سنن الترمذي الطهارة (١٣٠)، سنن النسائي الصيام (٢٣١٨)، سنن أبو داود الطهارة (٢٦٢)، سنن ابن ماجه الطهارة وسننها (٦٣١)، مسند أحمد بن حنبل (٦/٢٣٢)، سنن الدارمي الطهارة (٩٨٦) .
[ ١١٥ ]
أولا: أن النية في شهر رمضان واجبة، ويكفي أن ينوي العبد المسلم أنه سيصوم رمضان في أول الشهر، ويستصحب حكمها بقية الشهر، بمعنى ألا يقطع الصيام لا بفعله ولا بنيته، فإن قطعه بفعل أو بنية لزمه استئناف نية جديدة.
وأمر النية قد يشكل على كثير من المسلمين، وقد يورث عند بعضهم الوسوسة، وهو أمر يسير، فالنية إنما هي العزم على الصيام، والعبد المسلم منذ أن يعلم أن غدا من رمضان وهو عازم على صيامه إلا إن كان فيه مانع من الموانع، ومحل النية القلب ولا يجوز التلفظ بها.
ثانيا: ينبغي للمسلمين أن يحرصوا على السنة في تعجيل الفطور، لحديث سهل بن سعد ﵁، أن النبي ﷺ قال: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر (١)» متفق عليه.
وفي تأخير السحور جاء حديث زيد بن ثابت ﵁، قال: «تسحرنا مع رسول الله ﷺ، ثم قمنا إلى الصلاة. قلت- أي الراوي عن زيد-: كم كان قدر ذلك؟ قال: خمسين آية (٢)» متفق عليه.
ثالثا: يلاحظ على كثير من المسلمين السهر في ليالي هذا الشهر الكريم على الملهيات، حتى إذا اقترب وقت السحر ناموا، ففاتهم فضل السحور وفضل إدراك وقت النزول الإلهي، وربما فاتتهم صلاة الفجر والعياذ بالله، فالواجب على العبد الحزم في ذلك، وأن يجعل شهره هذا موسما للازدياد من الطاعات، وأن لا ينشغل بما يصده عن الله من الملهيات.
_________________
(١) صحيح البخاري الصوم (١٩٥٧)، صحيح مسلم الصيام (١٠٩٨)، سنن الترمذي الصوم (٦٩٩)، سنن ابن ماجه الصيام (١٦٩٧)، مسند أحمد بن حنبل (٥/٣٣٧)، موطأ مالك الصيام (٦٣٨)، سنن الدارمي الصوم (١٦٩٩) .
(٢) صحيح البخاري الصوم (١٩٢١)، صحيح مسلم الصيام (١٠٩٧)، سنن الترمذي الصوم (٧٠٣)، سنن النسائي الصيام (٢١٥٦)، سنن ابن ماجه الصيام (١٦٩٤)، مسند أحمد بن حنبل (٥/١٨٢)، سنن الدارمي الصوم (١٦٩٥) .
[ ١١٦ ]
ومن العبادات المشروعة في هذا الشهر الكريم عبادة القيام، قيام الليل فإنه دأب الصالحين، وقد شرعه الله لنبيه ﷺ ولأمته في كل أيام العام، بل كان واجبا عليهم ثم خفف الله عنهم يقول الله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١) .
وقد أثنى الله على عباده المؤمنين بقيام الليل فقال: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ (٢) .
وصلاة الليل هي أفضل الصلوات بعد الفرائض؛ فعن أبي هريرة ﵁، قال: «سئل رسول الله ﷺ أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ قال: الصلاة في جوف الليل (٣)» الحديث رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.
والأفضل تأخير قيام الليل إلى جوف الليل لمن وثق بالقيام؛ فعن جابر بن عبد الله ﵄: أن النبي ﷺ قال: «أيكم خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر، ثم ليرقد، ومن وثق بقيام من آخر الليل فليوتر من آخره، فإن قراءة آخر الليل محضورة، وذلك أفضل (٤)» رواه مسلم والترمذي وابن ماجه وأحمد.
_________________
(١) سورة المزمل الآية ٢٠
(٢) سورة الذاريات الآية ١٧
(٣) صحيح مسلم الصيام (١١٦٣)، سنن أبو داود الصوم (٢٤٢٩)، مسند أحمد بن حنبل (٢/٣٠٣) .
(٤) صحيح مسلم صلاة المسافرين وقصرها (٧٥٥)، سنن الترمذي الصلاة (٤٥٥)، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (١١٨٧)، مسند أحمد بن حنبل (٣/٣٤٨) .
[ ١١٧ ]
والأصل في صلاة الليل أن تكون مثنى مثنى ثم يوتر بواحدة، فعن ابن عمر ﵄: أن رجلا سأل رسول الله ﷺ عن صلاة الليل، فقال رسول الله ﷺ: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة، توتر له ما قد صلى (١)» متفق عليه.
والأفضل أن يختم صلاته بالليل على وتر؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا (٢)» . ولا حد لصلاة الليل فإن صلى إحدى عشرة ركعة فحسن، وإن صلى ثلاث عشرة فحسن أيضا؛ فإن هذا مما واظب عليه النبي ﷺ كما قالت أم المؤمنين عائشة ﵂. فإن صلى ثلاثا أو خمسا أو سبعا أو تسعا، أو زاد فصلى خمس عشرة أو سبع عشرة، أو إحدى وعشرين أو ثلاثا وعشرين، أو أكثر من ذلك فلا بأس إذا قطعها على وتر؛ لأن الأصل في صلاة الليل عدم التحديد كما تقدم من الآية، ولحديث ابن عمر ﵄ المتقدم: «صلاة الليل مثنى مثنى (٣)» . وهذا جواب من رسول الله ﷺ لمن سأله عن صلاة الليل، ولو كانت محدودة بعدد قلة وكثرة لبين ذلك له.
_________________
(١) صحيح البخاري الجمعة (٩٩١)، صحيح مسلم صلاة المسافرين وقصرها (٧٤٩)، سنن الترمذي الصلاة (٤٦١)، سنن النسائي قيام الليل وتطوع النهار (١٦٩٤)، سنن أبو داود الصلاة (١٤٢١)، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (١١٧٥)، مسند أحمد بن حنبل (٢/٧٨)، موطأ مالك النداء للصلاة (٢٦٩) .
(٢) صحيح البخاري الجمعة (٩٩٨)، صحيح مسلم صلاة المسافرين وقصرها (٧٥١)، سنن أبو داود الصلاة (١٤٣٨)، مسند أحمد بن حنبل (٢/٢٠) .
(٣) صحيح البخاري الجمعة (٩٩١)، صحيح مسلم صلاة المسافرين وقصرها (٧٤٩)، سنن الترمذي الصلاة (٤٣٧)، سنن النسائي قيام الليل وتطوع النهار (١٦٩٤)، سنن أبو داود الصلاة (١٤٢١)، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (١١٧٥)، مسند أحمد بن حنبل (٢/٧١)، موطأ مالك النداء للصلاة (٢٦٩)، سنن الدارمي الصلاة (١٤٥٨) .
[ ١١٨ ]
والمسلم ينبغي ألا يغفل عن صلاة الليل، وإن لم يدرك ذلك فلا أقل من الوتر؛ فعن أبي هريرة ﵁ قال «أوصاني خليلي ﷺ بثلاث: بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام (١)» متفق عليه.
هذا، وإن قيام الليل ليتأكد في رمضان ويزيد فيه الأجر والفضل يقول النبي ﷺ: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه (٢)» رواه الجماعة.
ويشرع في هذا الشهر الكريم قيام الليل جماعة وهو ما يسمى بـ (التراويح) فقد صح عن النبي ﷺ أنه فعل ذلك مع أصحابه ﵃ ثلاث ليال، أخبرت بذلك عائشة ﵂ كما في الصحيحين. وقد سنه عمر بن الخطاب ﵁ طوال الشهر وهذا ثابت عنه في الصحيحين أيضا.
وينبغي للإمام مراعاة حال مأموميه قوة وضعفا، فلا يطيل بهم إطالة تشق عليهم، ولا يخل بمقصود الصلاة فينقرها نقرا، بل تكون صلاته معتدلة نافعة يسمع فيها من يصلي خلفه القرآن، من غير مشقة زائدة عليهم.
ومن العبادات المشروعة في هذا الشهر الكريم، تلاوة القرآن كتاب الله العزيز، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وشهر رمضان هو شهر القرآن: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ (٣) .
وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أن جبريل ﵇، كان يدارس النبي ﷺ القرآن مرة كل عام وذلك في رمضان، ودارسه إياه عام قبض ﷺ مرتين في رمضان.
_________________
(١) صحيح البخاري الصوم (١٩٨١)، صحيح مسلم صلاة المسافرين وقصرها (٧٢١)، سنن الترمذي الصوم (٧٦٠)، سنن النسائي قيام الليل وتطوع النهار (١٦٧٨)، سنن أبو داود الصلاة (١٤٣٢)، مسند أحمد بن حنبل (٢/٥٠٥)، سنن الدارمي الصوم (١٧٤٥) .
(٢) صحيح البخاري الإيمان (٣٧)، سنن النسائي الصيام (٢٢٠٢)، سنن أبو داود الصلاة (١٣٧١)، سنن الدارمي الصوم (١٧٧٦) .
(٣) سورة البقرة الآية ١٨٥
[ ١١٩ ]
وقد كان للسلف أحوال يطول ذكرها مع القرآن في هذا الشهر الكريم، والمقصود هنا التنبيه على أفضل ما يشرع من العبادات في هذا الشهر الكريم، وإن كان جنسها مشروعا في غير رمضان لكن فضلها في رمضان أكبر وأجرها أعظم.
ومما يشرع أيضا في هذا الشهر كثرة البذل والصدقات؛ فإن هذا من سنة المصطفى ﷺ، فعن عبد الله بن عباس ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل ﵇ يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ، يعرض عليه النبي ﷺ القرآن، فإذا لقيه جبريل ﵇ كان أجود بالخير من الريح المرسلة (١)» . ومما يشرع في هذا الشهر الكريم من العبادات الاعتكاف.
والاعتكاف في اللغة: من العكوف، وهو بمعنى الإقامة على الشيء، ولزومه.
وفي الشرع: التعبد لله ﷿، بلزوم بيت من ييوت الله، من شخص مخصوص، على صفة مخصوصة.
وهو مشروع في المساجد كلها لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٢) ولا حد لأكثره باتفاق. واختلفوا في أقله، فمن قائل أقله يوم وليلة، ومن قائل بل يوم أو ليلة، ومن قائل بل ساعة، ومنهم من قال بل يكفي المرور بنية الاعتكاف. ومنهم من اشترط الصوم للاعتكاف، والصحيح عدم اشتراطه؛ لحديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: «يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال النبي ﷺ: أوف بنذرك فاعتكف ليلة (٣)» رواه البخاري ومسلم.
_________________
(١) صحيح البخاري الصوم (١٩٠٢)، صحيح مسلم الفضائل (٢٣٠٨)، سنن النسائي الصيام (٢٠٩٥)، مسند أحمد بن حنبل (١/٣٦٣) .
(٢) سورة البقرة الآية ١٨٧
(٣) صحيح البخاري الاعتكاف (٢٠٤٢)، صحيح مسلم الأيمان (١٦٥٦)، سنن الترمذي النذور والأيمان (١٥٣٩)، سنن النسائي الأيمان والنذور (٣٨٢٢)، سنن أبو داود الأيمان والنذور (٣٣٢٥)، سنن ابن ماجه الصيام (١٧٧٢)، مسند أحمد بن حنبل (٢/١٥٤)، سنن الدارمي النذور والأيمان (٢٣٣٣) .
[ ١٢٠ ]
ويتجنب المعتكف الخروج من المسجد إلا لحاجة الإنسان، وهو البول أو الغائط؛ ففي الصحيحين أن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: «وإن كان رسول الله ﷺ ليدخل رأسه وهو في المسجد فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفا (١)» هذا لفظ البخاري، وزاد مسلم «إلا لحاجة الإنسان (٢)» . وفسرها الزهري ﵀ بالبول والغائط. وكذلك يجوز له الخروج من المسجد للأكل والشرب إذا لم يكن له من يحضر الطعام والشراب في معتكفه. وإذا اعتكف في مسجد لا تقام فيه جمعة، وأدركته الجمعة وجب عليه الخروج ليصليها في مسجد تقام فيه الجمعة. ولا يخرج لغير ذلك من الحوائج لا لعيادة مريض ولا لاتباع جنازة ولا غيرها، إلا إذا شرطها.
والجماع يفسد الاعتكاف بالإجماع. ويجوز لزوج المعتكف وأهله زيارته في معتكفه لفعل النبي ﷺ مع أزواجه، فعن علي بن الحسين قال: كان رسول الله ﷺ في المسجد وعنده أزواجه، فرحن، فقال لصفية بنت حيي: «لا تعجلي حتى أنصرف معك (٣)» الحديث رواه البخاري.
وينبغي للمعتكف أن يستشعر حقيقة هذه العبادة، وأن يملأ وقته في المسجد، بأنواع العبادات من صلاة، وتلاوة لكتاب الله وذكر ودعاء واستغفار، والتنويع بين العبادات يبعث العبد على النشاط في العبادة وعدم الملل، فيحصل له بذلك الأجر الكثير.
وينبغي هنا التنبيه على ما يفعله بعض إخواننا من اتخاذ المعتكف مكانا لمجلبة الزوار، وتجاذب أطراف الأحاديث، والانشغال بأمور الدنيا ومتابعتها، إما من طريق من يزورهم أو عبر هواتفهم ونحو ذلك. وكل هذا ينافي المقصود من الاعتكاف وهو الإقامة على طاعة الله وملء الوقت بعبادة الله.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الاعتكاف، حديث رقم ١٩٢٥، تحقيق البغا.
(٢) صحيح مسلم الحيض (٢٩٧) .
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الاعتكاف، حديث رقم ١٨٩٧، ومسلم في كتاب السلام، حديث رقم ٤٠٤١، وأبو داود في كتاب الصوم، حديث رقم ٢١١٣، وابن ماجه في كتاب الصيام، حديث رقم ١٧٦٩، وأحمد في باقي مسند الأنصار، حديث رقم ٢٥٦٣٠، والدارمي في كتاب الصوم، حديث رقم ١٧١٤.
[ ١٢١ ]
وأفضل الأوقات للاعتكاف هو شهر رمضان وأفضل أيام الشهر ولياليه، هو العشر الأخيرة منه، وقد استقرت سنة النبي ﷺ على الاعتكاف في العشر الأخيرة من رمضان تحريا لليلة القدر، فعن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: سألت أبا سعيد الخدري ﵁ قلت: هل سمعت رسول الله ﷺ يذكر ليلة القدر؟ قال: نعم، «اعتكفنا مع رسول الله ﷺ العشر الأوسط من رمضان، قال فخرجنا صبيحة عشرين. قال فخطبنا رسول الله ﷺ صبيحة عشرين، فقال: إني أريت ليلة القدر، وإني أنسيتها، فالتمسوها في العشر الأواخر في وتر، فإني رأيت أني أسجد في ماء وطين، ومن كان اعتكف مع رسول الله فليرجع، فرجع الناس إلى المسجد، وما نرى في السماء قزعة، قال: فجاءت سحابة، فمطرت وأقيمت الصلاة فسجد رسول الله ﷺ في الطين والماء، حتى رأيت الطين في أرنبته وجبهته (١)» . رواه البخاري.
ويشرع لمن أراد اعتكاف العشر أن يدخل معتكفه بعد صلاة الصبح من اليوم الحادي والعشرين؛ لحديث عائشة أم المؤمنين ﵂ في الصحيحين: «أن النبي ﷺ كان إذا صلى الصبح دخل معتكفه (٢)» متفق عليه.
وقد ذكر بعض العلماء أن المعتكف ينبغي له أن يبدأ في اعتكافه من غروب شمس يوم العشرين من رمضان؛ ليدرك ليلة إحدى وعشرين وهي إحدى الليالي الوتر التي يرجى فيها ليلة القدر، بل قد حصل ذلك في عهد النبي ﷺ فكانت ليلة القدر هي ليلة إحدى وعشرين، كما مر قريبا في حديث أبي سعيد الخدري.
_________________
(١) صحيح البخاري الاعتكاف (٢٠٣٦)، صحيح مسلم الصيام (١١٦٧)، سنن أبو داود الصلاة (١٣٨٢)، مسند أحمد بن حنبل (٣/٧٤) .
(٢) صحيح البخاري الاعتكاف (٢٠٤٥)، صحيح مسلم الاعتكاف (١١٧٣)، سنن الترمذي الصوم (٧٩١)، سنن النسائي المساجد (٧٠٩)، سنن أبو داود الصوم (٢٤٦٤)، سنن ابن ماجه الصيام (١٧٧١)، مسند أحمد بن حنبل (٦/٨٤)، موطأ مالك الاعتكاف (٦٩٩) .
[ ١٢٢ ]
وأجاب هؤلاء العلماء عن حديث عائشة بأنها ﵂ إنما ذكرت دخول النبي ﷺ المعتكف في صبيحة إحدى وعشرين، ومعلوم أن النبي ﷺ كان يتخذ مكانا مهيأ له في المسجد ليعتكف فيه، وهذا لا يمنع كون الرسول ﷺ قد مكث في المسجد من غروب الشمس حتى الصبح، ثم دخل المعتكف بعد صلاة الصبح، ولعل هذا القول هو الأقرب.
وينبغي للمسلم أن يتأسى بالنبي ﷺ ويهتدي بهديه، ويحرص على اتباع سنته، فيعتكف اعتكافا كما اعتكفه النبي ﷺ في وقته وهيئته وأن يبتعد عما يخدش ذلك أو يبطل اعتكافه من الأقوال والأعمال فالأمر يسير والأيام قليلة، فعلى العبد أن يوطن نفسه على الصبر في مواطن الطاعات، فإن ذلك من أجل القربات.
ثم إن على المسلم أن يحرص في آخر هذا الشهر بكثرة العبادات والاجتهاد فيها خصوصا في ليالي العشر، فقد كان النبي ﷺ إذا دخل العشر شد المئزر وأيقظ أهله وأحيا ليله، وإحياء الليل يكون بالصلاة والذكر والدعاء وتلاوة القرآن والاستغفار، وغير ذلك من العبادات.
إخواني إن شهر رمضان من الأزمان الفاضلة والمواسم الخيرة التي ينبغي للمسلم اغتنامها بالصالحات، والحرص على الطاعات، فكم من أخ لنا انتظر هذا الشهر ولم يستقبله، وكم ممن استقبله لم يكمله، وكم ممن أكمله لم يدركه من قابل.
[ ١٢٣ ]
والله سبحانه تفضل على عباده المسلمين بهذا الشهر الكريم وشرع لهم من العبادات ما يكون لهم به الأجر العظيم، والخير الكثير. وقد خص الله هذه الأمة على سائر الأمم بمزيد منه وعطائه، فالأعمار قصيرة، والأعمال قليلة، والأجور مضاعفة كثيرة، فعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «إنما بقاؤكم فيمن سلف من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس، أوتي أهل التوراة التوراة فعملوا بها حتى انتصف النهار، ثم عجزوا فأعطوا قيراطا قيراطا، ثم أوتي أهل الإنجيل الإنجيل فعملوا به حتى صليت العصر، ثم عجزوا فأعطوا قيراطا قيراطا، ثم أوتيتم القرآن فعملتم به حتى غربت الشمس فأعطيتم قيراطين قيراطين، فقال أهل الكتاب: هؤلاء أقل منا عملا وأكثر أجرا، قال الله: هل ظلمتكم من حقكم شيئا؟ قالوا: لا. فقال: فهو فضلي أوتيه من أشاء (١)» رواه البخاري.
اللهم اجعلنا ممن أدرك هذا الشهر الكريم، ووفقته فيه للصيام والقيام والذكر والدعاء وسائر الطاعات، اللهم واجعل عملنا فيه صالحا، ولوجهك خالصا، اللهم اجعلنا فيه من عتقائك من النار، اللهم واجعلنا ممن أدرك ليلة القدر، فكتبت له فيها عظيم الأجر، اللهم وفقنا للأعمال الصالحة بعد رمضان، وأعده علينا أعواما عديدة والأمة الإسلامية في خير حال يا رب العالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه واقتفى أثره إلى يوم الدين.
_________________
(١) صحيح البخاري التوحيد (٧٥٣٣)، سنن الترمذي الأمثال (٢٨٧١)، مسند أحمد بن حنبل (٢/١٢٩) .
[ ١٢٤ ]